بقلم: صالح الفضلي
هناك ظواهر تبدو في ظاهرها إدارية ومالية، لكنها في حقيقتها تكشف خللاً أعمق في بنية الدولة وطريقة توزيع السلطة والنفوذ فيها. ومن بين هذه الظواهر ما أصبح يعرف بـ(الازدواج الوظيفي)، أي أن يجمع شخص واحد بين وظيفة مدنية ووظيفة عسكرية أو أمنية، أو يتقاضى راتبين من مصدرين حكوميين، أو ينتقل من المؤسسة العسكرية والأمنية إلى موقع قيادي في مؤسسة مدنية دون أن تكون مؤهلاته وخبرته المهنية هي المعيار الأساسي لذلك. ولعل ما كشفته إجراءات وزارة الخدمة المدنية والتأمينات في عدن خلال عامي 2024 و2025 يوضح أن المسألة ليست حالات فردية عابرة. فقد باشرت اللجنة المشتركة بين وزارتي الخدمة المدنية والمالية إجراءات لمعالجة حالات الازدواج، ثم نشرت وزارة الخدمة المدنية لاحقاً كشوفات بأسماء موظفين ثبت وجود ازدواج أو تشابه وظيفي لديهم بين القطاع المدني والقطاعين العسكري والأمني، ولوحت بإيقاف رواتب من لم يحضروا للمطابقة وتصحيح أوضاعهم. والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هنا ليس فقط: كم موظفاً يتقاضى راتبين؟ السؤال الأخطر هو: ماذا يحدث للدولة عندما تصبح المؤسسة المدنية نفسها امتداداً لشبكات القوة العسكرية والأمنية؟ ومن الصعب النظر إلى هذه الظاهرة بمعزل عن التحولات السياسية التي شهدتها البلاد منذ قيام الوحدة اليمنية عام 1990، ثم حرب 1994 وما ترتب عليها من إعادة تشكيل واسعة لمؤسسات الدولة وموازين القوة والنفوذ. فمنذ 1990.. دخلت الوظيفة العامة مرحلة مختلفة: لقد توسعت الوظيفة العامة في بلادنا خلال العقود الماضية، وأصبحت الوظيفة الحكومية في كثير من الحالات وسيلة لاستيعاب الضغوط الاجتماعية والسياسية، وليس فقط لتلبية الاحتياجات الحقيقية للجهاز الإداري. وتشير دراسات للبنك الدولي إلى أن الوظائف الحكومية والعقود والموارد العامة تحولت في اليمن إلى إحدى قنوات المحسوبية وشبكات الرعاية، وأن جزءاً من تضخم فاتورة الأجور ارتبط بوجود موظفين لا يؤدون عملاً فعلياً، فيما ظلت المؤسسات العسكرية والأمنية من أهم مراكز النفوذ في المعادلة السياسية. ومن هنا يمكن فهم كيف انتقلت المشكلة تدريجياً من مجرد (موظف مزدوج) إلى ظاهرة أكثر تعقيداً: تداخل العسكري بالأمني بالمدني، وتداخل السلطة بالوظيفة، وتداخل النفوذ بالكفاءة. وفي عدن تحديداً، تبدو هذه المسألة أكثر حساسية، لأن المدينة كانت تاريخياً صاحبة تقاليد إدارية ومؤسسية عريقة، وكان الجهاز المدني فيها يقوم على قدر كبير من التخصص وتقسيم العمل. أما حين يصبح رجل الأمن أو العسكري موظفاً مدنياً، ثم مديراً، ثم مسؤولاً عن موظفين متخصصين في مجال لا علاقة له بتكوينه المهني، فإننا لا نكون أمام (تعدد وظائف) فحسب، بل أمام خلل في فلسفة الإدارة ذاتها. وهناك مؤسسات مدنية وتربوية لا تضم مجالسها غير عدد من حملة الرتب العسكرية. والمشكلة ليست في العسكري.. بل في تحويل النفوذ العسكري إلى معيار إداري مدنيو ومن المهم هنا التمييز بين أمرين. ليس كل عسكري أو رجل أمن يعمل في مؤسسة مدنية مشكلة بحد ذاته، فقد ينتقل العسكري إلى العمل المدني بعد انتهاء خدمته، وقد يمتلك بعض العسكريين مؤهلات إدارية وأكاديمية تجعلهم صالحين لتولي وظائف مدنية. المشكلة تبدأ عندما تصبح الرتبة والنفوذ والعلاقات الأمنية بديلاً عن المؤهل والتخصص والخبرة المهنية. وهنا تبدأ المؤسسة المدنية والحكومة بشكل عام في التآكل من الداخل. فمدير المدرسة الذي جاء إلى موقعه لأنه يحمل رتبة عسكرية أو سنداً أمنياً، وليس لأنه تربوي مؤهل، لا يضر بالمؤسسة وحدها؛ بل يبعث برسالة خطيرة إلى المعلمين: أن سنوات الدراسة والخبرة والتخصص قد تكون أقل قيمة من النفوذ. ومدير المؤسسة الاقتصادية الذي يحمل وظيفة أمنية في الوقت نفسه يخلق مشكلة أخرى: كيف يمكن للموظف أن يعترض على قرار إداري وهو يعرف أن رئيسه الإداري يمكن أن يتحول في لحظة الخلاف إلى (أفندم)؟ وهكذا تدخل الرتبة العسكرية إلى المكتب المدني، ليس بوصفها خبرة، وإنما بوصفها سلطة رديفة. ومن هنا تأتي العبارة التي يتداولها الناس في حياتهم اليومية: عندما تختلف مع مديرك في المدرسة أو البنك أو المؤسسة، لا تعرف هل أنت أمام مدير مدني أم أمام (أفندم) يرتدي بدلة مدنية! وهذه ليست نكتة اجتماعية. إنها علامة على اختلاط مفهوم السلطة بمفهوم الوظيفة. وعلى الرغم من أن قانون الخدمة المدنية في بلادنا ينص على أن الوظيفة العامة تشمل وحدات الجهاز الإداري للدولة، بينما يستثني العسكريين في القوات المسلحة والداخلية والأمن باعتبار أن لهم أنظمة خدمة خاصة. فلا يزال العسكريون هم من يقود البلاد. وعندما يجمع الشخص بين وظيفة عسكرية وأخرى مدنية، فهو لا يأخذ راتبين فقط؛ بل يأخذ في حالات كثيرة فرصتين وظيفيتين في الوقت الذي ينتظر فيه آلاف الخريجين فرصة واحدة. وهنا يتحول الازدواج الوظيفي من مخالفة مالية إلى قضية عدالة اجتماعية. فخريج الجامعة الذي يقف سنوات أمام أبواب الوظيفة العامة، ثم يرى أن مقعداً وظيفياً يشغله شخص يتقاضى راتباً عسكرياً وراتباً مدنياً، لن يشعر بأنه يعيش في دولة تقوم على تكافؤ الفرص. وخطوة بن بريك.. كانت جيدة ولكن المطلوب أكبر. ومن الإنصاف الإشارة إلى أن قضية الازدواج الوظيفي لم تعد ملفاً هامشياً في الإصلاح الإداري. فقد صدرت خلال السنوات الماضية إجراءات رسمية لمكافحة التعيين خارج قانون الخدمة المدنية والازدواج الوظيفي، وكان سالم صالح بن بريك قد وجّه في عام 2022 بإيقاف إجراءات التعيين خارج إطار قانون الخدمة المدنية، وطالب برفع بيانات التعيينات والازدواج الوظيفي. وفي يونيو 2025، أكد بن بريك، خلال زيارته وزارة الخدمة المدنية، أهمية معالجة الازدواج الوظيفي وتصحيح الاختلالات الوظيفية وتطوير البناء التنظيمي للجهاز الإداري للدولة. ثم جاءت إجراءات 2025 المتعلقة بالمطابقة وكشوفات الموظفين المزدوجين لتضع القضية أمام الرأي العام بصورة أكثر وضوحاً. لكن وقف راتب الموظف المزدوج لا يكفي. المطلوب هو الوصول إلى مصدر الظاهرة. من الذي عيّن هؤلاء؟ كيف حصلوا على الوظائف؟ من منحهم المناصب القيادية؟ هل كانت هناك مفاضلات؟ هل تتناسب مؤهلاتهم مع الوظائف التي يشغلونها؟ وكم من الوظائف المدنية أُغلقت أمام خريجين مؤهلين بسبب شغلها من أشخاص مرتبطين بمؤسسات عسكرية أو أمنية؟ وحين تدخل (العسكرة) إلى الوظيفة المدنية، فإنها لا تضعف الإدارة فقط؛ بل تقتل تدريجياً فكرة الدولة المدنية نفسها. وهنا تحديداً تكمن خطورة الظاهرة. فالقضية ليست: كم شخصاً يتقاضى راتبين؟ القضية الأكبر هي: كم مؤسسة مدنية خسرناها لأن الرتبة أصبحت أقوى من الكفاءة؟
عسكرة الوظائف الحكومية.. حين يصبح الأفندم مديراً مدنياً سما نيوز.
مشاهدة عسكرة الوظائف الحكومية حين يصبح الأفندم مديرا مدنيا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ عسكرة الوظائف الحكومية حين يصبح الأفندم مديرا مدنيا قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على سما نيوز ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، عسكرة الوظائف الحكومية.. حين يصبح الأفندم مديراً مدنياً.
في الموقع ايضا :