بقلم : د.خلود محمود (مدرس الإعلام الرقمي بمعهد كينج مريوط للدراسات الأدبية)
»» كيف نبني قراراتنا علي تفسيرات سياسية واقتصادية من “صندوق أسود”؟
في زمن تتسارع فيه الأحداث السياسية وتتقلب فيه المؤشرات الاقتصادية في غضون ساعات، أصبح كثير من الناس يبحثون عن إجابات سريعة وموثوقة، فإذا بهم يجدونها في مكان غير متوقع: تطبيقات الذكاء الاصطناعي، سألوا شات جي بي تي عن مستقبل سعر الدولار، وسألوا برامج التحليل الآلي عن تداعيات صفقة سياسية كبرى، واستخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي لتفسير خطابات القادة وتحليل تصريحات المسؤولين، كل ذلك بضغطة زر وفي ثوان معدودة، لكن السؤال الذي لا يطرحه أحد: من أين يأتي الذكاء الاصطناعي بهذه التفسيرات؟ وما هي الخوارزميات التي تقف وراء تحليلاته السياسية والاقتصادية؟ والأهم، كيف نثق نحن البشر في إجابات آلة لا نفهم بالضبط كيف تعمل ولا نعرف مصادرها ولا حدود دقتها؟ هنا تكمن المفارقة العميقة، نحن نثق في “صندوق أسود” لا نرى ما بداخله، ونسمي ذلك تطوراً وحداثة، بينما نحن في الحقيقة نغامر بأهم قراراتنا بناءً على تفسيرات آلية قد تكون مشوهة أو منحازة أو حتى خاطئة .
ما اعنيه هنا بـ”الصندوق الأسود” في عالم الذكاء الاصطناعي؟ أشير به إلى أنظمة التعلم العميق التي تعمل بطريقة لا يستطيع حتى مطوروها تفسيرها بالكامل، فأنت تدخل إليها بيانات وسؤالاً، وتخرج منها إجابة وتفسيراً، لكن الرحلة بين المدخلات والمخرجات تظل غامضة، مليئة بطبقات من الخوارزميات والعمليات الحسابية التي لا يمكن للبشر تتبعها خطوة بخطوة، وهذا الغموض ليس عيباً تقنياً فقط، بل هو مشكلة جوهرية حين يتعلق الأمر بتفسيرات سياسية واقتصادية، فتخيل أن تسأل تطبيق ذكاء اصطناعي عن تبعات قرار سياسي معين على العملة المحلية، فيعطيك تحليلاً مفصلاً، لكنك لا تعرف هل اعتمد على مصادر موثوقة أم على منشورات عشوائية، وهل فهم السياق الثقافي والتاريخي للبلد أم اكتفى بترجمة حرفية لبيانات قديمة، وهل كان محايداً أم تأثر بتحيزات كامنة في البيانات التي درب عليها؟ كل هذه الأسئلة تظل بلا إجابة، ومع ذلك يثق الملايين في هذه التفسيرات وكأنها حقائق مطلقة، وهكذا نجد أنفسنا نستبدل الخبرة البشرية المكلفة والبطيئة أحياناً، بثقة عمياء في صندوق أسود لا نرى ما بداخله ولا نعرف كيف يفكر، وهذا هو الخطر الحقيقي الذي لا يتحدث عنه أحد ، نحن نسلم عقولنا وتفكيرنا وقرارتنا لخبير وهمي ففي عالم السياسة والاقتصاد، كل كلمة تحمل وزناً، وكل تحليل قد يغير قرارات الأفراد والمؤسسات، لكن الذكاء الاصطناعي الذي يقدم هذه التفسيرات ليس خبيراً سياسياً ولا اقتصادياً، هو مجرد نظام رياضي مدرب على كميات هائلة من البيانات المنشورة على الإنترنت، وبعضها قد يكون غير دقيق أو قديماً أو منحازاً، ونحن ننسى أن الذكاء الاصطناعي لا يفهم السياق التاريخي، ولا يفرق بين خبر موثوق وإشاعة، ولا يدرك أن التصريح السياسي قد يكون غامضاً بقصد، أو أن المؤشر الاقتصادي قد يكون مضللاً بسبب عوامل غير قابلة للقياس، ومع ذلك نثق به، نثق في تفسيره لخطاب رئيس دولة، ونثق في توقعه لسعر صرف العملة، ونثق في تحليله لتداعيات قرار سياسي مصيري، وكأننا نستبدل عقول الخبراء البشر المكلفة والمتباينة والغنية بالتجربة، بصندوق أسود يقدم إجابات سريعة براقة لكنها قد تكون بعيدة عن الحقيقة، وهنا تبرز المفارقة الأعمق: كلما ازدادت تعقيدات العالم، ازداد بحثنا عن حلول سريعة، وكلما ازداد بحثنا عن حلول سريعة، ازدادت ثقتنا في الآلة، بينما الحقيقة أن القضايا السياسية والاقتصادية لا تحتمل الاختصار، ولا تصلح أن تُفهم من خلال جملتين يكتبهما تطبيق ذكاء اصطناعي في ثوان .
اذن ما البدائل بعد ان عرفنا أن الذكاء الاصطناعي ليس خبيراً ولا نثق في صندوقه الأسود، يبقى السؤال الأهم: كيف لنا نحن المواطنين أن نحلل الأحداث السياسية والاقتصادية بشكل صحيح في زمن تتزاحم فيه الأخبار وتتسارع فيه الأحداث؟ ولا نثق في التحليلات الإعلامية ، وهل هناك بديل عن الذكاء الاصطناعي في تحليل السياسة والاقتصاد؟ وهل يمكن للإنسان العادي أن يطور مهاراته التحليلية ليكون قادراً على فهم ما يجري حوله دون أن يغرق في بحر التفسيرات الآلية؟”
الحقيقة أن البدائل موجوده ومتاحة ، لكنها تحتاج إلى جهد ووعي وليس إلى نقرة زر، فالمواطن الذي يريد أن يحلل بشكل صحيح يحتاج أولاً إلى تنويع مصادر معلوماته، فلا يعتمد على منصة واحدة ولا على جهة واحدة، بل يقرأ من هنا وهناك، ويقارن بين الروايات المختلفة، ويدرك أن الحقيقة غالباً ما تكون في المنتصف، ثم يحتاج إلى فهم السياق التاريخي والجغرافي للأحداث التي يتابعها، فالقرار السياسي أو الاقتصادي لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج تراكمات ومصالح وتوازنات معقدة، ومن يقرأ الماضي يستطيع أن يلمس خيوط الحاضر، كما يحتاج إلى ربط المتغيرات ببعضها البعض، فما يحدث في السياسة ينعكس على الاقتصاد، وما يطرأ في الأمن يؤثر في الاستثمار، والأحداث الإقليمية لها ظلالها على الداخل، والمواطن الذكي هو الذي يرى هذه التشابكات بعين واحدة لا بعينين منفصلتين، كما يحتاج إلى الصبر وعدم التسرع في إصدار الأحكام، لأن الصورة الأولى غالباً ما تكون مشوهة أو ناقصة، فمن ينتظر قليلاً قد يرى ما لا يراه المستعجلون، ومن يتريث في تحليله قد يكتشف أن ما بدا كارثة هو مجرد عاصفة عابرة، أو أن ما بدا نجاحاً هو مجرد بريق مؤقت، هذا كله يحتاج إلى تدريب ذاتي مستمر وممارسة يومية للتفكير النقدي، لكن الخبر المطمئن أن هذه المهارات ليست حكراً على الخبراء والمتخصصين، بل هي قدرات كامنة في كل عقل بشري يستطيع أن يتعلم ويميز ويستنتج، إذا منح نفسه الوقت والجهد، وهكذا يتحول المواطن من متلقٍ سلبي للتفسيرات الجاهزة إلى مفكر ناقد يبني فهمه بنفسه، وهذا هو البديل الحقيقي عن الذكاء الاصطناعي والإعلام المتحيز، وهذا هو الطريق الأضمن لفهم عالم لا يتوقف عن التغير .
ختام حديثي ندرك أن لا يمكننا أن ننكر أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً من حياتنا اليومية، ولا يمكننا أن نغض الطرف عن إمكانياته الهائلة في تسهيل الوصول إلى المعلومات وتحليل البيانات، لكن علينا أن نتذكر دائماً أن الآلة تبقى آلة، وأنها لا تملك وعياً ولا إدراكاً ولا فهماً للسياقات الإنسانية المعقدة التي تحكم السياسة والاقتصاد، الذكاء الاصطناعي قد يكون مساعداً سريعاً، وقد يكون أداة مفيدة للاستكشاف والبحث، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن العقل البشري الناقد، ولا عن الخبرة المتراكمة، ولا عن الفهم العميق للتاريخ والجغرافيا والمجتمع، والمواطن الذي يريد أن يفهم عالمه بشكل صحيح، عليه أن يستثمر في نفسه، في تعلمه، في فضوله، وفي شجاعته على التساؤل وعدم الرضا بالإجابات الجاهزة، العالم اليوم مليء بالتفسيرات السريعة والأجوبة المختصرة، لكن الحقيقة كما كانت دائماً تحتاج إلى جهد وصبر وتعمق، من يبحث عنها بعقله وقلبه معاً، سيجدها، ومن يكتفي بما تقدمه له الآلة، سيظل أسير الصندوق الأسود، يرى العالم من خلال ثقب ضيق لا يكشف إلا جزءاً من الصورة، فلتكن أدواتنا في أيدينا لا في عقولنا، ولنبق نحن السادة، والآلة مجرد خادم.
ظهرت المقالة ما لا يعرفه الجمهور عن الذكاء الاصطناعي أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة ما لا يعرفه الجمهور عن الذكاء الاصطناعي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ما لا يعرفه الجمهور عن الذكاء الاصطناعي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ما لا يعرفه الجمهور عن الذكاء الاصطناعي.
في الموقع ايضا :