* قراءة في توجيه الاستثمارات الكبرى نحو حلقات التصنيع والتخزين والتسويق، بما يعزز تكاملها مع المزارعين في يوم واحد، 24 آب 2026، برز مشهدان يضعان مستقبل الاستثمار الزراعي الأردني أمام سؤال عملي. في بكين، فتحت زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الصين أفقاً لتوسيع التعاون في قطاعات من بينها الزراعة والصناعات الغذائية والتكنولوجيا، وشهد جلالته والرئيس الصيني شي جينبينغ توقيع وثائق تعاون شملت الاقتصاد والتجارة والسلاسل الصناعية وسلاسل الإمداد. وفي عمّان، ناقشت لجنة الزراعة والمياه النيابية آليات استثمار أموال الضمان الاجتماعي في القطاع الزراعي وانعكاساتها على الإنتاج المحلي، وسط اعتراضات مزارعين على دخول شركة تابعة للضمان في زراعة البطاطا ومحاصيل أخرى، وما اعتبروه منافسة أثرت في قدرتهم على تسويق إنتاجهم. قد يبدو المشهدان منفصلين، أحدهما دبلوماسي واستثماري رفيع المستوى، والآخر نقاش رقابي محلي حول محصول زراعي. لكنهما يقودان إلى سؤال واحد: أين ينبغي أن يتموضع الاستثمار المؤسسي داخل سلسلة القيمة الزراعية؟ هل يتوسع في إنتاج المحصول نفسه، أم يتجه إلى الحلقات التي يصعب على المزارع الفرد تمويلها أو إدارتها منفرداً، مثل التصنيع والتخزين والنقل والتسويق؟ تكشف قضية البطاطا خللاً أكبر من محصول واحد. ففي مشروع المدورة، الذي تبلغ مساحته نحو 30 ألف دونم والمستغل منه حالياً قرابة 10 آلاف دونم، قال مدير شركة الضمان للاستثمار والصناعات الزراعية إن إنتاج الشركة من البطاطا لم يتجاوز ما بين 4 و6 في المئة من الإنتاج المحلي، وإن توجهها الحالي هو الخروج من زراعة بطاطا المائدة والتركيز على البطاطا التصنيعية المستخدمة في رقائق البطاطا والأصابع نصف المقلية، إلى جانب الزراعات العلفية. في المقابل، اعتبر المزارعون المشاركون في اجتماع اللجنة أن دخول مستثمر مؤسسي كبير في زراعة البطاطا ومحاصيل أخرى خلق منافسة غير متكافئة، وضغط على الأسعار وقدرتهم على تسويق إنتاجهم. وطالبوا بتوجيه استثمارات الضمان نحو التصنيع الزراعي وحلقات ما بعد الحصاد، بدلاً من التوسع في إنتاج المحاصيل التي يعتمدون عليها في معيشتهم. لا تكفي نسبة 4 إلى 6 في المئة وحدها لنفي الأثر في السوق، كما لا تكفي شكاوى المزارعين لإثبات أن استثمار الضمان كان سبب خسائرهم. فالتأثير في محصول سريع التأثر بتقلبات العرض لا يُقاس بالإنتاج السنوي وحده، بل بتوقيت طرح الكميات، ومناطق تسويقها، والطاقة التخزينية والتصنيعية المتاحة. ويحتاج إثبات السببية إلى بيانات عن المساحات المزروعة، وكميات الحصاد، والأسعار والواردات خلال الموسم. لكن النقاش يكشف بالفعل فجوة في تنسيق قرارات الإنتاج مع الطلب والتصنيع والتسويق؛ ولذلك لا يتعلق السؤال بدخول الاستثمار المؤسسي إلى الزراعة من عدمه، بل بالموقع الذي يحقق فيه أكبر قيمة داخل السلسلة من دون الإضرار باستدامة المزارعين. ويمتد النقاش إلى القمح والشعير، حيث قد تختلف الجدوى الاستثمارية عن القيمة الاستراتيجية. فمن مسؤولية صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي المحافظة على أموال المشتركين وتحقيق عائد مناسب، بينما تنظر الدولة إلى المحاصيل الاستراتيجية أيضاً من زاوية الأمن الغذائي والحد من التعرض لتقلبات الأسواق الخارجية. فإذا رأت الدولة ضرورة التوسع في محصول لا يحقق بمفرده عائداً استثمارياً مناسباً، فإن الجمع بين الهدفين يتطلب سياسة معلنة تحدد الكميات المستهدفة وأدوات التحفيز أو الشراء وتقاسم المخاطر. وبذلك تتوزع المسؤوليات بوضوح، فلا تُحمّل محفظة استثمارية وحدها كلفة هدف وطني، ولا تُستبعد القيمة الاستراتيجية للمحصول لمجرد انخفاض ربحيته المباشرة. وكانت ساحة الصادرات مثالاً عملياً على أن جدوى الاستثمار الزراعي لا تُحسم في الحقل وحده. فالساحة التابعة للسوق المركزي في أمانة عمّان الكبرى حضرت في النقاش من زاوية الرسوم المفروضة على المنتجات المعدة للتصدير، وقد أوضح أمين عام وزارة الزراعة أن هذه الرسوم تتبع الأمانة لا الوزارة. غير أن تحديد الجهة التي تستوفي الرسم لا يحسم المسألة، إذ يبقى الأهم أثر مجمل الرسوم والإجراءات في كلفة وصول المنتج الأردني إلى الأسواق الخارجية. والمعيار هنا هو مدى تناسب هذه الكلف مع خدمات تسهّل الفحص والتدريج والتعبئة والتبريد والتتبع، وترفع قدرة المنتج على المنافسة. فالقطاع لا يحتاج إلى زيادة الإنتاج فقط، بل إلى بنية تستوعب الفائض عبر التصنيع والتخزين والنقل المبرد والمعلومات السوقية والعقود التصديرية، حتى لا تتحول وفرة المحصول إلى خسارة للمزارع. ويقود البحث عن معالجة هذه الاختناقات إلى الدرس الصيني الأهم: بناء المنظومة لا استنساخ النموذج. فمن خلال تجربتي الدراسية والبحثية في الصين، لم أرَ القيمة في ضخامة المشروعات أو سرعة التوسع فقط، بل في التفكير بالمنظومة التي تربط البحث والتجريب بالإنتاج والجودة والتصنيع والتخزين والنقل والسوق، ثم تعيد معلومات السوق إلى دورة القرار. وهذا هو الجانب القابل للاستفادة منه في الأردن: بناء نموذج يناسب موارده واحتياجاته، لا استنساخ تجربة صُممت لبلد مختلف في حجمه وإمكاناته. وتمنح زيارة جلالة الملك إلى الصين هذا التوجه بعداً عملياً، خصوصاً مع اتساع مجالات التعاون لتشمل الزراعة والصناعات الغذائية والتكنولوجيا وسلاسل التوريد. فالأولوية ليست استيراد المعدات أو جذب التمويل فقط، بل تطوير شراكات تنقل المعرفة وتعالج اختناقات أردنية محددة، ثم تقيس نتائجها قبل التوسع فيها. وترجمة ذلك محلياً تبدأ بإعادة تموضع الاستثمار المؤسسي في الحلقات التي يصعب على المزارع الفرد بناؤها منفرداً. ويشمل ذلك نظاماً للمعلومات يربط المساحات المزروعة والإنتاج المتوقع بمواعيد الحصاد والطلب والطاقة التصنيعية، وزراعة تعاقدية تحدد مسبقاً المواصفات والكميات وآليات التسعير، واستثمارات في التصنيع والتبريد والتعبئة والنقل والتتبع والتصدير. وبهذا تصبح المؤسسة شريكاً في تنظيم السوق ورفع الجودة، لا مجرد منتج إضافي فيه. ويحتاج هذا النموذج إلى حوكمة تجمع المستثمر ووزارة الزراعة والمزارعين والمصنعين والباحثين، وتسبق التوسع بدراسة أثره في المياه والسوق والمزارعين واستخدامات الأرض. ويمكن اختبار هذا التصور في سلسلة البطاطا التصنيعية، من خلال مشروع يجمع شركة الضمان بالمزارعين والمصنعين ومراكز البحث ضمن عقود واضحة، ويربط الإنتاج بطاقة تصنيع وتخزين وسوق محددة. ويمكن أن تسهم الخبرة الصينية في التكنولوجيا والتدريب وتصميم العمليات ورفع كفاءة استخدام المياه، مع بقاء النموذج أردنياً في أهدافه وحوكمته. في النهاية، لا يتعلق الاختيار بالمفاضلة بين حماية المزارع وتشجيع الاستثمار، ولا بين العائد المالي والأمن الغذائي. المسألة هي تحديد الدور الذي يحقق فيه كل طرف أكبر قيمة: تضع الدولة الأولويات الاستراتيجية وأدوات دعمها بشفافية، ويوجه المستثمر المؤسسي قدراته إلى الحلقات التي يصعب على المزارع بناؤها منفرداً، بينما يحصل المزارع على سوق أكثر تنظيماً وقدرة أفضل على التخطيط والاستمرار. وهنا تكمن الفرصة التي تجمع مباحثات بكين بنقاشات عمّان: تحويل الشراكة الأردنية الصينية من تفاهمات عامة إلى نموذج تطبيقي قابل للقياس، يبدأ من مشكلة أردنية حقيقية ويمكن تطويره في محاصيل أخرى. فنجاح الاستثمار الزراعي لا يُقاس بعدد الدونمات التي يزرعها وحدها، بل بمقدار ما يضيفه من قوة وكفاءة واستدامة إلى سلسلة القيمة بأكملها. * الكاتبة باحثة متخصصة في سلاسل التوريد والصناعات الغذائية، ورئيس فرع الأردن في الاتحاد الدولي للصحفيين الدوليين وكتّاب العرب، أصدقاء الصين .
مشاهدة بين بكين وحقول البطاطا كيف يصبح الاستثمار المؤسسي شريكا للمزارع
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بين بكين وحقول البطاطا كيف يصبح الاستثمار المؤسسي شريكا للمزارع قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.