yemenat
يمنات
وائل العبسي
إذا أردت أن تفسد ثورة، فأغدق عليها بالمال.
هذه المقولة المنسوبة إلى القائد الفيتنامي هو تشي منه، بصرف النظر عن صحة نسبتها، تختصر واحدة من أخطر الطرق التي يمكن أن تُجهض بها الثورات. فالثورة لا تُهزم دائمًا في ساحات القتال، وقد يكون المال أحيانًا أكثر فتكًا بها من الرصاص، لأنه لا يواجهها من الخارج فقط، بل يستطيع أن يدخل إلى داخلها، ويغير موازين القوى فيها، ويصنع مصالح جديدة، ثم يجعل بعض الذين حملوا راية التغيير يدافعون، في النهاية، عن الواقع الذي خرجوا أصلًا لتغييره.
ومن هنا يمكن النظر إلى الدور السعودي في اليمن خلال أكثر من ستة عقود، لا كسلسلة من الأحداث المنفصلة، بل كسياسة واحدة تتغير أدواتها بحسب الظروف، ويبقى هدفها الأساسي ثابتًا: منع اليمن من إنتاج مشروع وطني مستقل، سياسيًا واقتصاديًا، وإبقاؤه داخل دائرة النفوذ والتبعية.
ثورة 26 سبتمبر 1962 لم تكن مجرد إسقاط للإمامة. كانت بداية صراع على اليمن نفسه، على شكل الدولة، وعلى علاقة السلطة بالقبيلة، وعلى موقع القوى التقليدية، وعلى إمكانية أن ينتقل المجتمع من بنية قديمة إلى دولة حديثة تمتلك قرارها. ولذلك جاءت المواجهة السعودية إلى جانب الملكيين بالمال والسلاح والملاذ، لأن الجمهورية الجديدة لم تكن مجرد تغيير في رأس السلطة، بل كانت تحمل إمكانية تاريخية لتغيير أوسع في بنية المجتمع والدولة.
وعندما لم تستطع الحرب إسقاط الجمهورية، لم تتوقف المحاولة، بل تغيرت الطريقة. وهذا هو الدرس الذي يتكرر في التاريخ: حين تعجز الثورة المضادة عن قتل الثورة من الخارج، تحاول إعادة تشكيلها من الداخل.
جاء انقلاب 5 نوفمبر 1967، وسقط عبد الله السلال، وبدأت الجمهورية تدخل شيئًا فشيئًا في مرحلة مختلفة. لم تعد المسألة ملكيين في مواجهة جمهوريين، بل صار بالإمكان أن تكون الجمهورية نفسها قائمة، بينما تعود القوى التقليدية ومراكز النفوذ إلى الإمساك بمفاصلها. وهنا يصبح الشكل أقل أهمية من المضمون. يمكن أن تبقى الراية الجمهورية مرفوعة، بينما يجري تفريغ المشروع الجمهوري من مضمونه الاجتماعي والاستقلالي.
ثم ظهر إبراهيم الحمدي، وكان الخلاف معه يتجاوز خلافًا بين رئيس وخصومه. مشروع الحمدي اصطدم بمراكز القوى التي اعتادت أن تكون الدولة مصدرًا للنفوذ والامتياز، وحاول أن يجعل للدولة سلطة فعلية على البلاد، وأن يحد من نفوذ القوى التقليدية، وأن يفتح طريقًا لبناء اقتصادي أكثر استقلالًا.
وهنا يصبح فهم اغتياله عام 1977 جزءًا من فهم الصراع على اتجاه اليمن، لا مجرد حادثة في تاريخ الرؤساء. فالمشكلة لم تكن في شخص الحمدي وحده، وإنما في المشروع الذي مثله، أي مشروع دولة تستطيع أن تقول لا لمن يريد أن يجعل قرارها تابعًا.
بعد الحمدي تعزز النفوذ السعودي، وأصبحت اللجنة الخاصة إحدى أهم أدوات هذا النفوذ. وهنا لم يعد المال مجرد مساعدة أو دعم، بل أصبح وسيلة لإعادة ترتيب السياسة اليمنية نفسها. المال يشتري الولاء، والولاء يتحول إلى نفوذ، والنفوذ يتحول إلى سلطة، ثم تصبح السلطة بحاجة إلى استمرار المال. وهكذا تتشكل دائرة التبعية.
هذه هي المسألة التي لا يمكن فهمها فقط بلغة السياسة الخارجية. فالتبعية لا تأتي من الخارج وحده، بل تحتاج دائمًا إلى حوامل داخلية. تحتاج إلى نخب تستفيد منها، وإلى طبقات ومراكز مصالح يصبح بقاؤها مرتبطًا ببقاء العلاقة مع الخارج. وعندما يصبح جزء من الطبقة الحاكمة وسيطًا بين رأس المال الخارجي والمجتمع، يتحول إلى قوة تدافع عن التبعية حتى من دون أن يُطلب منها ذلك.
وفي جنوب اليمن كانت الصورة مختلفة، لكن الصراع على جوهر الاستقلال لم يكن غائبًا. قامت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية على مشروع اجتماعي أكثر راديكالية، ووجدت نفسها في مواجهة محيط إقليمي معادٍ، وضغوط اقتصادية وسياسية مستمرة.
ومع مرور الوقت بدأت التناقضات داخل التجربة نفسها تتسع. فالقيادة الثورية ليست محصنة من التحول إلى جهاز بيروقراطي، والحزب الذي يحمل مشروعًا اشتراكيًا يمكن أن تظهر داخله مصالح وامتيازات منفصلة عن مصالح القاعدة الاجتماعية التي قام باسمها. وعندما تدخل الأموال الخارجية إلى هذا النوع من التناقضات، فإنها لا تحتاج إلى شراء الجميع، يكفي أن تقوي طرفًا على حساب طرف آخر.
لهذا لا أرى أحداث 13 يناير 1986 مجرد صراع على السلطة بين قيادات الحزب الاشتراكي. كان هناك صراع حقيقي على السلطة والثروة واتجاه الدولة، وكانت التناقضات الطبقية والسياسية الداخلية تتقاطع مع الصراع الإقليمي والدولي. وانتهت المواجهة الدموية إلى إضعاف التجربة الجنوبية واستنزاف قواها، وهو ما جعلها أكثر هشاشة أمام التحولات التي جاءت لاحقًا.
ثم جاءت الوحدة اليمنية عام 1990، وكانت تحمل إمكانية تاريخية لبناء دولة وطنية أقوى. لكنها لم تستطع أن تحل التناقضات التي تراكمت قبلها، بل دخلت إليها مراكز القوى القديمة، والمصالح القبلية والعسكرية، وشبكات رأس المال والنفوذ. ثم جاءت حرب 1994 لتعيد ترتيب موازين القوة والثروة، وتعمق اختلالات المجتمع بدلًا من أن تفتح الطريق أمام دولة وطنية حديثة.
ثم جاء عام 2011.
خرج اليمنيون إلى الشوارع، وكان الشعار واضحًا: الشعب يريد إسقاط النظام.
لم يكن الناس يخرجون من أجل تغيير وجه واحد، وإنما ضد منظومة كاملة من الفساد والفقر والاستبداد ومراكز القوى. لكن المبادرة الخليجية جاءت لتقدم الحل الذي يضمن أن تتغير السلطة من دون أن يتغير النظام في جوهره.
رحل الرئيس، وبقيت القوى نفسها. تغيرت المواقع، وبقيت المصالح. وانتقلت الثورة من الساحات إلى غرف التفاوض، ومن مشروع تغيير مفتوح على احتمالات واسعة إلى تسوية سياسية محكومة بسقف إقليمي واضح.
وهنا ظهر الاحتواء في صورته الأكثر ذكاءً. لم يعد المطلوب سحق الثورة، بل إدارتها. لم يعد المطلوب أن تقول لها لا، بل أن تقول لها نعم، ولكن ضمن الحدود التي لا تسمح لها بأن تصل إلى جوهر المشكلة.
وهذا أخطر من القمع أحيانًا.
لأن القمع يجعل الثورة تعرف عدوها، أما الاحتواء فيجعلها تدخل في تسوية مع عدوها وهي تظن أنها تتقدم.
وعندما لم تعد التسويات والمال قادرين وحدهما على ضبط مسار الأحداث، جاء السلاح. في عام 2015 بدأت الحرب تحت عنوان إعادة الأمل، لكن اليمن دخل عمليًا مرحلة جديدة من التفكك. تعددت القوى المسلحة، وتوسعت المليشيات، وتكاثرت المشاريع المناطقية، وتحولت البلاد إلى ساحة تتصارع فيها قوى إقليمية ودولية، بينما يدفع اليمنيون ثمن هذا الصراع من دولتهم واقتصادهم ومجتمعهم.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
القضية ليست أن السعودية استخدمت المال في مرحلة، والسلاح في مرحلة أخرى، والدبلوماسية في مرحلة ثالثة. القضية أن هذه الأدوات كلها خدمت، بدرجات وأشكال مختلفة، وظيفة واحدة: منع تشكل مركز وطني مستقل يستطيع أن يقرر مصير اليمن بعيدًا عن إرادة القوى الخارجية.
ومن منظور ماركسي لينيني، لا يكفي أن نحصي التدخلات الخارجية، بل يجب أن نسأل: من هي القوى الاجتماعية التي استفادت منها؟ ومن هي الطبقات التي أعادت إنتاج نفوذها بواسطتها؟ وكيف تحول المال الخارجي إلى قوة داخلية؟ وكيف أصبحت التبعية نفسها مصدرًا لمصالح فئات يمنية؟
فالتبعية ليست فقط أن يأتي الأمر من الخارج. التبعية تصبح أكثر رسوخًا عندما يصبح هناك في الداخل من يحتاج إلى استمرارها.
وهنا يظهر معنى الاستعمار الجديد. لا حاجة إلى احتلال اليمن مباشرة، ولا إلى وضع جندي أجنبي في كل مدينة. يكفي أن يكون القرار السياسي مرهونًا، والاقتصاد محتاجًا، والنخب مرتبطة، والسلاح موزعًا، والدولة ضعيفة، والمجتمع غارقًا في صراعاته الداخلية. عندها تصبح السيطرة أقل كلفة وأكثر استدامة.
ولهذا فإن التاريخ اليمني منذ 1962 لا يبدو، عند النظر إليه من هذه الزاوية، مجموعة من الصدف والانقلابات والحروب. إنه صراع طويل بين إمكانية بناء دولة وطنية مستقلة، وبين مصالح داخلية وخارجية تعمل باستمرار على إعادة إنتاج التبعية.
من الملكيين إلى اللجنة الخاصة، ومن المال إلى المبادرة الخليجية، ومن التسويات السياسية إلى إعادة الأمل، تغيرت الأدوات، وتغيرت اللغة، وتغيرت الوجوه، لكن قاعدة اللعبة بقيت واحدة.
كلما ظهر في اليمن مشروع يريد أن يمتلك قراره، يبدأ العمل على احتوائه.
وقد لا يكون الاحتواء دائمًا اغتيالًا أو انقلابًا أو حربًا. قد يكون راتبًا، أو منحة، أو صفقة، أو وساطة، أو منصبًا، أو ضمانة سياسية، أو وعدًا بالمساعدة.
وهذا هو أخطر ما في المال السياسي: أنه لا يشتري الموقف فقط، بل يستطيع أن يصنع طبقة كاملة تصبح مصلحتها في استمرار الوضع الذي كان يفترض أن تغيره الثورة.
الثورات لا تُجهض فقط عندما تُهزم في الشارع. أحيانًا تُجهض عندما تُشترى قياداتها، وتُفكك قاعدتها الاجتماعية، وتُغرق مطالبها في التسويات، ثم يعاد تقديم الهزيمة على أنها انتصار.
من الملكيين إلى إعادة الأمل، تغيرت الأسماء والشعارات، أما سلاح الاحتواء، فلم يتغير كثيرًا.إذا أردت، أستطيع أيضًا إجراء **تصحيح ترقيم فقط** مع إبقاء كل الكلمات والصياغات كما هي حرفيًا.
yemenat
مشاهدة سلاح الاحتواء ومراحل إجهاض الثورة من الملكيين إلى إعادة الأمل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سلاح الاحتواء ومراحل إجهاض الثورة من الملكيين إلى إعادة الأمل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سلاح الاحتواء ومراحل إجهاض الثورة من الملكيين إلى إعادة الأمل.
في الموقع ايضا :
- لست خائناً لكنك خائب".. هجوم ناري للوزير الأسبق الرويشان على طارق صالح بعد انسحابه المفاجئ مع وقواته من المخا
- اذاعة الاحتلال: بعد 3 أشهر من القتال.. عناصر حزب الله رفضوا الاستسلام وقاتلوا حتى النهاية في علي طاهر
- بالفيديو.. تصريحات فاضحة لرئيس التوجيه المعنوي السابق حصروف كشف تفاصيل الانسحابات المفاجئة وتسليم الساحل الغربي وباب المندب للحوثيين