الترحال السياسي ومصداقية النضال الحزبي ..ترفيه و منوعات

ترفيه و منوعات بواسطة : (آش نيوز) -

في كل موسم انتخابي، يعود الترحال السياسي إلى الواجهة السياسية، باعتباره واحدًا من أبرز السلوكيات التي تعكس طبيعة التحولات التي تعرفها الخريطة الحزبية والتموقعات السياسية، وتعيد طرح أسئلة قديمة ومتجددة حول معنى الانتماء الحزبي، والنضال داخل صفوفه، ومدى التشبع بالمبادئ الأساسية والمرجعيات والإيديولوجيات السياسية.

ففي الوقت الذي يفترض فيه أن تكون الأحزاب السياسية فضاءات لتأطير المواطنين، وإنتاج الأفكار والبرامج، وتكوين النخب القادرة على تحمل المسؤولية، تكشف الممارسة السياسية أحيانًا عن واقع مختلف؛ واقع تتحول فيه بعض الأحزاب إلى محطات مؤقتة يعبر من خلالها عدد من المنتخبين والفاعلين السياسيين، بحثًا عن موقع انتخابي أفضل، أو تزكية أكثر ضمانًا، أو تموقع أقوى داخل الخريطة السياسية.

إن المتأمل في المشهد السياسي يلحظ تنامي ظاهرة الترحال الحزبي، حتى أصبح بعض الفاعلين السياسيين ينتقلون من حزب إلى آخر بخفة مثل من يغيّر لباسه؛ وكأن الانتماء السياسي مجرد بذلة تُنتزع وقتما شئنا وأينما حللنا، وكأن الحزب مجرد عنوان انتخابي يتغير بتغير الظروف، لا قناعة سياسية وفكرية تستحق التضحية والنضال من أجلها.

وهنا يطرح السؤال نفسه بقوة: ما معنى الانتماء الحزبي إذا كان قابلًا للتغيير كلما تغيرت الحسابات الانتخابية؟ فالانتماء إلى حزب سياسي لا ينبغي أن يكون مجرد بطاقة عضوية أو صورة في تجمع انتخابي أو وسيلة للحصول على تزكية. فالعمل الحزبي، في جوهره، يفترض أن يكون التزامًا بمشروع سياسي ومرجعية فكرية وبرنامج انتخابي ومبادئ يتم الدفاع عنها في أوقات القوة كما في أوقات الضعف.

صحيح أن الإنسان قد يراجع أفكاره ومواقفه، وأن الاختلاف داخل الأحزاب أمر طبيعي، بل ضروري في الحياة الديمقراطية. وقد يجد سياسي نفسه مضطرًا إلى مغادرة حزبه عندما يصبح غير قادر على ممارسة قناعاته أو عندما تتناقض ممارسات الحزب بشكل جذري مع المبادئ التي يؤمن بها. لكن الإشكال لا يكمن في مغادرة الحزب في حد ذاتها، وإنما في أن تتحول المغادرة والانتقال إلى ممارسة مرتبطة أساسًا بالمصلحة الانتخابية والبحث عن موقع جديد.

فما الذي يفسر أن يدافع سياسي بالأمس عن برنامج ومواقف حزب معين، ثم ينتقل اليوم إلى حزب آخر ليصبح من أشد المدافعين عن توجهاته، وربما من أشد المنتقدين للحزب الذي كان بالأمس جزءًا منه؟

أي معنى يبقى للبرامج الانتخابية إذا كان من دافع عنها بالأمس يهاجمها اليوم؟ وأي قيمة للخطاب السياسي إذا كان صاحبه يبدّل مواقفه كلما تبدلت موازين القوة؟

إن الناخب لا يتابع فقط البرامج والشعارات، بل يتابع أيضًا سلوك السياسيين ومساراتهم ومواقفهم. وعندما يرى المواطن منتخبًا ينتقل من حزب إلى آخر دون تفسير سياسي وفكري مقنع، فمن الطبيعي أن تتراجع ثقته في الخطاب الحزبي، وأن يتساءل عما إذا كان السياسي يناضل من أجل مشروع أم من أجل موقع.

فالسياسي الذي يغير حزبه كلما تغيرت مصالحه لا يقنع الناس بأنه تطور فكريًا، بقدر ما يقنعهم بأن المصلحة أصبحت بوصلته الوحيدة. ومن هنا، فإن ظاهرة الترحال السياسي لا تمس فقط صورة السياسي المنتقل، وإنما تمتد آثارها إلى صورة الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، بل وإلى صورة العمل السياسي برمته. لأن المواطن عندما يفقد الثقة في الأحزاب، لا يعود يرى فيها فضاءات حقيقية للتأطير والمشاركة وصناعة القرار، وإنما قد ينظر إليها باعتبارها مجرد أدوات انتخابية تتغير مواقعها وأسماء المنتمين إليها وفق موازين القوة والمصالح.

والأخطر من ذلك أن الترحال المتكرر يمكن أن يساهم في إفراغ المرجعيات الحزبية من مضمونها. فإذا كان بإمكان السياسي أن ينتقل بسهولة بين أحزاب ذات توجهات ومرجعيات مختلفة، فإن السؤال يصبح مشروعًا حول القيمة الفعلية للإيديولوجيا السياسية والبرامج والالتزامات التي تقدمها هذه الأحزاب للمواطنين.

فكيف يمكن لحزب أن يقنع المواطنين بأن له مشروعًا سياسيًا واضحًا، إذا كان بعض أبرز وجوهه قادرين على الانتقال منه إلى حزب آخر بمجرد تغير الحسابات؟

وكيف يمكن الحديث عن تكوين نخب سياسية حقيقية، إذا أصبح الوصول إلى المواقع الانتخابية أهم من التدرج داخل التنظيم الحزبي، والتكوين السياسي، وخوض النقاشات الداخلية، وتراكم التجربة والنضال؟

إن الأحزاب السياسية ليست فقط آلات انتخابية تُشغّل خلال الاستحقاقات ثم تتوقف بعد إعلان النتائج. الأحزاب، في الديمقراطيات الحقيقية، مؤسسات للتكوين والتأطير والتفكير وإنتاج البدائل. ولذلك فإن قوة الحزب لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها، وإنما أيضًا بقدرته على إنتاج نخب سياسية تمتلك قناعة ومشروعًا واستقلالية في القرار.

وفي المقابل، لا ينبغي تحميل ظاهرة الترحال السياسي للسياسيين وحدهم، لأن هناك أيضًا مسؤولية تتحملها الأحزاب نفسها. فحين تفتح بعض التنظيمات أبوابها أمام منتخبين وفاعلين سياسيين دون مساءلة حقيقية عن مساراتهم ومواقفهم، ودون التأكد من انسجامهم مع المرجعية السياسية للحزب، فإنها تساهم بشكل أو بآخر في تكريس هذه الظاهرة.

كما أن منطق التزكيات الانتخابية يمكن أن يتحول، في بعض الحالات، إلى عامل أساسي في إعادة إنتاج الترحال، عندما يصبح البحث عن المرشح القادر على الفوز أهم من البحث عن المناضل الذي يحمل مشروع الحزب ويؤمن بمبادئه.

وهنا تظهر مفارقة واضحة: أحزاب تتحدث عن تجديد النخب وتشبيب المؤسسات السياسية، لكنها في الوقت نفسه قد تعتمد على أسماء جاهزة تمتلك تجربة انتخابية أو قاعدة انتخابية، حتى لو كان تاريخها الحزبي مليئًا بالانتقالات.

وبذلك، يتحول السياسي أحيانًا من مناضل داخل حزب إلى مجرد مرشح يبحث عن حزب. وهذا التحول يحمل خطورة كبيرة على الحياة السياسية، لأنه يجعل العلاقة بين المنتخب والحزب علاقة مصلحية أكثر منها علاقة سياسية وفكرية، ويجعل الناخب أمام أسماء تتغير انتماءاتها بينما تبقى الغاية الأساسية هي الحفاظ على الموقع الانتخابي. لكن الديمقراطية لا تزدهر بكثرة المتنقلين بين الأحزاب، وإنما بقوة المؤسسات، ووضوح المرجعيات، وصدق الالتزام.

فالاختلاف السياسي مشروع، وتغيير المواقف حق، ومغادرة الحزب عندما يصبح الاستمرار فيه متعارضًا مع القناعة أمر يمكن تفهمه سياسيًا. غير أن المصداقية تقتضي أن يكون الانتقال مؤسسًا على موقف واضح ومعلن، لا على حساب انتخابي ضيق.

ومن حق المواطن أن يعرف: لماذا غادر هذا السياسي حزبه؟ وما الذي تغير في قناعاته؟ وما الذي دفعه إلى الانضمام إلى الحزب الجديد؟ وهل تغيرت أفكاره فعلًا، أم تغير فقط الموقع الذي يعتقد أنه سيضمن له الاستمرار؟

هذه الأسئلة ليست تدخلًا في الحياة الخاصة للسياسي، وإنما جزء من حق المواطن في معرفة المسار السياسي لمن يطلب صوته وثقته. إن السياسة في جوهرها مسؤولية قبل أن تكون امتيازًا، والنضال الحزبي ليس طريقًا مختصرًا نحو منصب أو مقعد، وإنما مسار طويل من الاقتناع والعمل والتراكم والتضحية.

وحين يصبح الانتماء الحزبي سلعة قابلة للتبديل، تفقد السياسة هيبتها، وتتحول الأحزاب من مدارس لتكوين النخب إلى منصات للبحث عن التزكية، ويتحول الناخب من شريك في صناعة القرار إلى مجرد رقم يُستدعى عند الانتخابات، ثم يُترك بعدها فريسة لخيبة الأمل. وفي النهاية، فإن أزمة الترحال السياسي ليست فقط أزمة انتقال من حزب إلى آخر، وإنما هي في العمق أزمة معنى: معنى الانتماء، ومعنى النضال، ومعنى الالتزام، ومعنى السياسة نفسها.

فالسياسي الذي يريد أن يغيّر حزبه ينبغي أن يمتلك الشجاعة الكافية ليشرح للناس لماذا غادر، والسياسي الذي يريد الانضمام إلى حزب جديد ينبغي أن يكون قادرًا على إقناعهم بأنه يحمل مشروعًا وقناعة، وليس مجرد رغبة في الاستمرار داخل المشهد. أما الأحزاب، فعليها أن تتحمل مسؤوليتها في بناء مؤسسات قوية، وتكوين مناضلين حقيقيين، ووضع معايير واضحة للتزكيات، وعدم التعامل مع السياسة بمنطق الأرقام الانتخابية فقط.

لأن السياسة التي تقوم على المبادئ تبني الثقة، والسياسة التي تقوم على المصالح وحدها تبني الشك. وفي زمن تتراجع فيه ثقة المواطن في المؤسسات والأحزاب، لم يعد كافيًا أن يرفع السياسي شعار الديمقراطية، بل أصبح مطالبًا بأن يمارسها في سلوكه ومساره ومواقفه.

فالنضال الحزبي الحقيقي لا يُقاس بعدد الأحزاب التي مر منها السياسي، ولا بعدد التزكيات التي حصل عليها، وإنما بقدرته على البقاء وفيًا لقناعته عندما تصبح القناعة مكلفة.

وهنا تحديدًا يتحدد الفارق بين من يمارس السياسة كـمشروع نضال، ومن يمارسها كـمشروع تموقع. ويبقى السؤال مفتوحًا أمام الأحزاب والفاعلين السياسيين والناخبين: هل نريد أحزابًا تصنع المناضلين، أم مجرد أحزاب تستقطب المرشحين؟ وهل نريد سياسيين يغيرون مواقفهم وفق قناعاتهم، أم وفق اتجاه الريح الانتخابية؟

فالديمقراطية لا تحتاج إلى مزيد من المتنقلين، بقدر ما تحتاج إلى سياسيين يؤمنون بأن المبدأ لا يتغير بتغير المقاعد، وأن النضال الحقيقي يبدأ عندما لا تكون المصلحة الشخصية هي الطريق الأسهل.

بقلم: أسامة العثماني (ناشط حزبي وطالب في معهد الصحافة)

المقالة الترحال السياسي ومصداقية النضال الحزبي نشرت في موقع H-NEWS آش نيوز

مشاهدة الترحال السياسي ومصداقية النضال الحزبي

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الترحال السياسي ومصداقية النضال الحزبي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على آش نيوز ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الترحال السياسي ومصداقية النضال الحزبي.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة ترفيه و منوعات
جديد الاخبار