مدير عام الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ: الإبداع والإبتكار في العهد النبوي، وكيفية الاستفادة منه في الواقع المعاصر ...مصر

اخبار عربية بواسطة : (جريده المساء) -

كتب -عبدالقادرالشوادفى يقول الدكتور عبدالقادر سليم ،مدير عام الدعوه السابق بكفرالشيخ إن الإبداع في العهد النبوي الشريف لم يكن مجرد وسيلة عابرة؛ بل كان استجابة واعية لمنهجية القرآن الكريم التي تُعلي من شأن العقل وتدعو إلى تدبر الكون واستثمار الطاقات البشرية لبناء الحضارة وإعمار الأرض، فقد كرّم الله الإنسان بالعقل وجعله مناط التكليف، وجاءت الآيات القرآنية بالدعوة الصريحة لإعمال العقل والتفكر كأداة للتطوير والإبداع، قال تعالى: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ}، وقال أيضاً: {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}، ليكون العقل البشري محركاً لبناء الإنسان، وصناعة الحضارة، ومحاربة التطرف والجمود، واشاعة الجمال والإبداع، فكان رسول الله ﷺ يرى في العقول البشريّة ثروة استراتيجية كبرى يجب صقلها وتوجيهها؛ فوضع ﷺ الركيزة الأساسية للتطوير والتجديد بقوله: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُهَا، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ»، وليتكامل هذا النص النبوي الشريف مع الحديث الجامع الآخر: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ»، والذي يمثل قمة الابتكار الأخلاقي والعملي من خلال إلزام الأمة ببلوغ ذروة الجودة والبراعة الفائقة في شتى الميادين والممارسات اليومية، وامتداداً لهذا التأسيس النبوي العظيم، جاء توجيهه الحاسم في قوله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»، ليعلن الحرب على العشوائية ويؤكد أن الإتقان والإبداع والابتكار قيم وأسس جمالية مضيئه أرساها حضرة النبي ﷺ في العهد النبوي الشريف .

تتضح تجليات هذا الفكر الإبداعي المنير في هذا العهد المبارك من خلال مجموعة من المواقف الابتكارية النبوية المهمة، نورد بعضها كنماذج استرشادية، ونوضح كيفية الاستفادة منها في واقعنا المعاصر، وذلك من خلال ما يلي: أولاً: الإبداع والابتكار في فكرة حفر الخندق. وعندما زحفت جيوش الأحزاب صوب المدينة المنورة بطاقة بشرية هائلة بلغت عشرة آلاف مقاتل، لم يقف النبي ﷺ عند حدود التكتيكات القتالية التقليدية المألوفة لدى العرب. بل أظهر مرونة قيادية استثنائية وعقلية هندسية مبتكرة حين عرض عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه فكرة حفر الخندق لحماية المدينة قائلًا: “يا رسول الله، إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا . وتجلى الإبداع النبوي هنا في سرعة استيراد تكنولوجيا دفاعية من ثقافة أخرى وتطبيقها الفوري في بيئة محلية لم تألفها؛ وتذكر الروايات التاريخية بالتفصيل أن النبي ﷺ تولى هندسة هذا المشروع ميدانياً بنفسه، فقاس جغرافية المدينة، وحدد عرض الخندق وعمقه لكي لا تتمكن خيل المشركين من قفزه، وقسّم المهاجرين والأنصار إلى مجموعات عمل جعل لكل عشرة رجال منهم أربعين ذراعاً يحفرونها، ونزل ﷺ بنفسه يضرب الصخرة الصلبة بالمعول ويحمل التراب على ظهره الشريف حتى وارى الغبار جلدة بطنه الشريفة، ليثبت عملياً أن استيراد الحلول الذكية وتوطينها هو أصل من أصول الدفاع،لقوله تعالى: ﴿وأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} الأنفال: 60. أضاف الدكتور عبدالقادر سليم ، ونستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر تبني إستراتيجيات نقل التكنولوجيا الحديثة من المجتمعات المتقدمة وإعادة توطينها هندسياً بكوادر وطنية خالصة لحل مشكلات البلاد، مما يسهم في حماية الأمن القومي وتطوير البنية التحتية والمشروعات الإستراتيجية الحيوية بالاعتماد على عقول محلية متطورة. * ثانياً: الابتكار في مواجهة المستجدات عبر منهج الاجتهاد.. وحين إتسعت رقعة الدولة وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل رضي الله عنه قاضياً ومعلماً إلى اليمن، أراد ﷺ أن يبتكر نظاماً فكرياً مرناً يضمن استمرار إيجاد حلول للنوازل والمستجدات التي لم يسبق لها مثيل؛ فسأله مستفتياً عبقريته: “كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟” وتدرج معه في الأسئلة لمعرفة كيفية تصرفه عند غياب النص المباشر من القرآن أو السنة، حتى قال معاذ بوعي بصير: “أجتهد رأيي ولا آلو”..فما كان من النبي ﷺ إلا أن ضرب على صدره فرحاً متهللاً وقال مسروراً بهذا التأسيس العقلي المبتكر: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله»، حيث يكمن الإبداع في منح الضوء الأخضر لإعمال الفكر البشري والاستنباط لحل المشكلات المعاصرة، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾النساء: 83..ونستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر: إدخال مفاهيم تفويض السلطة التقديرية في إدارة الهيئات والمؤسسات الكبرى، بحيث يتم تدريب الكوادر القيادية الشابة على التفكير المرن والابتكار المستقل لصناعة القرارات الفورية وحل الأزمات الإدارية الطارئة بذكاء عند غياب القوانين واللوائح التنظيمية . *ثالثاً: استحسان حضرته لفكرة المنبر النبوي .. ومع تدفق الوفود وازدياد أعداد المصلين في المسجد النبوي الشريف، صار القيام الطويل أثناء الخطبة يشق على النبي ﷺ حيث كان يستند إلى جذع نخلة قائم في المسجد ويواري رؤيته عن أواخر الصفوف. وهنا تجلت مرونته ﷺ في تبني أدوات التنظيم والاتصال المبتكرة؛ فحين اقترحت عليه امرأة من الأنصار أن يصنع لها غلامها النجار شيئاً مرتفعاً ليقعد عليه، قال ﷺ برحابة صدر: «إن شئت»..وجاء في الروايات المفصلة أن الغلام صنع منبراً من ثلاث درجات من خشب الأثل، ولما ارتقاه النبي ﷺ صاح الجذع الذي كان يخطب عنده حنيناً وشوقاً حتى نزل النبي ﷺ فضمه إليه حتى سكن كما يسكن الصبي، ويمثل هذا الابتكار تحولاً هندسياً وإدارياً ذكياً في طريقة الخطابة والتعليم، حيث رفع القائد فوق مستوى الحشود لكي يراه الجميع ويسمعوه بوضوح. أشار الدكتور عبدالقادر سليم ، ونستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر : ضرورة التحديث المستمر للأدوات التنظيمية واللوجستية في مجالات الإلقاء، والتعليم، والتسويق الرقمي، والحرص على إستخدام أحدث منصات التواصل والوسائل التقنية المعاصرة لضمان وصول الرسائل القيادية أو التعليمية لأكبر شريحة مجتمعية مستهدفة بوضوح تام وتأثير فعال. *رابعاً: الإبداع والابتكار في اختيار المواقع الاستراتيجية للموارد عبر بئر بدر ،وحين نزل المسلمون بجيشهم في غزوة بدر عند أدنى ماء من مياه الآبار، تقدّم الحباب بن المنذر رضي الله عنه متسائلاً بنضج فكري عن طبيعة هذا القرار؛ فقال للنبي ﷺ: “يا رسول الله، أرأيت هذا منزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟” . فقال ﷺ بكل تواضع ومرونة قيادية: “بل هو الرأي والحرب والمكيدة”، فأشار الحباب بتعديل استراتيجي مبتكر للموقع؛ بأن يسير الجيش حتى يعلو أدنى ماء من القوم ويغور ما عداه من الآبار ليكون الماء للمسلمين دون الأعداء. ويكمن الإبداع النبوي هنا في ثقافة قبول النقد البناء والتراجع الفوري عن الخطط الأولية لصالح الأفكار المبتكرة التي يقدمها الخبراء والمختصون ميدانياً، مما حوّل الفكرة الذكية إلى واقع رجح كفة النصر، امتثالاً للتوجيه القرآني بالشورى واستشارة ذوي الخبرة كما قال عز وجل: ﴿…وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ…﴾ آل عمران: 159.. ونستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر : ترسيخ مبادئ إدارة الجودة الشاملة داخل الشركات والمؤسسات عبر النزول الميداني للقادة، والاستماع الواعي لآراء ومقترحات العاملين في الخطوط الأمامية، وتعديل الخطط الاستراتيجية فوراً بناءً على تقارير الخبراء الميدانيين بدلاً من التمسك بالقرارات المكتبية الفوقية الجامدة. *خامساً: الإبداع والابتكار في الحرب النفسية وتفتيت التحالفات عبر خطة نعيم بن مسعود .. وفي ذروة حصار الخندق والضيق الذي أصاب المسلمين، جاء نعيم بن مسعود رضي الله عنه معلناً إسلامه سراً وعرض فكرة ذكية ومبتكرة لإحداث وقيعة وتخاذل بين صفوف الأحزاب وتفتيت تحالفهم من الداخل دون إراقة دماء. فما كان من النبي ﷺ إلا أن أطلق يده في هذا التخطيط النفسي البارع وصاغ له القاعدة الاستراتيجية بقوله: «إنَّما أنتَ فينا رجلٌ واحدٌ، فخَذِّلْ عنَّا إنِ استطعتَ، فإنَّ الحربَ خُدعةٌ» . فانطلق نعيم بذكاء فذ وتنقل بين بني قريظة وقريش وغطفان، وزرع الشك في قلوبهم حتى اختلفوا وتفرقت كلمتهم وانسحبوا، وتجلى إبداع النبي ﷺ في إدارة هذه الأزمة الاستخباراتية وتفويض السلطة لشخص كفء قادر على اختراق الأعداء وتدمير تحالفاتهم الكبرى بالكلمة والفكرة بدلاً من السيف، فكان ذلك جنداً خفياً من جنود النصر التي أشار إليها قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا…﴾ سورة الأحزاب: آية رقم 9.

عقب الدكتور عبدالقادر سليم، مدير عام الدعوه السابق بكفرالشيخ، ونستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر، توظيف مهارات الذكاء التفاوضي وإدارة المعلومات لتفكيك تحالفات وتكتلات المنافسين في أسواق المال والأعمال، والاعتماد على الحلول الدبلوماسية والتسويقية المبتكرة لحسم الصراعات التجارية الكبرى دون الدخول في حروب أسعار مدمرة تبتلع أصول الشركات ومواردها. *سادساً: الإبداع والابتكار في إدارة المناورات والانسحاب الآمن عبر تكتيك معركة مؤتة،و عندما تولى خالد بن الوليد رضي الله عنه قيادة جيش المسلمين في غزوة مؤتة وسط ظرف ميداني شبه مستحيل، واجه الموقف بابتكار تكتيك عسكري بارع قائم على الخداع النفسي؛ فغيّر تموضع الجيش فجعل الميمنة ميسرة والمقدمة مؤخرة، وأمر الخيل خلف الجيش بإثارة الغبار وصنع جلبة لإيهام الأعداء بوصول إمدادات هائلة، مما مكنه من خلخلة صفوف الروم والانسحاب الآمن بالقوات دون خسائر..ولما عاد الجيش إلى المدينة، بارك النبي ﷺ هذا الصنيع العبقري وسماه فتحاً ولقّب خالداً بـ «سيف من سيوف الله»؛ والإبداع النبوي هنا يتمثل في تغيير مفهوم النصر والهزيمة السائد في المجتمع القبلي، حيث أقرّ النبي ﷺ خطة الانسحاب التكتيكي المبتكرة واعتبرها نصرًا ذكياً لأنها حافظت على رأس المال البشري للأمة في مواجهة قوة كاسحة، ممتثلاً لقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ الصف.. ونستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر: مرونة التعامل مع الأزمات المالية والاقتصادية الحادة عبر تطبيق تكتيكات الانسحاب المرن وإعادة الهيكلة، برفض التضحية بالأصول البشرية أو السيولة المالية في مشروعات استثمارية خاسرة، والانسحاب المؤقت بذكاء للحفاظ على كيان الشركة ومن ثم معاودة الصعود والتوسع. *سابعاً: الإبداع والابتكار في بناء منظومة الأمن المعلوماتي عبر ترجمة زيد بن ثابت.

قال الدكتور عبدالقادر سليم ،لمح النبي ﷺ أمارات العبقرية وسرعة الحفظ لدى الشاب زيد بن ثابت رضي الله عنه، فوجهه فوراً إلى مجال تخصصي دقيق يخدم الأمن القومي للدولة الناشئة، قائلًا له: “إنه تأتيني كتب من جهة يهود فلا آمنهم على كتابي، فهل تستطيع أن تعلم كتاب اليهود؟. وتذكر الروايات تفصيلاً أن زيداً تعلم لغتهم وخطهم في خمسة عشر يوماً فقط حتى أتقنها كأهلها، فأصبح المترجم الرسمي والمؤتمن على مراسلات الدولة السياسية يقرأ ويكتب للنبي ﷺ. ويكمن الابتكار في هذا القرار النبوي في التأسيس المبكر لجهاز الترجمة والتوثيق والاعتماد على الكفاءات الشابة وتأهيلها لغويًا لضمان السرية التامة وحماية مراسلات الدولة من التجسس والاختراق، تصديقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ…﴾إبراهيم، ونستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر: ضرورة الاستثمار المبكر في طاقات الشباب الموهوب وتأهيلهم الاحترافي في علوم البرمجة، والذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، لبناء غطاء أمني سيبراني محكم يحمي المعلومات الحساسة والملفات السرية للمؤسسات والشركات من الاختراقات الإلكترونية المعاصرة.

ثامناً: الابتكار في الهيكلة الاقتصادية عبر سوق المدينة، وعند الهجرة إلى المدينة المنورة، عُرضت على عبد الرحمن بن العوف رضي الله عنه حلول معيشية قوامها المساعدات المالية من سعد بن الربيع الذي دعاه لمقاسمة ماله وبيته، لكنه رفضها مبتكراً مساراً يعتمد على الإنتاج والاستثمار الحر قائلاً بوعي اقتصادي بصير: “دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ. فذهب واشتغل بالتجارة البسيطة في السمن والأقط حتى ربح وتوسع وصار من كبار المستثمرين. وقد أقر النبي ﷺ هذا الفكر التجاري الاستقلالي وبارك له، وتكامل ذلك مع قرار النبي ﷺ الشخصي المبتكر بكسر احتكار الأسواق التقليدية القائمة على المكوس عبر تأسيس سوق المدينة المنورة كمنطقة تجارة حرة معفية من الضرائب، قائلًا: «هذا سوقكم فلا يضيق، ولا يؤخذ منه خراج». ويمثل هذا الابتكار إعادة هيكلة كاملة للاقتصاد المحلي لجذب التجار وتنشيط حركة البيع والشراء الحرة، إعلاءً لقيمة العمل والإنتاج كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ…﴾ الجمعة،ونستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر: التوسع في إنشاء حواضن الأعمال والمناطق الاقتصادية واللوجستية الحرة، عبر تقديم تيسيرات إدارية وإعفاءات ضريبية تشجيعية لأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة، مما يسهم بفعالية في كسر الاحتكار التجاري وتوفير بيئة استثمارية تنافسية جاذبة لرؤوس الأموال. *تاسعاً: الإبداع والابتكار في وسائل الإعلام والهوية الصوتية عبر تشريع الأذان .+وحين تحيّر المسلمون في إيجاد وسيلة دورية تجمع الناس لأداء الصلاة، واقترحوا وسائل تقليدية كالبوق والجرس ونار يوقدونها، رأى عبد الله بن زيد رضي الله عنه كلمات الأذان في منامه وعرضها على رسول الله ﷺ؛ فلم يرفض النبي ﷺ المقترح لكونه فكرة جديدة خارج المألوف، بل رحّب بها وأقرها فوراً وأمر بتنفيذها مسنداً إياها لصاحب الكفاءة الأفضل قائلاً: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، فقم مع بلال فألقِ عليه ما رأيت فليؤذن به، فإنه أندى صوتاً منك». ويتجلى الإبداع والابتكار هنا في صياغة لغة إعلامية وهوية صوتية جماعية فريدة للمجتمع المسلم تميزه عن بقية الأمم، وتعتمد على جمال الصوت وبلاغة الكلمات بدلاً من الأدوات الصامتة، تجسيداً لقوله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا…﴾ فصلت: 33..

نستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر: تركيز كبرى الهيئات والمؤسسات التجارية على هندسة وبناء علامتها التجارية وصناعة هويتها الإعلامية الخاصة، بابتكار شعارات صوتية وبصرية جذابة تعزز الولاء لدى الجماهير، وتضمن ترسيخ الصورة الذهنية للمؤسسة وتميزها داخل الأسواق التنافسية المزدحمة. *عاشراً: الإبداع والابتكار في فلسفة البحث العلمي والتطوير عبر البحث الطبي..ولم يقف الهدي النبوي الشريف عند التفسيرات الجامدة للأمراض، بل شرّع النبي ﷺ الابتكار الطبي وحث على التداوي وتجربة الأدوية والبحث العلمي؛ حيث صاغ الفلسفة الطبية التجريبية بقوله الشريف للأعراب حين سألوه ألا نتداوى؟ فقال بكل وضوح: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً». وتذكر السيرة أنه ﷺ كان يستعين بأطباء مهرة لمعالجة بعض الصحابة لخبرته الطبية، وكان يدعو لتجربة العلاجات؛ والإبداع هنا يكمن في ربط الشفاء بالأسباب المادية والتشجيع المباشر على رصد الأمراض وابتكار واكتشاف علاجاتها وعدم الاستسلام للمرض، إيماناً بالقدر والأسباب كما قال سبحانه على لسان إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾الشعراء: 80.. نستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر: تخصيص ميزانيات استثمارية لدعم مراكز البحث والتطوير العلمي بالجامعات والمصانع، لابتكار حلول طبية وصناعية متطورة للأزمات الطارئة، مع تبني قناعة تنظيمية ثابتة بأن لكل معضلة تقنية أو صحية مخرجاً علاجياً تصنعه التجارب المعملية المستمرة. *حادي عشر: الإبداع في إدارة الأزمات البشرية واستثمار الطاقات عبر فداء أسرى بدر.. وفي أعقاب معركة بدر، واجه مجتمع المدينة أزمة انتشار الأمية، وكان في ركاب الأسرى المشركين من يتقن القراءة والكتابة. فابتكر النبي ﷺ نظام فداء مستدام وعالي القيمة لم يُعهد في تاريخ الحروب؛ إذ لم يطلب مالاً من العاجزين، بل جعل فداء الأسير المتعلم أن يعلم عشرة من غلمان المسلمين الكتابة والقراءة. وتذكر الروايات أن زيد بن ثابت كان ممن تعلم وتدرب بفضل هذا النظام؛ وتجلى هذا الابتكار التنموي الرائع في تحويل التهديد الأمني والعسكري والأسرى المحبوسين إلى طاقة منتجة ومكتسب تعليمي مستدام يرفع من كفاءة الأمة الفكرية ويمحو أميتها بأدوات الأعداء أنفسهم، امتثالاً للتوجيه الإلهي بإعمال العقل ونبذ الجهل، كما قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ ص: 29..ونستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر: تفعيل سياسات المسؤولية المجتمعية لتحويل الأزمات إلى فرص تنموية، عبر استثمار طاقات المحكومين أو الفئات المهمشة وإعادة تدوير قدراتهم المهنية في برامج محو الأمية والتعليم والخدمات العامة والمصانع الوطنية، بما يعود بالنفع الشامل على استقرار وتنمية المجتمع. ثاني عشر: الإبداع والابتكار في الاستدلال القضائي عبر علم القيافة والقرائن، وتجلت حكمة النبي ﷺ في إقرار استخدام الفراسة والقرائن المادية والتحليلات العينية لفض النزاعات القضائية المعقدة التي تغيب فيها البينات التقليدية كالشهود؛ ففي قصة النزاع المشهور على نسب سيدنا أسامة بن زيد بسبب اختلاف لونه عن أبيه، استدعى النبي ﷺ القائف مجزز المدلجي، فلما نظر القائف إلى أقدام المتنازعين وقد غطوا رؤوسهم وأجسادهم ولم تظهر إلا أقدامهم، قال: “إن هذه الأقدام بعضها من بعض”. فسرّ النبي ﷺ بذلك سروراً عظيماً وتبرق أسارير وجهه فرحاً؛ ويظهر الابتكار هنا في إقرار الأدلة المادية والتحليل الهيكلي للأجساد كوسيلة علمية مبتكرة لقطع دابر الشكوك وإحقاق الحقوق، تماشياً مع المنهج القرآني الذي اعتمد القرائن المادية في كشف الحقائق، كما في قوله جل وعلا في سورة يوسف: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾يوسف: 26-27..ونستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر: إدخال تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات الجنائية الرقمية وبصمات الحمض النووي المتقدمة داخل النظم القضائية والأمنية لفض النزاعات المعقدة، والاعتماد التام على القرائن والأدلة المادية القاطعة التي تضمن تحقيق العدالة الناجزة والشفافية التامة وإعطاء كل ذي حق حقه. *ثالث عشر: الإبداع والابتكار في المناهج والوسائل والأساليب للتوضيح عبر الخطوط التوضيحية، والعصف الذهني، وضرب الأمثلة التعليمية.. ولم يقتصر تعليم النبي ﷺ لأصحابه على الإلقاء الشفهي المجرد، بل كان يبتكر وسائل تفاعلية بصرية لتقريب المعاني وتثبيتها في الأذهان.. ومن أروع هذه النماذج الابتكارية استخدامه لأسلوب اللغز والعصف الذهني حين طرح على أصحابه سؤالاً ذكياً يربط فيه بين المؤمن والبيئة المحيطة، فقال صلوات ربي وسلامه عليه: «إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَإِنَّهَا مَثَلُ الْمُسْلِمِ، فَحَدِّثُونِي مَا هِيَ؟»، فخاض الصحابة في أشجار البوادي وعجزوا عن معرفتها حتى أخبرهم أنها النخلة، ليبرهن بهذا المعنى الإبداعي على أن المسلم الحق كالنخلة الشامخة؛ ثابت في جذور عقيدته، ومبارك في عطائه، ومستمر في نفعه لمن حوله أينما حلّ وارتحل.

لم يتوقف هذا الابتكار التعليمي عند هذا الحد، بل كان النبي يبتكر أساليب بصرية وتشبيهية مذهلة لتغيير العقليات وتصحيح المفاهيم المجتمعية؛ ففي موقف إبداعي آخر صدم أصحابه بسؤال غير متوقع حرك به وعيهم وموازينهم المادية حين قال لهم: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟»، فقالوا بتقريرية: “المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع”، ففاجأهم بابتكار مفهوم جديد أخرجهم من النظرة المادية الضيقة إلى رحابة المحاسبة الأخلاقية والإيمانية، مبيناً أن المفلس الحقيقي هو من يأتي يوم القيامة بحسنات كالجبال لكنه شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا، فتنتهي حسناته بظلمه للناس. في نموذج تربوي آخر يعتمد على التشبيه البصري الخلاق وتقريب المحسوس، سأل أصحابه يوماً: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟»، فلما أجابوا بالنفي، ربط هذه الصورة المائية الحية بأثر الصلوات الخمس في محو الخطايا وتطهير النفوس.. ولعل الذروة في التفكير الابتكاري سابقت المناهج الحديثة برمتها حين وظّف النبي ﷺ تكنولوجيا الإيضاح البصري (الهندسة بالرسم الرملي)؛ ففي حديث ابن مسعود رضي الله عنه، جلس النبي وخطّ خطاً مستقيماً على الأرض، ثم خطّ خطوطاً متفرعة عن يمينه وعن شماله، وقال: «هذا صراط الله مستقيماً، وهذه السبل». وفي موقف مشابه، رسم مربعاً في التراب، وخطاً بداخله خارجاً منه، مبيناً لهم بالتجسيم الهندسي الدقيق أن هذا المربع هو “أجل الإنسان” المحيط به، والخط الخارج هو “أمله” العريض، والخطوط الصغيرة العارضة هي مصائب الدنيا؛ فإن أخطأه هذا نهشه هذا. هذا السبق في استخدام الرسم التوضيحي المباشر حوّل مجالس العلم الوعظية التقليدية إلى “مختبرات تفاعلية مشوقة” ترسخ في الذهن البشري للأبد. لقد حوّل النبي ﷺ التربة إلى لوحة هندسية توضيحية تخاطب العين والعقل معاً، محاكاةً للأسلوب القرآني البديع في ضرب الأمثال الحية، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ العنكبوت:43، حيث كان النبيﷺ يعتمد على التشويق، وضرب الأمثال، وقلب المفاهيم السائدة لتحويل الأفكار المعنوية إلى حقائق ملموسة تُحفر في الذاكرة..ونستفيد من ذلك في واقعنا المعاصر : عمل نقلة في أساليب التعليم والتدريب المؤسسي بالاعتماد الكامل على التصميمات التفاعلية، والرسوم التوضيحيةوالإنفوجرافيك، لتبسيط حزم البيانات الرقمية الضخمة والمفاهيم النظرية الجافة وتحويلها إلى مادة بصرية مشوقة يسهل استيعابها بدقة متناهية وسرعة فائقة.وإن هذه الأمثلة النبوية المتنوعة تبرهن بجلاء على أن العهد النبوي كان حاضنة حقيقية للإبداع وصناعة الإنسان المفكر عبر إثارة الوعي وتحدي العقول بأساليب انسيابية تجمع بين عمق الرسالة وعبقرية الوسيلة.

ظهرت المقالة  مدير عام الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ: الإبداع والإبتكار في العهد النبوي، وكيفية الاستفادة منه في الواقع المعاصر أولاً على جريدة المساء.

مشاهدة nbsp مدير عام الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ الإبداع والإبتكار في العهد

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ مدير عام الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ الإبداع والإبتكار في العهد النبوي وكيفية الاستفادة منه في الواقع المعاصر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات،  مدير عام الدعوه السابق بأوقاف كفرالشيخ: الإبداع والإبتكار في العهد النبوي، وكيفية الاستفادة منه في الواقع المعاصر.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار