سيف الدولة الحمداني .. الأمير الناقد       ...مصر

اخبار عربية بواسطة : (جريده المساء) -

بقلم : أ.د. جمال زاهر

(أستاذ الأدب والنقد ـ جامعة قناة السويس)

لم تقف عظمة سيف الدولة الحمداني أمير حلب عند شجاعته في ساحة الحرب، وانتصاراته الباهرة، والوقوف في وجه أعداء البلاد الإسلامية سدا منيعا، حال دون تقدمهم واحتلال الوطن الإسلامي فحسب، بل كانت له ناحية أخرى من العظمة لا تقل عن عظمته الحربية، فقد كان راعيا للآداب والفنون، وكانت ندوته التي كان يقيمها في قصره في فترات السلم حافلة بالأدباء والشعراء والفلاسفة والعلماء، الذين يقصدونه من كل صوب, ويلقون من كرمه ما يدفع بهم إلى تجويد صناعتهم الأدبية.

ضم بلاطه الصفوة المنتقاة من شعراء العرب وأدبائهم في عصره، لذا لم يكن غريبا أن يطلق على عصره الطراز المذهب؛ لأن الفضلاء الذين كانوا عنده, والشعراء الذين مدحوه لم يأت مثلهم بعدهم, فكان خطيبه ابن نباتة، ومعلمه ابن خالويه، وطباخه كشاجم، والخالديان كاتباه، والمتنبي والسلامي والوأواء والببغاء وغيرهم شعراؤه.

“وكانت حضرته مقصد الوفود, ومطلع الجود, وقبلة الآمال, ومحط الرحال, وموسم الأدباء, وحلبة الشعراء، ويقال إنه لم يجتمع قط بباب أحد من الملوك – بعد الخلفاء- ما اجتمع ببابه من شيوخ الشعر ونجوم الدهر”.

وعلى هؤلاء أمطرت سحائب كرمه، وفاضت بحار جوده، يغدو عليه أحدهم فقيرا معدما خالي الوفاض إلا من شعره، فيروح سالما غانما مثقل البطن والظهر وفرا وشكرا.

روى صاحب اليتيمة أن أبا فراس كان يوما بين يدي سيف الدولة في نفر من ندمائه, فقال لهم سيف الدولة: أيكم يجيز قولي؟ وليس له إلا سيدي (يعني أبا فراس):

لك.  جسمي   تعُله     فَدَمِي  لِمْ  تحِله

لك من  قلبي  المكانُ   فَلِمْ  لاَ   تحُله

فارتجل أبو فراس:

أنا   إن    كنتُ   مالك      فلي  الأمرُ   كُله

فاستحسنه سيف الدولة وأعطاه ضيعة بمنبج تغل ألفي دينار.

ويذكر الثعالبي أن سيف الدولة كان أديبا شاعرا محبا لجيد الشعر، شديد الاهتزاز لما يمدح به، ومثلما كان له ، كانت له كذلك آراء نقدية, فقد استنشد- يوما- المتنبي قصيدته التي أولها:

عَلى قَدرِ أَهلِ العَزمِ تَأتي  العَزائِمُ

وَتَأتي عَلى  قَدرِ الكِرامِ المَكارِمُ

وكان معجبا بها، كثير الاستعادة لها؛ فاندفع أبو الطيب المتنبي ينشدها, فلما بلغ قوله فيها:

وقَفتَ وَما في المَوتِ شَكٌّ  لِواقِفٍ

كَأَنَّكَ  في جَفنِ  الرَدى  وَهوَ نائِمُ

تَمُرُّ بِكَ  الأَبطالُ  كَلمى  هَزيمَةً

وَوَجهُكَ   وَضّاحٌ  وَثَغرُكَ   باسِمُ

قال: قد انتقدنا عليك هذين البيتين كما انتُقد على امرئ القيس بيتاه:

كَأَنِّيَ لَم  أَركَبْ   جَوادا   لِلَذَّةٍ

ولم  أَتَبَطَّنْ  كاعِبا  ذاتَ  خِلخالِ

ولم أَسبَأ الزِقَّ الرَويَّ وَلَم أَقُلْ       لِخَيلِيَ                     كُرّي  كَرَّةً   بَعدَ    إِجفالِ

وبيتاك لا يلتئم شطراهما كما ليس يلتئم شطرا هذين البيتين, وكان ينبغي لامرئ القيس أن يقول:

كَأَنِّيَ لَم أَركَبْ  جَوادا وَلَم أَقُلْ

لِخَيلِيَ  كُرّي  كَرَّةً   بَعدَ   إِجفالِ

ولم  أَسبَإِ  الزِقَّ الرَويَّ  لِلَذَّةٍ                 ولم أَتَبَطَّنْ  كاعِبا  ذاتَ  خِلخالِ

ولك أن تقول:

وقَفتَ وَما في المَوتِ شَكٌّ لِواقِفٍ         وَوَجهُكَ وَضّاحٌ  وَثَغرُكَ   باسِمُ

تَمُرُّ بِكَ الأَبطالُ كَلمى  هَزيمَةً         كَأَنَّكَ في جَفنِ الرَدى وَهوَ نائِمُ

وكان أبو بكر وأبو عثمان الخالديان من خواص شعراء سيف الدولة، فبعث إليهما مرة وصيفة ووصيفا ومع كل واحد منهما بدرة وتخت من ثياب مصر، فقال أحدهما من قصيدة طويلة وهي :

لمْ يَغْدُ شُكرُكَ في  الخَلائِقِ  مطلقا إِلا ومــالُكَ  فــي  النَّوالِ حَــبـيـسُ

خَــوَّلْتَـنـا   شَـمْـسا  وبَـدْرا   أَشْـرَقَـتْ بِهِـمـا لَدَيْـنـا  الظُّلـْمَـةُ  الحِنْديسُ

رشــأ  أَتـانـا  وهـو  حـسـنا  يُـوسُـفٌ وغَـــزَالَةٌ هـــي  بَهْــجَــةً  بَــلْقــيــسُ

وَكَــسَــوْتَــنــا  مِـمّـا  أَجـادَتْ  حَـوْكَهُ  مِـــصْـــرٌ وزَادَتْ حُـــسْـــنُهُ تِــنّــيــسُ

فَغَدا  لَنا  من  جودِكَ المَأْكُولُ والـ مَــشْــروبُ والمَــنْـكُـوحُ والمَـلْبـوسُ

فقال له سيف الدولة: أحسنت إلا في لفظة ” المنكوح “, فليست مما يخاطب بها الملوك, وهذا من عجيب نقده.

وكما نشأ سيف الدولة على الإعجاب بالشعر الجميل, والتأليف الجيد، فإنه كان يعجب– أيضا- بالخط الجميل, ويجزل العطاء للخطاطين الماهرين، وكان لسيف الدولة خطاط خاص به من بني مقله هو عبد الله بن مقله أخو الوزير أبي علي محمد بن علي، وكان سيف الدولة لفرط إعجابه بصحائف ابن مقلة يصطحبها معه حتى حين يخرج للغزو.

وكان بقصر سيف الدولة مكتبة عظيمة  تضم عيون الكتب لا سيما الكتب المؤلفة لأجله, والمهداة له كالأغاني وغيرها، وكان يقوم على خزانتها والعناية بها الصنوبري والخالديان.

لقد نشطت الحركة الأدبية في حلب في زمن سيف الدولة نشاطا كبيرا، وليس أدل على ذلك من عشرات القصائد التي أبدعها شعراء البلاط الحمداني, يوثقون بها حروبه مع الروم في الخارج، وأعماله وإصلاحاته في الداخل، كما يدل على ذلك المجالس الأدبية التي عقدت برعاية سيف الدولة وعلى عينه، والتي تبارى فيها الشعراء والنقاد والعلماء، كل ذلك حرك المياه الراكدة في بحر الأدب، وأجبر الشعراء على تجويد أشعارهم ليحوزوا قصب السبق، وليستأثروا بقلب سيف الدولة وعقله, وأيضا مكافأته.

ظهرت المقالة سيف الدولة الحمداني .. الأمير الناقد       أولاً على جريدة المساء.

مشاهدة سيف الدولة الحمداني الأمير الناقد nbsp nbsp nbsp

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سيف الدولة الحمداني الأمير الناقد قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سيف الدولة الحمداني .. الأمير الناقد      .

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار