القاهرة تفتح أبواب بكين.. تحوط استراتيجي أم إعادة رسم للتحالفات ...لبنان

اخبار عربية بواسطة : (بتوقيت بيروت_ beiruttime) -

ليس من قبيل المبالغة النظر إلى التصريحات المصرية الأخيرة بشأن الصين وتايوان باعتبارها أكثر من مجرد تأكيد دبلوماسي تقليدي لموقف معروف. فالدبلوماسية، خصوصا في لحظات التحول الدولي الكبرى، لا تقرأ دائما بما تقوله البيانات وحدها، بل بما تكشفه من اتجاهات كامنة، وبما تشير إليه من حسابات أبعد من ظاهر الكلمات.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الموقف المصري باعتباره جزءا من إعادة تموضع استراتيجي هادئة ومحسوبة، تسعى القاهرة من خلالها إلى توسيع دوائر حركتها الدولية، وبناء علاقات أكثر عمقا مع قوة صاعدة بحجم الصين، في لحظة يتراجع فيها اليقين القديم بأن العالم يمكن أن يظل محكوما بإرادة قطب واحد.

مصر لا تبحث، على الأرجح، عن خصومة مع الولايات المتحدة، ولا عن قطيعة مع الغرب. لكنها، في المقابل، لم تعد تبدو راغبة في أن يظل أمنها الاقتصادي ومصالحها الاستراتيجية رهينة علاقة واحدة أو محور واحد. وهي، كغيرها من الدول التي علمتها الجغرافيا أن تكون حذرة، تدرك أن التحالفات الدولية لا تبنى على المشاعر، وأن الصداقات بين الدول لا تدار بالوفاء، بل بالمصالح وموازين القوة.

ومن هنا تأتي الصين.

فبالنسبة إلى القاهرة، لا تمثل بكين مجرد سوق ضخمة أو شريك تجاري عابر. إنها قوة دولية صاعدة، تمتلك فائضا ماليا هائلا، وقدرات صناعية وتكنولوجية وعسكرية متنامية، وطموحا واضحا لإعادة تشكيل بعض قواعد النظام الدولي. وهي، وهو الأهم بالنسبة إلى كثير من دول الجنوب، تقدم نفسها كشريك لا يضع الشروط السياسية نفسها التي ارتبطت تاريخيا بالمؤسسات الغربية. ولهذا، فإن التقارب مع الصين يمكن فهمه باعتباره جزءا من استراتيجية مصرية أوسع لـ«التحوط الجيوسياسي».

والتحوط، في السياسة الدولية، لا يعني الانتقال من معسكر إلى آخر، ولا إعلان العداء للحليف التقليدي. إنه، ببساطة، رفض وضع جميع الأوراق في يد لاعب واحد.

وهو ما يبدو أن القاهرة تحاول فعله.

فالولايات المتحدة نفسها، على الرغم من صراعها الاستراتيجي المتصاعد مع الصين، لا تزال رسميا ودبلوماسيا ملتزمة بما يعرف بـ«سياسة الصين الواحدة». وهي تعترف بحكومة بكين باعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة للصين، حتى مع استمرار علاقاتها غير الرسمية والمركبة مع تايوان. وبالتالي، فإن تأكيد القاهرة على مبدأ الصين الواحدة لا يشكل، من الناحية القانونية أو الدبلوماسية، خروجا على إطار دولي تتعامل معه واشنطن نفسها. ومن الصعب، لذلك، أن تجد الولايات المتحدة في التصريح المصري وحده مبررا كافيا لصناعة أزمة علنية مع القاهرة. لكن واشنطن، بطبيعة الحال، لا تقيس السياسة الدولية بالكلمات وحدها.

السؤال الحقيقي بالنسبة إليها ليس: ماذا قالت مصر عن تايوان؟

السؤال الأهم هو: إلى أين تتجه مصر مع الصين؟

وهنا تبدأ الحسابات الأكثر تعقيدا. فثمة مؤشرات على أن القاهرة تعمل على بناء شبكة اقتصادية وعسكرية أكثر تنوعا، تمنحها هامشا أوسع في مواجهة الضغوط الدولية. وقد ظهر ذلك في تنامي العلاقات الاقتصادية مع الصين، واتساع الاستثمارات الصينية في مصر، والتعاون في المشروعات الكبرى، فضلا عن التطور التدريجي في مجالات التعاون العسكري. وتكتسب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس أهمية خاصة في هذا السياق.

فقناة السويس ليست مجرد ممر مائي. إنها أحد الأعصاب الرئيسية للتجارة الدولية، وموقع استراتيجي لا يمكن لأي قوة كبرى أن تنظر إليه باعتباره مساحة اقتصادية محايدة تماما. ولهذا، فإن التوسع الصيني في الاستثمارات والصناعة داخل المنطقة المحيطة بالقناة يقرأ في بكين باعتباره فرصة اقتصادية، لكنه يقرأ في واشنطن أيضا ضمن سياق أكبر يتعلق بالنفوذ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد.

ومع ذلك، لا تزال هناك مسافة واسعة بين الاستثمار الاقتصادي وبين التحالف العسكري. هذه المسافة هي التي تحدد، إلى حد كبير، طبيعة رد الفعل الأميركي.

فالولايات المتحدة قد تتعامل بقدر من القلق مع تنامي الحضور الاقتصادي الصيني في مصر، لكنها لن تعتبر ذلك، بالضرورة، تهديدا مباشرا للعلاقة الاستراتيجية المصرية-الأميركية. أما إذا تجاوز الأمر حدود الاستثمار والتجارة والتعاون السياسي، وانتقل إلى ترتيبات دفاعية حساسة، أو اتفاقيات أمنية طويلة المدى، أو تعاون عسكري يمنح الصين حضورا دائما في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، فإن الحسابات ستتغير بصورة جذرية.

الخط الأحمر الأميركي، على الأرجح، لن يكون بيانا مصريا عن تايوان. الخط الأحمر سيكون تحول الصين من شريك اقتصادي وعسكري محتمل إلى طرف يمتلك وجودا استراتيجيا دائما بالقرب من قناة السويس. وهنا يصبح الأمر مختلفا تماما.

فأي وجود عسكري أو استخباراتي صيني دائم بالقرب من أحد أهم الممرات المائية الدولية سينظر إليه في واشنطن باعتباره تحولا في ميزان القوى الإقليمي، وليس مجرد امتداد طبيعي للعلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين.

الأمر نفسه ينطبق على ملف التسليح. إن تنويع مصادر السلاح سياسة مصرية قديمة، ولها منطقها الواضح. فلا دولة كبيرة تستطيع أن تقبل بأن تصبح قدرتها العسكرية مرهونة بالكامل بقرار سياسي يصدر من عاصمة أخرى.

لكن هناك فرقا بين التنويع وبين التحول الاستراتيجي الكامل. شراء منظومات صينية أو روسية أو أوروبية إلى جانب السلاح الأميركي شيء، والانتقال التدريجي بعيدا عن البنية العسكرية الأميركية باتجاه اعتماد واسع على منظومات صينية شيء آخر.

في الحالة الأولى، قد تتذمر واشنطن، وقد تمارس ضغوطا، لكنها تستطيع التعايش مع الواقع. أما في الحالة الثانية، فإنها ستبدأ في النظر إلى الأمر باعتباره إعادة تعريف للعلاقة الاستراتيجية نفسها. غير أن القاهرة لديها أسبابها الخاصة للبحث عن بدائل. فمصر تخوض واحدة من أكثر مراحلها الاقتصادية تعقيدا، وفي الوقت نفسه تحاول استكمال مشروعات قومية كبرى تحتاج إلى التمويل والاستثمار والتكنولوجيا والبنية التحتية.

وفي هذا السياق، تبرز الصين باعتبارها شريكا يمتلك القدرة على التمويل والتنفيذ والاستثمار على نطاق واسع. المشروعات الصينية في مصر، من منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة إلى التوسع في منطقة «تيدا» الصناعية بالسويس، ليست مجرد مشروعات اقتصادية منفصلة عن السياسة. إنها جزء من شبكة مصالح متبادلة تمنح القاهرة وبكين أسبابا إضافية لتعميق العلاقة. والتمويل، في النهاية، ليس رقما في ميزانية. إنه أداة نفوذ.

ولهذا، فإن تنويع مصادر التمويل بالنسبة إلى مصر يمثل، في جانب منه، محاولة لتخفيف وطأة الاعتماد على المؤسسات المالية الغربية وما يرتبط بها من شروط وإجراءات وإصلاحات اقتصادية قد تكون لها كلفة اجتماعية وسياسية مرتفعة.

القاهرة لا تبحث بالضرورة عن استبدال صندوق النقد الدولي بالبنك الصيني، أو استبدال أوروبا ببكين. إنها تبحث عن شيء أكثر بساطة: أن تمتلك أكثر من باب حين تغلق الأبواب. ومن هنا أيضا يمكن فهم البعد السياسي للموقف المصري من تايوان. فالقضية لا تتعلق فقط بالعلاقة بين القاهرة وبكين، وإنما ترتبط برؤية أوسع للنظام الدولي.

لقد حاول الغرب، خلال العقود الماضية، تقديم مجموعة من القواعد والمعايير باعتبارها التعبير الطبيعي والوحيد عن النظام الدولي. لكن كثيرا من دول الجنوب العالمي بدأت تتساءل: من يضع هذه القواعد؟ ومن يحدد متى تطبق؟ ولماذا تفرض أحيانا على دول، بينما تتجاهل في حالات أخرى؟

هذا السؤال لا يحتاج دائما إلى أن يقال بصوت مرتفع. يكفي أحيانا أن تتصرف الدول وفق مصالحها. ومصر، مثل كثير من القوى الإقليمية، تبدو اليوم أكثر ميلا إلى عالم متعدد الأقطاب، لا لأن تعدد الأقطاب فضيلة أخلاقية في ذاته، بل لأن وجود أكثر من مركز للقوة يمنح الدول المتوسطة مساحة أوسع للمناورة.

فالدولة التي لا تستطيع مواجهة قوة كبرى وحدها، تستطيع أحيانا أن تحمي مصالحها من خلال تنويع علاقاتها. وهذا هو جوهر السياسة المصرية الجديدة. ليست القاهرة بصدد مغادرة واشنطن إلى بكين. وليست بصدد إعلان ولاء جديد في مواجهة ولاء قديم. إنها تحاول أن تقول، بهدوء ودون صخب، إن زمن الاختيارات الثنائية ربما يكون قد انتهى. فالعالم اليوم ليس شرقا في مواجهة غرب بالمعنى القديم، وليس معسكرا أميركيا في مواجهة معسكر صيني يمكن للدول أن تختار بينهما بسهولة. العالم أصبح أكثر تعقيدا.

والدول الأكثر ذكاء ليست تلك التي تعلن ولاءها الأبدي لقوة واحدة، وإنما تلك التي تعرف كيف تحافظ على علاقاتها، وتفتح أبوابا جديدة، وتحتفظ لنفسها بأكبر قدر ممكن من حرية القرار. ولهذا تبدو واشنطن، حتى الآن، غير راغبة في تضخيم الخلاف مع القاهرة.

فالعلاقات العسكرية والأمنية بين البلدين لا تزال ذات أهمية كبيرة للطرفين. والتعاون العسكري مستمر، وصفقات التسليح والعلاقات الاستراتيجية لم تتوقف، كما أن مصر تظل لاعبا لا يمكن تجاوزه في ملفات الإقليم. ومن غير المرجح أن تخاطر الولايات المتحدة بعلاقة استراتيجية بهذا الحجم من أجل تصريح يتعلق بملف تايوان، خصوصا إذا كان التصريح نفسه لا يخرج بصورة جوهرية عن الإطار الدبلوماسي الذي تتعامل معه واشنطن رسميا.

لكن الهدوء الأميركي لا يعني الغياب. واشنطن تراقب. وهي، على الأرجح، ستستمر في مراقبة الاتجاه الذي تسير فيه العلاقة المصرية-الصينية. ففي السياسة الدولية، لا تكون التحولات الكبرى دائما نتيجة قرار واحد. أحيانا تبدأ بصفقة. ثم باستثمار. ثم بمناورة عسكرية. ثم بتكنولوجيا. ثم بشراكة استراتيجية. وعندما يلتفت الجميع إلى الوراء، يكتشفون أن الخريطة قد تغيرت بالفعل.

أما مصر، فإنها تبدو اليوم أمام محاولة لصياغة معادلة جديدة لعلاقاتها الدولية: الحفاظ على الشراكات القديمة، والانفتاح على القوى الصاعدة، وتقليل قابلية الاقتصاد والأمن الوطني للضغط الخارجي. وإذا كان هناك عنوان واحد يمكن أن يختصر هذه السياسة، فهو: الاستقلال عبر تعدد الخيارات. فالقاهرة لا تريد، على ما يبدو، أن تستبدل التبعية لقطب بالتبعية لقطب آخر.

إنها تريد أن تتحرك بين الأقطاب. أن تتعامل مع واشنطن دون أن تغلق باب بكين. وأن تتعاون مع بكين دون أن تقطع جسورها مع الغرب. وأن تفتح لنفسها، في عالم تتغير خرائط القوة فيه بسرعة، مساحة تستطيع من خلالها أن تقول إن القرار المصري، في النهاية، يجب أن يصنع في القاهرة.

تلك، ربما، هي الرسالة الحقيقية وراء التحول المصري: ليس اختيار الشرق ضد الغرب، ولا بكين ضد واشنطن، بل مصر أولا في عالم لم يعد يسمح للدول بأن تضع مستقبلها كله في يد قوة واحدة.

ما ورد في المقال يعبر عن رأي الكاتب، ولا يعبر بالضرورة عن رأي هيئة التحرير

المصدر الأصلي: eurasiaar.org — للاطلاع على المادة الأصلية.

مشاهدة القاهرة تفتح أبواب بكين تحوط استراتيجي أم إعادة رسم للتحالفات

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ القاهرة تفتح أبواب بكين تحوط استراتيجي أم إعادة رسم للتحالفات قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على بتوقيت بيروت_ beiruttime ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، القاهرة تفتح أبواب بكين.. تحوط استراتيجي أم إعادة رسم للتحالفات.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار