لم تنتهِ القصة بوفاة الملك غازي في نيسان 1939. فقد غاب الملك الشاب الذي مثّل، على الرغم من محدودية تجربته، اتجاهاً قومياً معارضاً لاستمرار النفوذ البريطاني، وخلفه ابنه فيصل الثاني طفلاً لا يتجاوز الثالثة من عمره، فتولى الأمير عبد الإله الوصاية على العرش. ومنذ ذلك الحين، انتقل الصراع من خلاف داخل القصر وبين رجال الحكم إلى مواجهة مباشرة بين جناحين يتنازعان مستقبل العراق: جناح رأى في التحالف مع بريطانيا ضرورة لحماية الدولة والنظام الملكي، وجناح اعتبر أن الاستقلال الذي حصل عليه العراق عام 1932 بقي ناقصاً ما دامت بريطانيا تحتفظ بقواعدها العسكرية وتفرض إرادتها على السياسة الخارجية العراقية. بلغ هذا الصراع ذروته في ربيع عام 1941، حين قامت حكومة رشيد عالي الكيلاني، مدعومة بضباط «المربع الذهبي»، في مواجهة بريطانيا. وانتهت الأزمة خلال أسابيع بهزيمة الجيش العراقي، وفرار قادة الحركة، وعودة الوصي عبد الإله ونوري السعيد تحت حماية القوة البريطانية. لكن توصيف ما حدث لا يزال موضع خلاف حتى اليوم. فهناك من يسميه ثورة رشيد عالي الكيلاني ويراه انتفاضة وطنية لاستكمال استقلال العراق، ومن يصفه بأنه انقلاب عسكري موالٍ لألمانيا النازية جرّ البلاد إلى حرب غير متكافئة، بينما تنظر إليه الرواية البريطانية باعتباره تدخلاً ضرورياً لحماية المعاهدة وخطوط المواصلات والحرب ضد دول المحور. والحقيقة، في رأيي، لا توجد كاملة في أي من هذه الروايات منفردة. استقلال قانوني ونفوذ بريطاني مستمر دخل العراق عصبة الأمم عام 1932 وانتهى الانتداب البريطاني رسمياً، فأصبح دولة مستقلة من الناحية القانونية. غير أن معاهدة التحالف العراقية–البريطانية لعام 1930 أبقت لبريطانيا قواعد جوية وحقوقاً واسعة في نقل القوات والمعدات واستخدام الموانئ والسكك الحديدية والأنهار ووسائل الاتصال، ولا سيما عند وقوع الحرب. كان نوري السعيد من أبرز مهندسي تلك المعاهدة. وقد رأى أن العراق، وهو دولة حديثة محدودة القدرات، يحتاج إلى المساندة البريطانية للوصول إلى الاستقلال والمحافظة عليه، وأن التعاون مع لندن يمكن أن يكون مرحلة انتقالية نحو بناء الجيش والمؤسسات. لكن خصومه رأوا أن المعاهدة نقلت العراق من الانتداب المباشر إلى استقلال مقيد، وأن بريطانيا احتفظت بحق التدخل كلما ارادت. عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية في أيلول 1939، قطع العراق علاقاته الدبلوماسية مع ألمانيا استجابة لطلب بريطانيا، لكنه لم يعلن الحرب عليها. ثم طلبت بريطانيا تسهيلات أوسع لنقل قواتها عبر الأراضي العراقية، في حين تصاعد داخل الجيش والرأي العام اتجاه يرفض تحويل العراق إلى قاعدة للحرب البريطانية. ولم تكن أهمية العراق لبريطانيا مرتبطة بالنفط وحده، وإن كان نفط كركوك وخطوط الأنابيب إلى البحر المتوسط جزءاً أساسياً من الحسابات. فقد كان العراق أيضاً ممراً استراتيجياً بين الهند والخليج وفلسطين ومصر، وموقعاً مهماً لحماية طرق الطيران والاتصالات البريطانية. وفي لحظة كانت فيها ألمانيا تسيطر على معظم أوروبا، وإيطاليا تقاتل في البحر المتوسط وشمال أفريقيا، لم تكن لندن مستعدة لقبول حكومة عراقية قد تمنعها من استخدام هذا الموقع. رشيد عالي الكيلاني بين الوطنية والسلطة لم يكن رشيد عالي الكيلاني ضابطاً انقلابياً، بل سياسياً عراقياً مخضرماً ارتبط بالتيار القومي وبمعارضة النفوذ البريطاني، وتولى رئاسة الحكومة ثلاث مرات. شكّل وزارته الأولى بين آذار وتشرين الثاني 1933، في أواخر عهد الملك فيصل الأول وبداية عهد الملك غازي. ثم عاد إلى رئاسة الوزراء للمرة الثانية في آذار 1940، وحاول اتباع سياسة أكثر حياداً تجاه الحرب، ورفض قطع العلاقات مع إيطاليا عندما دخلت الحرب إلى جانب ألمانيا في حزيران من العام نفسه. وبعد استقالته في مطلع شباط 1941 وتشكيل طه الهاشمي للحكومة، أعاده ضباط «المربع الذهبي» إلى رئاسة الوزراء في نيسان، فكانت حكومة الدفاع الوطني وزارته الثالثة والأخيرة، وانتهت في 30 أيار 1941 مع اقتراب القوات البريطانية من بغداد وفراره إلى إيران. ولم يكن تكليف الوصي عبد الإله له في 31 آذار 1940 دليلاً على اتفاق سياسي كامل بينهما، بل جاء في صورة تسوية فرضها ميزان القوى داخل الدولة. فقد أصبحت حكومة نوري السعيد، المرتبطة بسياسة التعاون الوثيق مع بريطانيا، عاجزة عن احتواء تصاعد المزاج القومي والغضب من الموقف البريطاني في فلسطين، في وقت ازداد فيه تدخل الجيش في السياسة وأصبح الضباط الأربعة قوة لا يستطيع الوصي تجاهلها. وكان رشيد عالي، بما يملكه من خبرة سابقة وشعبية لدى القوميين وصلات داخل الجيش، المرشح القادر مؤقتاً على تهدئة هذا التيار ومنحه تمثيلاً في الحكم. وحاول عبد الإله في الوقت نفسه تطويق نفوذ رشيد عالي من خلال حكومة ائتلافية تجمع الخصوم: تولى رشيد عالي رئاسة الوزراء ووزارة الداخلية بالوكالة، وبقي نوري السعيد وزيراً للخارجية، وتولى طه الهاشمي وزارة الدفاع. كان المقصود إيجاد توازن بين القوميين والجيش من جهة، والقصر والتيار المتمسك بالعلاقة مع بريطانيا من جهة أخرى، والمحافظة على وحدة الدولة في ظروف الحرب العالمية الثانية. غير أن التسوية لم تعالج الخلاف الجوهري حول حدود النفوذ البريطاني وسياسة العراق في الحرب؛ فتحولت الشراكة سريعاً إلى صراع انتهى باستقالة رشيد عالي، ثم عودته إلى الحكم بقوة الجيش في نيسان 1941 وإقصاء الوصي نفسه. وجد رشيد عالي سنداً قوياً داخل الجيش، ولا سيما لدى الضباط الأربعة الذين عُرفوا باسم «المربع الذهبي»: العقيد صلاح الدين الصباغ، قائد الفرقة الثالثة؛ والعقيد كامل شبيب، قائد الفرقة الأولى؛ والعقيد فهمي سعيد، قائد اللواء الآلي المستقل؛ والعقيد محمود سلمان، قائد القوة الجوية العراقية. كان هؤلاء الضباط قوميين عرباً يرفضون الهيمنة البريطانية ويتأثرون بالقضية الفلسطينية، لكنهم أصبحوا أيضاً قوة سياسية قادرة على إسقاط الحكومات وفرض رؤساء الوزارات. وهنا تكررت بصورة أخطر المشكلة التي بدأت مع انقلاب بكر صدقي عام 1936: لم يعد الجيش حامياً للدولة فحسب، بل أخذ يعتبر نفسه صاحب الحق في تحديد سياستها واختيار حكامها. كيف انهارت حكومة طه الهاشمي ومغادرة الوصي ونوري السعيد بغداد؟ تزايد الضغط على حكومة رشيد عالي أواخر عام 1940 وبداية 1941، واضطر إلى الاستقالة في 31 كانون الثاني. وكلّف الوصي عبد الإله الفريق طه الهاشمي بتشكيل الحكومة، معتقداً أن مكانته العسكرية وعلاقته بضباط «المربع الذهبي» قد تمكنانه من احتواء نفوذهم وإعادة الجيش إلى حدوده المهنية. إلا أن طه الهاشمي وجد نفسه بين ضغط الوصي والتيار المتعاون مع بريطانيا من جهة، وسطوة الضباط القوميين ووحداتهم العسكرية من جهة أخرى. جاءت نقطة الانفجار عندما حاولت الحكومة نقل العقيد كامل شبيب، قائد الفرقة الأولى وأحد أعضاء المربع الذهبي، من بغداد إلى الديوانية. رفض شبيب تنفيذ الأمر، ورأى الضباط الأربعة فيه بداية لخطة تهدف إلى تفريقهم وإبعادهم عن وحداتهم تمهيداً لإقصائهم أو اعتقالهم. عندئذ قرروا إسقاط حكومة طه الهاشمي وإعادة رشيد عالي إلى رئاسة الوزراء. في ليلة 31 آذار، علم الوصي عبد الإله بوجود خطة للقبض عليه، وأدرك أن الحرس الملكي لا يستطيع مواجهة الوحدات التي يسيطر عليها الضباط الأربعة. غادر بغداد سراً متجهاً إلى قاعدة الحبانية الجوية، ثم نُقل إلى البصرة، ومكث بالسفينة الحربية البريطانية HMS Cockchafer، قبل أن يغادر العراق ويصل لاحقاً إلى فلسطين وثم الأردن. وتكشف طريقة مغادرته العراق أن سلطة القصر كانت قد انهارت عملياً قبل الإعلان الرسمي عن الحكومة الجديدة. أما نوري السعيد، فكان من أبرز خصوم رشيد عالي والضباط، وكان ارتباطه الوثيق ببريطانيا يجعله معرضاً للاعتقال لو بقي في العراق؛ لذلك غادر البلاد هو أيضاً، بينما اختفى أو اعتُقل عدد من السياسيين المؤيدين للوصي. لم يكن خروج الوصي ونوري سفراً سياسياً عادياً، بل كان تفاديا لما يمكن أن يفعله الانقلاب العسكري الذي سيطر قادته على القوة الفعلية في بغداد. في الأول من نيسان 1941، أُجبر طه الهاشمي على التنحي، وأعاد الضباط رشيد عالي إلى رئاسة الحكومة وشكلوا «حكومة الدفاع الوطني». ثم اختير الشريف شرف بن راجح وصياً بديلاً عن عبد الإله. وبقي الملك فيصل الثاني اسماً على رأس الدولة، ولذلك لم تعلن الحركة إسقاط النظام الملكي، لكنها عطّلت عملياً قواعده الدستورية وفرضت حكومة بقوة الجيش. فلسطين والحاج أمين الحسيني لا يمكن فهم حركة 1941 من دون فلسطين. فقد ترك قمع الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939 أثراً عميقاً في العراق، ورسّخ الاعتقاد بأن بريطانيا هي الحامي الأساسي للمشروع الصهيوني، وأن السياسة العراقية الموالية لها تتعارض مع الالتزام القومي تجاه فلسطين. وصل الحاج أمين الحسيني، مفتي القدس ورئيس اللجنة العربية العليا، إلى بغداد عام 1939 بعد خروجه من لبنان، وأصبح مؤثراً في الأوساط القومية وبعض ضباط الجيش. وربط بين استقلال العراق والقضية الفلسطينية، وتقارب مع رشيد عالي الكيلاني وضباط «المربع الذهبي»، وأسهم في الاتصالات الرامية إلى الحصول على دعم ألماني وإيطالي لمواجهة بريطانيا. وقد أدى تدخله في السياسة العراقية وقربه من حكومة الدفاع الوطني إلى تحميله جانباً من المسؤولية السياسية عن مغامرة 1941، كما أثار وجوده ونفوذ بعض مرافقيه استياءً لدى بعض العراقيين، من دون أن يتحول ذلك إلى عداء عراقي عام تجاه الفلسطينيين أو قضيتهم. وتحتاج شخصية الحاج أمين إلى معالجة مستقلة لا تختزلها في دوره العراقي وحده؛ إذ تمتد سيرته من أواخر الثورة العربية الكبرى إلى قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية، والثورة الفلسطينية بين عامي 1936 و1939، ثم علاقته بدول المحور أثناء الحرب العالمية الثانية. ولذلك سنخصص له مقالاً لاحقاً يناقش دوره وإنجازاته وأخطاءه وتحالفاته، وتأثير قيادته في القضية الفلسطينية. من الأزمة السياسية إلى الحرب بعد انقلاب نيسان، قررت بريطانيا إرسال قوات من الهند إلى البصرة، مستندة إلى الحقوق التي منحتها إياها معاهدة 1930. وصلت طلائع القوات في 18 نيسان، وقبلت الحكومة العراقية في البداية نزولها، لكنها طالبت بنقلها سريعاً خارج البلاد قبل وصول قوات إضافية. أما بريطانيا فرفضت أن تجعل تحركاتها العسكرية خاضعة لموافقة حكومة لا تعترف بشرعيتها السياسية. هنا ظهرت الطبيعة المزدوجة للأزمة. فمن الناحية القانونية، استطاعت بريطانيا الاستناد إلى نصوص المعاهدة لتبرير مرور قواتها. لكن من الناحية السياسية، كانت تتصرف كقوة صاحبة قرار داخل دولة يفترض أنها مستقلة. وفي المقابل، كانت حكومة رشيد عالي تدافع عن حق سيادي حقيقي، لكنها وصلت إلى الحكم بانقلاب عسكري ولم تمتلك خطة متماسكة لمواجهة الرد البريطاني المتوقع. في أواخر نيسان، تحركت قوات عراقية إلى الهضبة المشرفة على قاعدة الحبانية الجوية غرب بغداد، وهي إحدى أهم القواعد البريطانية في العراق، وطالبت بعدم تحرك الطائرات والقوات منها. رأت بريطانيا في ذلك حصاراً وتهديداً مباشراً للقاعدة، فبدأت طائراتها فجر 2 أيار 1941 قصف المواقع العراقية. ورد الجيش العراقي بالقصف، وبدأت الحرب فعلياً. وبذلك لم تكن البداية طلقة عراقية منفردة أو غارة بريطانية معزولة، بل نتيجة سلسلة من التصعيد المتبادل: إنزال بريطاني واسع، ورفض عراقي لاستمرار تدفق القوات، ثم تطويق القاعدة، وأخيراً قرار بريطاني بالهجوم قبل أن تتمكن القوات العراقية من إحكام السيطرة عليها. معركة الحبانية: حين تفوقت المبادرة على العدد اعتقدت القيادة العراقية أن قاعدة الحبانية ضعيفة لأنها كانت تُستخدم أساساً للتدريب، وأن القوات العراقية الموجودة على الهضبة تستطيع إجبار البريطانيين على الاستسلام أو التفاوض. لكن البريطانيين حوّلوا طائرات التدريب والطائرات القديمة المتوافرة لديهم إلى قوة هجومية، ونفذوا طلعات مكثفة ضد مواقع الجيش العراقي ومطاراته وخطوط إمداده. كان الجيش العراقي يمتلك عدداً أكبر من الجنود والمدفعية في المنطقة، لكنه عانى ضعف التنسيق بين القيادة السياسية والقيادات العسكرية، وعدم وجود خطة طويلة للحرب، وقصور الدفاع الجوي والإمداد. كما أن وضع القوات في مواقع مكشوفة فوق هضبة الحبانية جعلها عرضة للقصف المتواصل. خلال أيام، فقدت القوات العراقية المبادرة وانسحبت من محيط القاعدة. وتحولت الحبانية من موقع محاصر إلى قاعدة تنطلق منها القوات البريطانية نحو الفلوجة وبغداد. وقد أثبتت المعركة أن الحماس الوطني والشجاعة لا يعوضان غياب التخطيط والقيادة الموحدة والتقدير الواقعي لقدرات الخصم. شرق الأردن والفيلق العربي وصل رتل بريطاني من فلسطين إلى العراق عبر الأراضي الأردنية، وعُرف الرتل «Kingcol»باسم قائده العقيد J. J. ,Kingstone ورافقته قوة محدودة من الفيلق العربي، تركز دورها على الاستطلاع وتأمين الطرق والآبار وإرشاد الرتل في الصحراء. أما العبء الحاسم في الحملة فوقع على القوات البريطانية والهندية والقوة الجوية البريطانية. كذلك اعتمدت بريطانيا داخل العراق على «قوات الليفي العراقية»، وهي قوة محلية أنشأتها ومولتها وقادها ضباط بريطانيون لحماية قواعدها الجوية، ضمت عرباً وأكراداً وأشوريين وهي تشبه خرس الحدود في شرق الاردن. ويبين ذلك أن بريطانيا استخدمت تشكيلات محلية مساعدة في مناطق نفوذها، لكن قيادة العمليات وأهدافها والجزء الأكبر من قوتها العسكرية ظلت بريطانية. الطريق إلى بغداد وسقوط حكومة الدفاع الوطني بعد فك الحصار عن الحبانية، تقدمت القوات البريطانية نحو الفلوجة وسيطرت عليها بعد قتال، ثم صدت محاولة عراقية لاستعادتها. وفي الجنوب عززت القوات البريطانية والهندية سيطرتها على البصرة وموانئها، بينما تعرضت القوة الجوية العراقية لخسائر كبيرة حدّت من قدرتها على دعم القوات البرية. مع اقتراب القوات البريطانية من بغداد وانهيار الأمل بوصول مساعدة ألمانية فعالة، تفككت حكومة الدفاع الوطني. غادر رشيد عالي والحاج أمين الحسيني وقادة المربع الذهبي العراق باتجاه إيران، وتشكلت حكومة مؤقتة تفاوضت مع البريطانيين. في 31 أيار 1941، وُقعت الهدنة وانتهت الحرب التي استمرت أقل من شهر. وعاد الوصي عبد الإله، ثم عاد نوري السعيد إلى مركز السلطة. وأُعيد بناء النظام السياسي على أساس أشد ارتباطاً ببريطانيا، بينما اعتُقل عدد من قادة الحركة لاحقاً وحوكم ضباط المربع الذهبي وأُعدموا. أين كانت ألمانيا وإيطاليا؟ بنى قادة الحركة جانباً مهماً من حساباتهم على احتمال تدخل ألماني سريع. ففي ربيع 1941 بدت بريطانيا في موقف صعب؛ كانت الحرب مستمرة في شمال أفريقيا، وكانت ألمانيا تتقدم في البلقان، كما خشي البريطانيون انهيار مواقعهم في شرق المتوسط. وافقت ألمانيا على مساعدة العراق، وأصدر هتلر توجيهاً لدعم الحركة العربية المناهضة لبريطانيا. ووصل عدد محدود من الطائرات الألمانية والإيطالية إلى الموصل عبر سوريا ولبنان الخاضعين لحكومة فيشي الفرنسية، ونفذت بعض العمليات ضد القوات البريطانية. لكن الدعم جاء متأخراً ومحدوداً، ولم تصحبه قوات برية أو إمدادات كافية أو قيادة مشتركة. كانت الأولوية الألمانية تتجه نحو غزو الاتحاد السوفييتي، ولم تكن برلين مستعدة لتحويل موارد كبيرة إلى العراق. كما أن بعد المسافة، وسيطرة بريطانيا على طرق رئيسية، واعتماد الطائرات الألمانية على قواعد وإمدادات غير مستقرة، جعل المساعدة عاجزة عن تغيير ميزان الحرب. لقد راهن قادة الحركة على ضعف بريطانيا وعلى قوة ألمانية لم تصل. وكان ذلك خطأ استراتيجياً أساسياً: فقد اتخذوا قرار المواجهة قبل ضمان الدعم، ومن دون امتلاك بديل إذا تأخر الألمان أو امتنعوا عن إرسال قوة حاسمة. هل كان التدخل البريطاني غزواً أم تطبيقاً للمعاهدة؟ من الناحية البريطانية، جرى تقديم الحملة باعتبارها دفاعاً عن القواعد وحقوق المرور المنصوص عليها في معاهدة 1930، ومنعاً لألمانيا من السيطرة على العراق ونفطه وموقعه الاستراتيجي. ولا يمكن إنكار أن اتصال حكومة رشيد عالي بدول المحور منح لندن مبرراً أمنياً قوياً في ذروة الحرب العالمية الثانية. لكن هذا التفسير القانوني لا يلغي الواقع السياسي والعسكري. فقد أنزلت بريطانيا قواتها رغم اعتراض الحكومة العراقية على استمرار تدفقها، وقصفت الجيش العراقي، وأسقطت حكومة قائمة، وأعادت الوصي والسياسيين المتحالفين معها، ثم أبقت وجوداً عسكرياً واسعاً في البلاد سنوات أخرى. وبهذا المعنى، كانت العملية تدخلاً عسكرياً انتهى إلى إعادة احتلال العراق فعلياً، حتى لو استندت بريطانيا إلى معاهدة سبق أن وقعتها حكومة عراقية. المعاهدة منحت بريطانيا غطاءً قانونياً، لكن ميزان القوة هو الذي حدد تفسيرها وتنفيذها. لم يكن للعراق حق مماثل في تقرير متى تستخدم بريطانيا أراضيه، ولذلك أثبتت أزمة 1941 أن الاستقلال القانوني لم يكن قد تحول بعد إلى سيادة كاملة. هل كانت الحركة نازية؟ من الخطأ وصف جميع مؤيدي رشيد عالي بأنهم نازيون. فقد كان الدافع الأساسي لدى كثير من الضباط والسياسيين والمواطنين عراقياً وعربياً: رفض النفوذ البريطاني، والغضب من سياستها في فلسطين، والرغبة في استكمال الاستقلال. وكان بعضهم ينظر إلى ألمانيا وفق قاعدة «عدو عدوي صديقي»، لا انطلاقاً من إيمان كامل بالعقيدة النازية. لكن من الخطأ أيضاً إنكار التعاون مع ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية أو اعتباره أمراً بلا دلالة. فقد طلبت حكومة رشيد عالي مساعدتهما وقبلتها، ونشطت الدعاية الألمانية في الأوساط العراقية، وتأثر بعض القوميين بالنماذج السلطوية الأوروبية وبخطابها المعادي لليهود. وعليه، كانت الحركة وطنية في أصل مظالمها، عسكرية في وسيلة وصولها إلى الحكم، ومرتهنة لدول المحور في رهانها الخارجي. وهذه العناصر الثلاثة يجب أن تُذكر معاً؛ لأن حذف أي منها يحول التاريخ إلى دعاية. من انتصر ومن خسر؟ انتصرت بريطانيا عسكرياً خلال أسابيع، فحمت قواعدها وخطوط مواصلاتها ومنعت دول المحور من اكتساب موطئ قدم في العراق. ثم استخدمت العراق قاعدة لعملياتها اللاحقة في سوريا ولبنان وإيران. لكن انتصارها حمل خسارة سياسية بعيدة المدى. فقد رأى كثير من العراقيين أن بريطانيا أكدت بالقوة أن استقلال بلادهم مشروط برضاها، وأن النظام الملكي عاد إلى بغداد مستنداً إلى الجيش البريطاني. ومنذ ذلك الوقت، أصبح من الأصعب على الوصي عبد الإله ونوري السعيد إقناع الجمهور بأن التحالف مع بريطانيا مجرد شراكة بين دولتين مستقلتين. أما رشيد عالي وضباط المربع الذهبي، فقد خسروا الحرب والسلطة، لكنهم احتفظوا في ذاكرة قطاعات من العراقيين بصورة رجال تحدوا بريطانيا. غير أن هذه الصورة لا ينبغي أن تحجب مسؤوليتهم عن عسكرة السياسة، وسوء تقدير ميزان القوى، وتعريض الدولة لمواجهة لم تستعد لها، والاقتراب من نظام نازي لا يقل استعماراً وعنصرية عن خصومه. وكان العراق الخاسر الأكبر. فقد أُضعفت مؤسساته، وانقسم جيشه، وعاد النفوذ البريطاني بصورة أشد، ودفع مواطنوه ثمن الصراع، بينما عمّقت أحداث الفرهود جرحاً وطنياً وإنسانياً خطيراً. التقييم: قضية عادلة وقرار غير محسوب أرى أن رفض الهيمنة البريطانية كان موقفاً وطنياً مشروعاً، وأن معاهدة 1930 أبقت استقلال العراق منقوصاً في مجالات الدفاع والسياسة الخارجية. كما أن غضب العراقيين من موقف بريطانيا في فلسطين ومن استخدامها الأراضي العراقية لخدمة إمبراطوريتها كان مفهوماً. لكن عدالة القضية لا تعني سلامة القيادة أو صحة القرار. فقد جاءت حكومة رشيد عالي نتيجة ضغط الجيش، ولم توحد القوى السياسية والمجتمعية حول برنامج وطني، ولم تضع خطة عسكرية تناسب قدرات العراق، ولم تضمن دعماً خارجياً قابلاً للوصول، ولم تستعد لاحتمال الحرب الطويلة. كما أن استبدال الاعتماد على بريطانيا بالاعتماد على ألمانيا لم يكن طريقاً حقيقياً إلى الاستقلال. لذلك أميل إلى اعتبار حركة 1941 انتفاضة وطنية في دوافعها، لكنها تحولت إلى مغامرة عسكرية في إدارتها وتحالفاتها وحساباتها. أما بريطانيا، فقد دافعت عن مصالحها الاستراتيجية في مواجهة خطر حقيقي تمثله دول المحور، لكنها فعلت ذلك بطريقة أثبتت أن سيادة العراق كانت خاضعة لحدود ترسمها القوة البريطانية. لم تكن مأساة عام 1941 أن العراقيين أرادوا الاستقلال، بل أنهم حاولوا تحقيقه من خلال انقلاب عسكري وحرب غير متكافئة ورهان خارجي خاطئ. ولم يكن نجاح بريطانيا دليلاً على شرعية هيمنتها، بل على تفوق استعدادها وقدرتها على استثمار انقسامات العراق. ومن هنا تبدأ المرحلة التالية في تاريخ المملكة العراقية: عهد الوصي عبد الإله، وعودة نوري السعيد، ومحاولة ترميم نظام انتصر عسكرياً على خصومه بمساعدة بريطانيا لكنه خسر جزءاً كبيراً من شرعيته الوطنية. وهذه الشرعية المتآكلة ستظل تلاحق العهد الملكي حتى سقوطه في 14 تموز 1958. .
مشاهدة العراق عام 1941 ثورة وطنية ضد بريطانيا أم مغامرة عسكرية خاسرة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ العراق عام 1941 ثورة وطنية ضد بريطانيا أم مغامرة عسكرية خاسرة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.