كتب د. عدلي قندح إن أحد أكثر الأرقام دلالة في تاريخ بورصة عمّان خلال السنوات الماضية هو عدد الشركات المدرجة. في عام 2010 بلغ عددها 277 شركة، أما أحدث رقم رسمي منشور في 2026 فيشير إلى 155 شركة فقط. أي أن قاعدة الشركات المدرجة تقلصت، بالمحصلة الصافية، بنحو 122 شركة، أو 44% مقارنة بذروة 2010. لكن ماذا يعني ذلك فعلاً؟ هل اختفت 122 شركة من الاقتصاد الأردني؟ بالطبع لا. بعضها اندمج، وبعضها صُفّي، وبعضها خرج لأسباب تنظيمية، بينما استمر تداول أسهم بعض الشركات التي أُلغي إدراجها في سوق الأوراق المالية غير المدرجة (OTC) . والسؤال الذي يُطرح ويحتاج الى إجابة هو: " لماذا أصبحت قاعدة الشركات المدرجة أصغر بكثير، بينما أصبح الاقتصاد الأردني نفسه أكبر وأكثر تنوعاً؟" المشكلة ليست الخروج... بل ضعف التجدد من الطبيعي أن تخرج شركات من أي سوق مالية. فهذا جزء من عملية تصحيح صحية للسوق. ولكن يجب أن نتذكر بأن السوق الصحية والديناميكية هي ليست الأسواق التي لا تخرج منها الشركات، بل تلك التي تستطيع استبدال الشركات الخارجة بأجيال جديدة من الشركات الصاعدة. وهذا هو الاختبار الحقيقي لبورصة عمّان. ففي مرحلة سابقة كان تدفق الشركات إلى السوق قوياً؛ ارتفع عدد الشركات المدرجة من 201 شركة عام 2005 إلى 277 عام 2010، بزيادة تقارب 38% خلال خمس سنوات. لكن الاتجاه انعكس بعد ذلك، وأصبح دخول الشركات الجديدة أقل زخماً، بينما استمرت عمليات الشطب والاندماج والخروج وإعادة الهيكلة. إذن القضية ليست العدد وحده، بل معدل تجدد السوق. وقد تكون بورصة تضم 155 شركة قوية وشفافة وقابلة للنمو أفضل اقتصادياً من سوق تضم 277 شركة بينها شركات ضعيفة أو غير نشطة. لذلك لا ينبغي أن يكون الهدف العودة ميكانيكياً إلى رقم 277. والسؤال الأهم هو: من يدخل بدلاً ممن يخرج؟ أين الشركات التي صنعها الاقتصاد الجديد؟ هنا ينتقل الموضوع من البورصة إلى الاقتصاد الحقيقي. الأردن في 2026 ليس اقتصاد الأردن في 2005. توسعت قطاعات التكنولوجيا والبرمجيات والخدمات الرقمية والصناعات الدوائية والغذائية والهندسية والطاقة والخدمات الصحية والتعليمية والتصديرية، وظهرت شركات ريادية استطاعت النمو داخل الأردن وخارجه. لكن كم من هذا الاقتصاد الجديد وصل فعلياً إلى بورصة عمّان؟ إذا كانت قطاعات المستقبل تنمو خارج السوق بوتيرة أسرع من دخولها إليها، فقد تظهر تدريجياً فجوة بين هوية الاقتصاد الحقيقي وهوية السوق المالية. وهذه ربما أهم قضية تكشفها قصة الشركات الـ155. فالبورصة ليست مجرد مكان لتبادل ملكية الأسهم؛ وظيفتها الاقتصادية أن تكون جسراً بين المدخرات والاستثمار، وأن تمكّن الشركات الناجحة من الحصول على رأس المال اللازم للتوسع، وتتيح للمستثمرين المشاركة في نموها. وإذا كانت الشركات الواعدة تنمو خارج السوق، فقد ترتفع أسعار الأسهم والقيمة السوقية والتداول، بينما تصبح البورصة أقل تعبيراً عن التحول الهيكلي الجاري في الاقتصاد الحقيقي. هل المشكلة فعلاً في السيولة؟ عندما يُناقش ضعف نشاط البورصة، يبدأ الحديث عادة عن السيولة: كيف نجذب المستثمرين؟ وكيف نزيد التداول ونوسع مشاركة المؤسسات؟ هذه أسئلة مهمة، لكنها تتعلق أساساً بالطلب على الأسهم. أما السؤال المقابل فهو: ماذا سيشتري المستثمر عندما يأتي؟ رأس المال يبحث عن شركات ذات نمو وشفافية وحوكمة وفرص تعكس مستقبل الاقتصاد. لذلك قد يكون جزء من ضعف السيولة مرتبطاً أيضاً بمحدودية عرض الفرص الاستثمارية الجديدة والجذابة. وهنا يتغير السؤال من: كيف نجلب مزيداً من الأموال إلى البورصة؟ إلى: كيف نجلب مزيداً من الشركات الجيدة إليها؟ لماذا تبقى الشركات الناجحة خارج السوق؟ جزء مهم من الشركات الأردنية الناجحة شركات خاصة أو عائلية، وقد لا يرى بعض مالكيها حافزاً كافياً للإدراج، بما يعنيه من إفصاح وحوكمة ودخول مساهمين جدد. وفي المقابل، يمتلك الأردن قطاعاً مصرفياً قوياً يوفر للشركات الجيدة تمويلاً دون الحاجة إلى فتح الملكية أمام الجمهور. وهنا تظهر مفارقة مهمة: قوة التمويل المصرفي، وهي ميزة للاقتصاد الأردني، قد تقلل في بعض الحالات حاجة الشركات إلى سوق رأس المال. لكن هناك عاملاً أعمق: غياب مسار متكامل يأخذ الشركة من مرحلة النمو الخاص إلى السوق العامة. ففي الأسواق المتطورة، تبدأ الشركة صغيرة، ثم تحصل على رأس مال مغامر، وتنمو، وقد تستقطب صناديق ملكية خاصة أو مستثمرين مؤسسيين، وصولاً إلى الاكتتاب العام. إذا انقطعت هذه السلسلة قبل مرحلتها الأخيرة، ينمو القطاع الخاص خارج البورصة بينما تتقدم السوق ببطء. وهنا تظهر فجوة رأس المال المؤسسي: الفارق بين الشركات التي أصبحت من حيث الحجم والأداء والحوكمة قادرة على دخول السوق، وبين الشركات التي تصل إليها فعلياً. من انتظار الإدراجات إلى صناعتها ربما نحتاج، لذلك، إلى تغيير طريقة التفكير. بدلاً من انتظار أن تقرر شركة ما الذهاب إلى البورصة، لماذا لا نحدد الشركات الأردنية التي أصبحت مرشحة للإدراج خلال السنوات المقبلة؟ يمكن تطوير مؤشر جاهزية الإدراج IPO Readiness Index، يعتمد على الحجم والنمو والربحية والحوكمة واستدامة الأعمال والقدرة على الإفصاح والحاجة إلى رأس المال. الهدف ليس الضغط على الشركات للإدراج، بل معرفة حجم الاقتصاد القابل للإدراج الذي ما يزال خارج السوق، والأسباب التي تحول دون وصوله إليها. وهكذا ننتقل من سياسة انتظار الإدراجات إلى بناء مسار للشركات المؤهلة للوصول إلى السوق. البورصة التي نحتاجها القضية إذن ليست إعادة العدد إلى 277، ولا الوصول إلى رقم أكبر لمجرد زيادة عدد الشركات. القضية هي نوعية الشركات، وتجدد السوق، ومدى ارتباطها بالاقتصاد الحقيقي. هل تدخل شركات التكنولوجيا والصناعة التصديرية والخدمات الحديثة؟ هل تجد الشركات العائلية الناجحة في السوق وسيلة للتحول إلى ملكية مؤسسية أكثر استدامة؟ وهل تستطيع الشركات التي تبدأ برأس المال المغامر أن تنتهي بعد سنوات كشركات مساهمة عامة؟ بورصة عمّان لا ينبغي أن تكون مجرد مكان لتداول ملكية الشركات القائمة، ولا مستودعاً للشركات التي صنعت اقتصاد العقود الماضية، بل منصة للشركات التي ستصنع اقتصاد العقود المقبلة، وجزءاً من عملية تكوين رأس المال وتمويل الاستثمار والتوسع والتوظيف والتصدير. ولهذا فإن سؤال: «أين ذهبت الشركات المدرجة؟» ليس سوى نصف القضية. أما النصف الآخر، وربما الأهم، فهو: أين الشركات التي صنعها الاقتصاد الأردني خلال العقدين الماضيين، ولماذا لا تجد أعداد أكبر منها طريقها إلى بورصة عمّان؟ ما رأيكم؟ ربما يكون مستقبل السوق أقل ارتباطاً بإعادة الشركات التي خرجت، وأكثر ارتباطاً بجلب الشركات التي لم تدخل بعد. وهنا تحديداً يبدأ مشروع إعادة بناء سوق رأس المال الأردني وربطه بصورة أعمق بالاقتصاد الحقيقي. .
مشاهدة من 277 شركة إلى 155 أين ذهبت 122 من الشركات المدرجة في بورصة عم ان عاجل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من 277 شركة إلى 155 أين ذهبت 122 من الشركات المدرجة في بورصة عم ان عاجل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.