حرب بلا دبابات
في العقود الأخيرة، تغيّرت طبيعة الصراع بين الدول الكبرى والدول الأصغر منها. لم تعد الحرب تحتاج بالضرورة إلى جيوش تعبر الحدود أو طائرات تقصف المدن. صار بإمكان قوة عظمى أن تُلحق بدولة كاملة شللاً اقتصادياً وهي جالسة في مكاتب وزارة الخزانة، لا في ساحات المعركة. وما جرى لإيران خلال سنوات "الضغط الأقصى" الذي مارسته إدارة ترامب هو النموذج الأوضح لهذا التحوّل.
لكن الدرس الحقيقي الذي يجب أن تستوعبه دول العالم الثالث ليس أن أمريكا قادرة على خنق اقتصاد دولة، بل أن الاقتصاد الهشّ هو الذي يجعل الخنق ممكناً في المقام الأول. فالعقوبات لا تنجح لأنها قوية بذاتها، بل لأنها تجد أمامها اقتصاداً معتمداً على نقاط ضعف قليلة يسهل إغلاقها واحدة تلو الأخرى.
من معاقبة الدولة إلى خنق شبكة الحياة
الملمح الأخطر في النموذج الأمريكي الحديث هو انتقال العقوبات من فكرة "معاقبة الدولة" إلى فكرة أعمق وأشدّ فتكاً: معاقبة شبكة العلاقات التي تبقي الدولة على قيد الحياة اقتصادياً.
فواشنطن لم تعد تكتفي بحظر التعامل المباشر مع طهران، بل لاحقت البنوك التي تتعامل معها، وشركات التأمين البحري التي تؤمّن ناقلاتها، والوسطاء الذين ينقلون مدفوعاتها، والأسواق التي تشتري نفطها. وهكذا تحوّل الحصار من جدار حول الدولة إلى شبكة تخنق كل شريان يصلها بالعالم.
وهذا بالضبط ما ينبغي أن تدركه الدول النامية: أن نقطة ضعفها ليست في حدودها، بل في مدى اعتمادها على أنظمة يسيطر عليها الخصم — من الدولار، إلى نظام "سويفت"، إلى الموانئ، إلى مصادر الغذاء والدواء.
عقيدة النجاة الاقتصادية: عشرة مبادئ للتحصين
من قراءة التجربة الإيرانية، وكذلك تجارب العراق وسوريا وروسيا، يمكن استخلاص ما يشبه "عقيدة نجاة اقتصادية" تحمي الدولة من أن تتحوّل رهينة في يد أي قوة كبرى:
1. لا تعتمد على سلعة تصديرية واحدة.٠* فالدولة التي يقوم اقتصادها على النفط وحده تُخنق بمجرد إغلاق سوق النفط أمامها، كما حدث لإيران والعراق. التنويع درع وليس رفاهية.
2. لا تعتمد على سوق تصدير واحد. من يبيع لعميل واحد يمنح هذا العميل سلطة الحياة والموت على اقتصاده.
3. لا تعتمد على عملة احتياطية واحدة. الاعتماد الكامل على الدولار يجعل أي دولة أسيرة قرارات الخزانة الأمريكية. تنويع العملات والاحتياطيات يقلّص هذه القبضة.
4. لا تعتمد على نظام دفع واحد. فالإقصاء من "سويفت" وحده كان كفيلاً بشلّ تجارة كاملة. لهذا سعت روسيا والصين وإيران إلى بناء بدائل.
5. لا تعتمد على ميناء أو طريق تجاري واحد. فمن يملك خنقك يملك منفذك الوحيد. تعدد المنافذ والطرق يفكك أداة الحصار.
6. كوّن احتياطيات استراتيجية من الغذاء والوقود والدواء. فالدولة التي تستورد قوتها اليومي معرّضة لأن تُجوَّع لا أن تُهزم عسكرياً.
7. امتلك صناعة محلية للسلع الحيوية، ولو بتكلفة أعلى. التكلفة الإضافية للإنتاج المحلي أرخص بكثير من ثمن الخضوع عند أول أزمة.
8. حافظ على علاقات سياسية وتجارية مع أكبر عدد ممكن من القوى الدولية. فالعزلة تسهّل الحصار، وتعدد الأصدقاء يوفّر منافذ بديلة عند الأزمات.
9. اجعل مؤسساتك المالية شفافة وقوية. فالفساد وغسل الأموال يمنحان الخصم ذريعة جاهزة، ويجعلان العقوبات أكثر سهولة وقبولاً دولياً.
10. لا تحوّل الخلاف السياسي مع قوة كبرى إلى اعتماد اقتصادي كامل على قوة كبرى أخرى. فالهروب من هيمنة واشنطن إلى تبعية مطلقة لموسكو أو بكين يستبدل سيّداً بسيّد.
دروس من تجارب متعددة
تُظهر الحالات المختلفة الوجه نفسه للعملة:
- العراق في التسعينيات عانى من حصار شامل جعل الغذاء والدواء سلاحاً، لأن اقتصاده كان معتمداً على النفط والاستيراد.
- سوريا* واجهت "قانون قيصر" الذي لاحق كل من يتعامل مع اقتصادها، فتحوّل الحصار إلى خنق مركّب.
- روسيا، رغم أنها قوة كبرى، تعرّضت لضغوط هائلة بعد 2022، لكنها نجت نسبياً بفضل تنويع مسبق في أسواقها واحتياطياتها وشركائها — وهو تحديداً ما تفتقده معظم دول العالم الثالث.
الدول العربية الأخرى: أخطر الحالات
بالنسبة للدول العربية، وخاصة اليمن الشمالي ، تصبح هذه الدروس مسألة وجود لا رفاهية سياسية. فشمال اليمن يجمع بين أخطر عوامل الهشاشة: اعتماد شبه كامل على استيراد الغذاء والدواء والوقود، ومنافذ بحرية محدودة يسهل السيطرة عليها، ونظام مالي ضعيف، وانقسام سياسي يجعله ساحة نفوذ للقوى الإقليمية والدولية.
إن دولة بهذه المواصفات لا تحتاج إلى عقوبات معقّدة لتُخنق؛ يكفي إغلاق ميناء أو تعطيل تحويل مالي. ولهذا فإن أولوية أي دولة عربية هشّة يجب أن تكون **بناء المناعة الاقتصادية قبل خوض المعارك السياسية.
الخلاصة
درس إيران الحقيقي لدول العالم الثالث ليس أن أمريكا تستطيع خنق اقتصاد دولة، وإنما أن الاقتصاد الهشّ هو الذي يجعل الخنق ممكناً.
فواشنطن لا تحتاج إلى احتلال دولة حتى تؤذي اقتصادها؛ يكفي أن تكون الدولة معتمدة على النفط، وعلى الدولار، وعلى البنوك الأجنبية، وعلى التأمين البحري الدولي، وعلى بضعة أسواق، وعلى استيراد الغذاء والدواء، ثم تُغلق هذه الأبواب واحداً بعد الآخر. وهنا يتحوّل الاقتصاد إلى ساحة حرب من دون أن تطلق دبابة واحدة قذيفة.
والسؤال المركزي الذي يجب أن تضعه كل دولة نامية أمامها هو: كيف أحمي اقتصادي من أن يتحوّل رهينة في يد أي خزانة أجنبية؟
والإجابة لا تكون في ردة الفعل بعد وقوع العقوبات، بل في بناء اقتصاد متنوّع، متعدد المنافذ، شفاف المؤسسات، مستقلّ في قوته الأساسي — اقتصاد عصيّ على الخنق قبل أن يُطرح سؤال تجنّب العقوبات أصلاً.
مسعود عشوش
مشاهدة الخنق العظيم ماذا يجب أن تتعلم دول العالم الثالث من الحصار الاقتصادي على إيران
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الخنق العظيم ماذا يجب أن تتعلم دول العالم الثالث من الحصار الاقتصادي على إيران قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الخنق العظيم: ماذا يجب أن تتعلم دول العالم الثالث من الحصار الاقتصادي على إيران؟.
في الموقع ايضا :