كتب : الدكتور عدلي قندح
يبدو الرقم الرئيسي إيجابياً: انخفض معدل البطالة بين جميع السكان في الأردن إلى 16.1% في الربع الثاني من عام 2026، مقابل 16.5% في الفترة نفسها من عام 2025، كما تراجع بين الأردنيين من 21.3% إلى 21%. وخلال أربعة أعوام، انخفضت البطالة الكلية بمقدار 1.7 نقطة مئوية، وبطالة الأردنيين بمقدار 1.6 نقطة.
لكن سوق العمل لا يُقرأ من رقم واحد. والسؤال الاقتصادي الأهم ليس ما إذا كانت البطالة قد انخفضت، بل: هل جاء الانخفاض نتيجة خلق وظائف جديدة، أم لأن بعض الباحثين عن العمل غادروا القوة العاملة، أو بسبب تغير تركيبها؟
هنا تبدأ القصة الأكثر تعقيداً؛ فبينما انخفضت البطالة الكلية بمقدار 0.4 نقطة مئوية، تراجع معدل المشاركة الاقتصادية لجميع السكان من 39.9% إلى 39%. ومعدل البطالة لا يشمل جميع من لا يعملون، بل يقتصر على من يبحثون فعلياً عن عمل. فإذا توقف شخص عن البحث بسبب الإحباط أو ضعف الفرص، يخرج من القوة العاملة ولا يعود محسوباً ضمن المتعطلين، حتى لو ظل بلا وظيفة.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح لدى الذكور؛ إذ ارتفع معدل بطالتهم بين جميع السكان من 14.4% إلى 15%، بينما انخفضت مشاركتهم الاقتصادية من 60.8% إلى 57.4%. وهذه ليست علامة على تعافٍ واسع، بل على سوق لم يستوعب جميع الباحثين عن عمل، بالتزامن مع تراجع نسبة المشاركين فيه.
أما بين الأردنيين، فتبدو الصورة أكثر تماسكاً، وإن بقي التحسن محدوداً. فقد انخفضت البطالة من 21.3% إلى 21% بالتزامن مع ارتفاع المشاركة الاقتصادية من 33.5% إلى 34.3%. وهذا يرجح حدوث تحسن فعلي في التشغيل، وليس مجرد انسحاب من البحث عن العمل. لكن انخفاض البطالة الأردنية بمقدار 0.3 نقطة فقط خلال عام لا يمثل تحولاً هيكلياً، خصوصاً أن التراجع خلال أربعة أعوام لم يتجاوز 1.6 نقطة.
ولدى الذكور الأردنيين، ارتفعت البطالة من 18.1% إلى 18.5%، رغم زيادة مشاركتهم من 52.3% إلى 53.6%. وقد يعني ذلك أن مزيداً من الذكور دخلوا سوق العمل، لكن الطلب على العمالة لم ينمُ بالسرعة الكافية لاستيعابهم. صحيح أن بطالتهم انخفضت بمقدار 4.2 نقاط مقارنة بالربع الثاني من عام 2021، عندما بلغت 22.7%، لكن عام 2021 تأثر بتداعيات الجائحة، كما أن اختيار سنة أساس مختلفة لهذه الفئة يضخم الانطباع بالتحسن.
أما التطور الأبرز، فهو انخفاض بطالة الأردنيات إلى 30.3%، بتراجع بلغ 2.5 نقطة مقارنة بالربع الثاني من عام 2025، و2.4 نقطة مقارنة بالربع الأول من عام 2026. ومع ذلك، ما تزال قرابة امرأة أردنية واحدة من كل ثلاث نساء ناشطات اقتصادياً عاجزة عن إيجاد عمل.
والأهم أن مشاركة الأردنيات ارتفعت من 14.6% إلى 14.7% فقط، وظلت دون المتوسط العربي الوارد في التقرير والبالغ 18.7%. وهذا يعني أن تحسن البطالة النسائية تحقق داخل قاعدة مشاركة صغيرة جداً، بينما لا تزال الغالبية الساحقة من الأردنيات خارج سوق العمل.
وعلى مستوى إجمالي الإناث، انخفضت البطالة بمقدار 5.3 نقاط إلى 19.9%، وارتفعت المشاركة من 16.3% إلى 18.6%. والفارق الكبير بين انخفاض بطالة إجمالي الإناث وانخفاض بطالة الأردنيات يستدعي تفسيراً لتأثير النساء غير الأردنيات والتغير في تركيب القوة العاملة. فمن دون نشر الأعداد المطلقة للمشتغلات والمتعطلات والداخلات إلى سوق العمل، يصعب معرفة مقدار التحسن الناتج عن وظائف جديدة ومقدار ما يعود إلى عوامل تركيبية.
وتتضح ازدواجية سوق العمل عند المقارنة حسب الجنسية. فقد بلغت بطالة غير الأردنيين 8.2%، مقابل 21% للأردنيين، وبلغت مشاركتهم الاقتصادية 49.9%، مقابل 34.3% للأردنيين. وسجل الذكور غير الأردنيين بطالة بنسبة 9.2% ومشاركة بنسبة 65.1%، بينما بلغت بطالة غير الأردنيات 5.3% ومشاركتهن 29%.
هذه الفجوة لا تعني بالضرورة وجود منافسة مباشرة على الوظائف نفسها؛ فسوق العمل الأردني منقسم عملياً إلى مسارات مختلفة. وتتركز العمالة الوافدة عادة في مهن تتسم بطول ساعات العمل، وارتفاع الجهد البدني، وانخفاض الأجور، وضعف الحماية والاستقرار، بينما يتجه الباحث الأردني، وخصوصاً المتعلم، إلى مسارات مهنية مختلفة.
لذلك، لن تنجح سياسة إحلال العمالة بمجرد تقييد التصاريح أو فرض نسب تشغيل. المطلوب تحسين الأجور وشروط العمل، والحد من التشغيل غير الرسمي، وتوفير النقل والحضانات، وإعادة تصميم التدريب المهني، ورفع إنتاجية القطاعات كثيفة العمالة. فالهدف ليس استبدال عامل بآخر بصورة آلية، بل جعل الوظيفة نفسها منتجة ومنظمة ومستدامة وجاذبة للأردنيين.
ويشير التقرير إلى انخفاض نسبة العمالة الوافدة من 44.5% إلى 42.2% من إجمالي المشتغلين، لكن هذه البيانات تعود إلى الربع الأول من عام 2026، وليس الربع الثاني. وإدراجها وسط نتائج فترة أخرى يحتاج إلى فصل واضح حتى لا تختلط الفترات المرجعية.
وتكشف المؤشرات التعليمية اختلالاً إضافياً؛ إذ يشكل حملة الثانوية فأعلى 57.3% من المتعطلين الأردنيين، في حين يشكل حملة المؤهلات الأعلى من الثانوية 42.5% من المشتغلين الأردنيين. وبين النساء، يحمل 70.6% من قوة العمل النسائية الأردنية درجة البكالوريوس فأعلى، مقابل 27.7% من الذكور.
هذا يعني أن سوق العمل النسائي يكاد يكون مغلقاً أمام النساء الأقل تعليماً، وأن فرص المرأة تظل متركزة في نطاق محدود من المهن، مثل التعليم والصحة والوظائف المكتبية والقطاع العام. كما يكشف ضعف قدرة الاقتصاد على تحويل الاستثمار في التعليم إلى إنتاجية ودخل وفرص عمل مرتفعة القيمة.
وبلغت نسبة المشتغلين بأجر 85.3% بين الأردنيين، بواقع 83.1% للذكور و94.6% للإناث. ويشير الارتفاع الشديد لدى النساء إلى محدودية العمل الحر وريادة الأعمال النسائية، وتركيز مشاركتهن في الوظائف المنظمة والمأجورة. وفي القطاع الحكومي، شكل الذكور الأردنيون 79.2% من العاملين مقابل 20.8% للإناث، رغم ارتفاع المستوى التعليمي للنساء.
كما تكشف الجغرافيا اقتصاداً متعدد السرعات؛ إذ بلغت بطالة الأردنيين 33.2% في معان، مقابل 14.7% في العقبة، بفارق 18.5 نقطة مئوية. وعلى مستوى جميع السكان، تراوحت بين 31.6% في معان و9.7% في العقبة. ويعكس ذلك تفاوتاً في توزيع الاستثمار والبنية التحتية والنقل وحجم القطاع الخاص وإمكانية الوصول إلى الوظائف.
لذلك، لا تكفي سياسة تشغيل موحدة على المستوى الوطني؛ بل يحتاج الأردن إلى خرائط تشغيل واستثمار لكل محافظة، تربط الحوافز بعدد الوظائف المستدامة ونوعيتها وأجورها ونسبة الأردنيين فيها، لا بمجرد حجم الاستثمار المسجل.
أما تعريف التقرير لـ«معدل التشغيل» باعتباره نسبة المشتغلين إلى القوة العاملة، فقد أظهره عند 83.9% لجميع السكان و79% للأردنيين. لكن هذا المؤشر ليس مستقلاً عن البطالة؛ فإذا كانت بطالة الأردنيين 21%، فإن نسبة المشتغلين داخل القوة العاملة ستكون حسابياً 79%. والمؤشر الأكثر دلالة هو نسبة المشتغلين إلى السكان في سن العمل، إلى جانب المشاركة وعدد الوظائف والأجور الحقيقية وساعات العمل والإنتاجية.
وتبقى طريقة عرض الأرقام موضع ملاحظة. فالتقرير يقارن بعض المؤشرات بالربع الثاني من عام 2025، وأخرى بالربع الأول من عام 2026، وبعضها بعامي 2022 أو 2021. ورغم أن كل مقارنة قد تكون صحيحة منفردة، فإن جمعها في سرد واحد قد ينتج صورة أكثر إيجابية من المقارنة الموحدة.
المنهج الأدق هو تثبيت خطوط الأساس: مقارنة سنوية بين الربع الثاني من عامي 2025 و2026، ومقارنة ربعية بين الربعين الأول والثاني من 2026 مع التنبيه إلى الموسمية، ومقارنة متوسطة الأجل باستخدام سنة أساس واحدة لجميع الفئات. كما يجب توحيد رقم بطالة الأردنيين، الذي يظهر في أحد الرسوم عند 21.2% بينما يعتمده النص عند 21%، وتوحيد السنة والتعريف والفئة العمرية عند إجراء المقارنات العربية والدولية.
ورغم اعتماد المسح على عينة كبيرة تبلغ 16,560 أسرة موزعة على جميع المحافظات وممثلة للحضر والريف، فإن النسب وحدها لا تكفي. نحتاج إلى معرفة عدد الوظائف الصافية المستحدثة، والقطاعات التي خلقتها، ومستوى أجورها، ومدى استدامتها، وحجم العمل غير المنظم والناقص، ومتوسط مدة البطالة، وعدد من توقفوا عن البحث عن عمل.
الخلاصة أن سوق العمل الأردني حقق تحسناً عند الهامش، لكنه لم يحقق بعد تحولاً هيكلياً. فالرقم الرئيسي انخفض، لكن المشاركة الكلية تراجعت، وبطالة الأردنيين بقيت عند 21%، وبطالة الأردنيات تجاوزت 30%، واستمرت الفجوات بين التعليم والتشغيل، وبين المحافظات، وبين الأردنيين وغير الأردنيين.
الاختبار الحقيقي لنجاح السياسة الاقتصادية ليس خفض البطالة ببضعة أعشار من النقطة، بل رفع المشاركة، وتوليد وظائف صافية ومستدامة، وتحسين الأجور والإنتاجية، وتوسيع فرص النساء والشباب. لقد تحسن رقم البطالة، لكن الاقتصاد الأردني لم يقطع بعد المسافة اللازمة للانتقال من إدارة أرقام سوق العمل إلى بناء سوق عمل منتج وشامل.
.مشاهدة حين تنخفض البطالة ولا يتعافى سوق العمل ما وراء رقم 16 1
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين تنخفض البطالة ولا يتعافى سوق العمل ما وراء رقم 16 1 قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حين تنخفض البطالة ولا يتعافى سوق العمل: ما وراء رقم 16.1% .
في الموقع ايضا :