يرى إدريس لكريني، أستاذ العلاقات الدولية ومدير مختبر الدراسات الدولية والدستورية وتحليل الأزمات والسياسات، أن إفريقيا تعيش مفارقة لافتة؛ فهي تتوفر على مقومات مهمة، من حيث المساحة والسكان والتنوع الثقافي والجغرافي والثروات المعدنية والطبيعية، لكنها في الوقت نفسه تواجه مشكلات وتحديات متعددة جعلتها محط تنافس بين قوى دولية كبرى.
وبحسب الباحث ذاته، فإن جزءاً من معاناة عدد من البلدان الإفريقية يرتبط بإرث الاستعمار، الذي لم يقتصر على نهب الموارد وترك مشكلات حدودية، بل امتد، بعد الاستقلال، إلى تكريس أشكال مختلفة من التبعية الاقتصادية والسياسية والأمنية.
ويربط الباحث بين استمرار هذه السياسات وبين ارتفاع الكلفة الاستراتيجية والاقتصادية التي أصبحت فرنسا تتحملها داخل القارة، خصوصاً أنها واصلت، على مدى عقود، اعتماد مقاربات تقليدية لم تضع دائماً في الحسبان التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها إفريقيا.
ويضيف أن هذه الركائز مكنت باريس، على مدى ستة عقود، من الحفاظ على حضور قوي في عدد من البلدان الإفريقية، إذ اعتمدت على اتفاقيات أمنية وعسكرية، وعلى الفرنك الإفريقي، وعلى نشاط الشركات الفرنسية الكبرى، إلى جانب الفرانكوفونية كأداة لتعزيز الحضور الثقافي واللغوي.
نخب جديدة تقلب المعادلة
ويشير الباحث إلى أن بعض الدول الإفريقية اتجهت كذلك إلى الانسحاب من أطر إقليمية كانت فرنسا تتمتع فيها بنفوذ مهم، بينما بدأ الانفتاح على لغات دولية أخرى، خصوصاً الإنجليزية، على حساب الحضور التقليدي للفرنسية.
ويربط لكريني هذا التحول أيضاً بما يعتبره فشلاً فرنسياً في مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن في عدد من مناطق القارة، في ظل استمرار تدهور الأوضاع الأمنية والاجتماعية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانتشار شبكات التهريب وتمدد الجماعات المسلحة.
وفي المقابل، يلاحظ تنامي توجه عدد من الدول الإفريقية نحو بناء شراكات استراتيجية مع قوى دولية أخرى، من بينها الصين وروسيا واليابان، مستفيدة من كون هذه القوى لا تحمل، بالدرجة نفسها، إرثاً استعمارياً مباشراً في المنطقة.
أما على المستوى الثقافي، فيبرز الباحث الدور الذي أدته الفرانكوفونية في الحفاظ على النفوذ الفرنسي، من خلال نشر اللغة الفرنسية وتعزيز حضورها داخل المجتمعات الإفريقية.
التدخلات العسكرية تزيد أزمة الثقة
ويستحضر في هذا الإطار التدخل الفرنسي في ليبيا سنة 2011، معتبراً أنه أسهم في إرباك الأوضاع داخل البلد المغاربي وفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الأجنبية وتمدد الجماعات المسلحة.
ويرى الباحث أن مجموع هذه العوامل أدى إلى نشوء أزمة ثقة حقيقية بشأن الأدوار الأمنية الفرنسية، خصوصاً في ظل عدم تمكن التدخلات العسكرية من تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المنشودة في عدد من البلدان.
ويلفت لكريني إلى تنامي حضور الصين والولايات المتحدة واليابان وروسيا وتركيا والبرازيل، فضلاً عن تطور التعاون جنوب ـ جنوب، وظهور توجه إفريقي متزايد نحو بناء شراكات تقوم على التكافؤ والمصالح المشتركة.
ماكرون أمام اختبار إفريقي جديد
وأمام هذه التطورات، باتت باريس مطالبة، وفق الدراسة، بإعادة ترتيب أوراقها وحساباتها في القارة.
وفي خطوة تعكس، بحسب الباحث، إدراك باريس لحجم التحولات التي تعرفها إفريقيا، قام ماكرون بزيارة إلى كينيا في ماي 2026، حيث ترأس، إلى جانب الرئيس الكيني وليام روتو، قمة “إفريقيا إلى الأمام” في نيروبي.
كما يربط هذه الخطوة بالتنافس الدولي المتزايد على القارة، وبالمطالب الإفريقية المتصاعدة ببناء علاقات أكثر توازناً مع القوى الخارجية، تقوم على منطق “رابح ـ رابح”.
وفي هذا الإطار، تعهد ماكرون خلال قمة نيروبي باستثمارات مهمة تناهز 23 مليار يورو، موجهة إلى عدد من المشاريع الحيوية، خصوصاً في مجالات الزراعة والتحول الطاقي والذكاء الاصطناعي.
وتسعى فرنسا، بالتوازي مع ذلك، إلى بناء تحالفات أمنية جديدة داخل مناطق إفريقية أكثر استقراراً، فضلاً عن تعزيز التعاون المرتبط بحماية الممرات البحرية التجارية في المحيط الهندي والقرن الإفريقي.
ماذا تريد إفريقيا وماذا تريد فرنسا؟
فالدول الإفريقية تطمح إلى شراكات متكافئة، وتجاوز الإرث الاستعماري، ونقل التكنولوجيا، وخلق فرص الشغل، وجذب الاستثمارات، وتخفيف أعباء الديون، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقي.
وبذلك، يرى لكريني أن التحول الفرنسي نحو إفريقيا أصبح أكثر براغماتية، بعدما تجاوز التركيز التقليدي على المجال الفرانكوفوني، وهو ما يمكن أن يمنح الدول الإفريقية فرصة لإعادة بناء شراكاتها الخارجية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية.
ويتمثل السيناريو الأول في أن تعترف فرنسا بفشل جزء من سياساتها السابقة، وتعيد النظر في أخطائها، لتنتقل نحو علاقات أكثر توازناً وشراكات متكافئة، تسمح لها بالحضور كقوة دولية عادية تنافس غيرها، مع احترام سيادة الدول الإفريقية واختياراتها الخارجية.
أما السيناريو الثاني، فيتمثل في استمرار تراجع النفوذ الفرنسي، خصوصاً مع احتمال نهاية نظام الفرنك الإفريقي وتقلص المصالح الاقتصادية، بما قد يدفع باريس نحو مزيد من العزلة لصالح قوى دولية أخرى تقدم شراكات أكثر جاذبية وتوازناً.
هل تنجح فرنسا في تغيير قواعد اللعبة؟
ويخلص لكريني إلى أن مستقبل العلاقات الفرنسية ـ الإفريقية سيظل مرتبطاً بقدرة باريس على استيعاب التحولات العميقة التي شهدتها القارة، وفهم تطلعات شعوبها نحو الديمقراطية والتنمية، والتعامل مع التنافس الدولي الجديد بعيداً عن منطق الهيمنة.
كما يبرز أهمية تطوير أداء الاتحاد الإفريقي وتعزيز التكامل الاقتصادي وتفعيل منطقة التجارة الحرة القارية، إلى جانب الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار والطاقة المستدامة والأمن الغذائي.
فرنسا والقارة الإفريقية .. هل يتحول النفوذ المتراجع إلى شراكة جديدة؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة فرنسا والقارة الإفريقية هل يتحول النفوذ المتراجع إلى شراكة جديدة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ فرنسا والقارة الإفريقية هل يتحول النفوذ المتراجع إلى شراكة جديدة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، فرنسا والقارة الإفريقية .. هل يتحول النفوذ المتراجع إلى شراكة جديدة؟.
في الموقع ايضا :