حين تتأخر العدالة… بريطانيا والمستوطنات وسؤال الضمير ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (جو 24) -
  هناك قرارات سياسية تُقرأ بأرقام التجارة والمصالح، وهناك قرارات أخرى لا يمكن قراءتها إلا في ميزان التاريخ، وقرار الحكومة البريطانية التحرك لفرض قيود على تجارة السلع مع المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ينتمي، في رأيي، إلى النوع الثاني، لأنه لا يطرح سؤالًا اقتصاديًا فحسب، بل يفتح سؤالًا أقدم وأثقل متى يصبح الصمت على الظلم مشاركة فيه ؟ في الثامن من أيلول 2026 أعلنت بريطانيا، إلى جانب عدد من الدول، اتخاذ خطوات لتقييد التجارة مع المستوطنات، مؤكدة أن استمرار التوسع الاستيطاني يقوّض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة ويهدد حل الدولتين، والموقف البريطاني الرسمي واضح في اعتباره المستوطنات مخالفة للقانون الدولي، وفي رفض الإجراءات التي تقود إلى ضم الأرض أو تهجير سكانها. قد يقال إن القرار اقتصادي محدود، وإن حجم تجارة المستوطنات لا يكفي لتغيير موازين المنطقة، وهذا صحيح إذا نظرنا إلى السياسة بميزان المال وحده، أما إذا نظرنا إليها بميزان المعنى، فإن المسألة تختلف، لأن العالم لا يتحرك دائمًا بالقفزات الكبرى، بل يبدأ أحيانًا بخط صغير يرسم حدًا بين ما يُقبل وما لا ينبغي قبوله. المستوطنات ليست أبنيةً صامتة فوق التلال، وراء كل بيت يُقام على أرض متنازع عليها سؤال عن أرض أخرى ضاقت بأصحابها، وعن طريق تغير مساره، وعن مستقبل تتآكل حدوده يومًا بعد يوم، ولهذا فإن التجارة مع المستوطنات ليست شأنًا تجاريًا خالصًا؛ فالاقتصاد، حين يتصل بالأرض والحقوق، يصبح جزءًا من السياسة، والسياسة حين تمس مصائر الشعوب تصبح مسألة أخلاق أيضًا. لكن للموقف البريطاني بعدًا تاريخيًا لا يستطيع القارئ العربي أن يتجاهله، فبريطانيا ليست دولة بعيدة عن جذور القضية الفلسطينية، ولا يمكن قراءة حاضرها في المنطقة وكأن الماضي لم يكن، من وعد بلفور سنة 1917 إلى سنوات الانتداب البريطاني على فلسطين، تركت لندن بصمة عميقة في المسار الذي أوصل المنطقة إلى ما هي عليه اليوم، ولذلك فإن أي تحول بريطاني باتجاه الاعتراف الصريح بخطورة الاستيطان يحمل معنى مضاعفًا. معنى القرار الحاضر، وثقل الذاكرة القديمة. ولا أقول ذلك بحثًا عن محاكمة التاريخ بعد أكثر من قرن، فالتاريخ لا يعود إلى الوراء، ولا يستطيع جيل أن يمحو بأصابعه ما كتبه جيل سبقه، لكن الدول الكبرى، مثل الأفراد، تبلغ نضجها حين تستطيع أن تنظر إلى تاريخها من غير خوف، وأن تدرك أن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من قوتها، بل يمنحها قدرًا أكبر من الاحترام. وفي المقابل، ينبغي ألا يتحول نقد سياسة الحكومة الإسرائيلية أو الاستيطان إلى عداء تجاه الشعب الإسرائيلي أو اليهود في أي مكان، العدالة التي نطلبها للفلسطيني لا يمكن أن تُبنى على ظلم إنسان آخر، وقد أكدت الحكومة البريطانية نفسها، في إعلانها الأخير، التزامها بأمن إسرائيل ورفضها لهجوم حماس في السابع من أكتوبر، وفي الوقت ذاته رفضها التوسع الاستيطاني والعنف المرتبط به وهذه التفرقة مهمة، لأن القضية في جوهرها ليست صراعًا بين ديانتين أو شعبين محكوم عليهما بالعداء الأبدي بل صراع سياسي على الأرض والحقوق والأمن والمستقبل. ما يستحق التوقف عنده هو أن لندن لم تعد تكتفي باللغة الدبلوماسية التقليدية ففي وقت سابق من عام 2026 شددت الحكومة البريطانية إرشاداتها للشركات والمواطنين البريطانيين، داعية إياهم بوضوح إلى عدم ممارسة أنشطة اقتصادية أو مالية في المستوطنات، ثم انتقلت في سبتمبر إلى خطوة أكثر وضوحًا باتجاه حظر تجارة سلع المستوطنات. وقد لا تصنع بريطانيا السلام بقرار واحد ولن تُزال مستوطنة بتوقيع على ورقة في لندن ولن يستيقظ الشرق الأوسط غدًا وقد انتهت أزماته، لكن السياسة الدولية تتغير حين تتراكم المواقف، وحين يصبح ما كان مقبولًا بالأمس مكلفًا اليوم وما كان يجري بلا مساءلة موضوعًا للعقوبات والقيود والمحاسبة. وهنا يكمن جوهر المسألة، فالقوة ليست أن تستطيع فعل ما تشاء بل أن تعرف أين يجب أن تتوقف والسيادة ليست تصريحًا مفتوحًا لمحو حقوق الآخرين، كما أن الأمن لا يمكن أن يصبح بابًا دائمًا لإلغاء العدالة. الإسرائيلي يريد أن يعيش آمنًا، وهذا حق والفلسطيني يريد أن يعيش حرًا فوق أرضه وله دولة ومستقبل وهذا حق أيضًا ولا ينبغي للعالم أن يطلب من أحدهما أن يتخلى عن إنسانيته لكي يحفظ إنسانية الآخر. بعد عقود طويلة من الدم أصبح السؤال الحقيقي أكبر من حدود فلسطين وإسرائيل، هل يستطيع العالم أن يبني نظامًا دوليًا تكون فيه القوانين ملزمة للقوي كما هي ملزمة للضعيف ؟ أم أن القانون يبقى قويًا ما دام المتهم ضعيفًا ثم يصبح وجهة نظر حين يتعلق الأمر بحليف قوي؟ ذلك هو الامتحان، قد يكون القرار البريطاني متأخرًا، وقد يراه البعض ناقصًا وقد يخضع للمصالح والحسابات السياسية مثل سائر القرارات الدولية، لكن حتى الخطوة المتأخرة تظل أفضل من الوقوف الدائم في المكان نفسه التاريخ لا يسأل الدول فقط عمّا فعلته، بل يسألها أيضًا. متى عرفت أن عليها أن تفعل شيئًا؟ وأنا أرى أن السلام الحقيقي لن يولد من انتصار شعب على شعب، ولا من تحويل الأرض إلى غنيمة ولا من بناء جدار أعلى من الجدار الذي سبقه. السلام يبدأ عندما يصبح الإنسان أغلى من الخريطة والحق أثقل من ميزان القوة، وعندما يفهم الجميع أن الأرض التي لا تتسع لعدالة شعبين ستبقى واسعة للحروب مهما كثرت فوقها الحدود. ولعل قيمة القرار البريطاني ليست في عدد السلع التي ستتوقف عند الحدود، بل في الرسالة التي ينبغي أن تتجاوزها، أن الأرض ليست بضاعة وأن القانون ليس موسميًا وأن سلام الشرق الأوسط لن يولد من إدارة الصراع إلى ما لا نهاية بل من معالجة جذره. فالمستوطنات قد تُبنى بالحجر، لكن آثارها تُبنى في الذاكرة والحجر يمكن أن يتغير، أما ذاكرة الشعوب فتبقى طويلًا لهذا لا يحتاج الشرق الأوسط إلى مزيد من المنتصرين بل إلى قدر أكبر من العدالة لأن القوة تستطيع أن تفرض واقعًا لسنوات، أما العدالة وحدها فهي التي تستطيع أن تمنحه عمرًا.  .

مشاهدة حين تتأخر العدالة hellip بريطانيا والمستوطنات وسؤال الضمير

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين تتأخر العدالة بريطانيا والمستوطنات وسؤال الضمير قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حين تتأخر العدالة… بريطانيا والمستوطنات وسؤال الضمير.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار