هل تتذكّرون تعديلات القوانين الانتخابية التي فتحت الباب أمام ترشّح المستقلين في الانتخابات وقدّمت لهم دعما ماليا سخيا، وما أثاره كل ذلك من نقاشات ومخاوف من زحف ال”لا منتمين” على الاستحقاق التشريعي ليوم الأربعاء المقبل؟
تعالوا نطلّ على الحقيقة كما تكشفها الأرقام.
في انتخابات 23 شتنبر، جرى تقديم 7288 ترشيح للتنافس حول 395 مقعدا في مجلس النواب، موزعة على 1850 لائحة. رقم يوحي، لأول وهلة، بحيوية سياسية كبيرة وبازدحام شديد أمام أبواب البرلمان. لكن خلف هذا الزحام توجد مفارقة تكاد تختصر أزمة السياسة المغربية كلها: من بين آلاف المرشحين، لم يتقدم خارج الأحزاب سوى خمس مرشحين فقط، ضمن لائحتين لا غير.
نعم، خمسة مستقلين فقط من أصل 7288.
نحن إذن أمام مشهد يشتكي فيه الجميع (تقريبا) من الأحزاب، لكن لا أحد يريد ممارسة السياسة خارجها.
من السهل أن نقول إن الأحزاب فقدت ثقة الناس، وإنها أصبحت آلات انتخابية موسمية، وإنها أفرغت الوساطة من معناها، وإن النخب التي تفرزها لا تشبه المجتمع. بل إن جزءا كبيرا من خطابنا العمومي صار قائما على فكرة بسيطة ومريحة مفادها أننا لو أصلحنا الأحزاب، أصلحنا السياسة. ولو تخلصنا منها، أو على الأقل قلصنا نفوذها، لربما عادت السياسة إلى الناس. لكن الانتخابات الحالية تقول إن حتى أولئك الذين لا يثقون في الأحزاب لا يذهبون إلى السياسة من خارجها.
كان يمكن توقّع العكس. فقد أُقرّت هذه المرة آليات جديدة لتقليص كلفة الدخول إلى المنافسة، وتم تشجيع ترشيحات الشباب دون 35 سنة، وأُقرت حوافز مالية مرتبطة بتمثيلية الشباب ومغاربة العالم وذوي الإعاقة. وكان يفترض، نظريا، أن تفتح هذه الإجراءات نافذة أمام وجوه جديدة لا تريد المرور عبر البوابات الحزبية التقليدية. لكن النافذة بقيت مفتوحة ولم يمرّ منها أحد.
أكثر من ذلك، ندخل هذه الانتخابات بـ28 حزبا مشاركا. وهو عدد كاف، نظريا، لتغطية كل الأذواق والتيارات والطبقات والمناطق. لكن حين ننظر إلى القدرة التنظيمية الحقيقية لهذه الأحزاب، تظهر صورة مختلفة تماما، ل16 حزبا من أصل 28 لم تستطع تغطية أكثر من 60 دائرة من أصل 92 دائرة محلية. أي أننا أمام تعددية كبيرة في السجل القانوني، لكنها أصغر بكثير على الأرض.
نحمّل الأحزاب مسؤولية كل شيء تقريبا، بدءا من ضعف النخب، ومرورا برداءة النقاش العمومي، والترحال، وهيمنة الأعيان، والمال الانتخابي، وضعف التأطير، وغياب الديمقراطية الداخلية، وصولا إلى موت السياسة بين استحقاق وآخر. وهذا كله، بدرجات متفاوتة، وهو نقد مشروع.
لكننا ننسى أحيانا أن كل بديل مؤسساتي يمر، في النهاية، عبر الأحزاب نفسها. من يريد الوصول إلى البرلمان يحتاج الحزب. ومن يريد تشكيل الحكومة يحتاج الحزب. ومن يريد تحويل فكرة سياسية إلى قانون يحتاج كتلة حزبية. ومن يريد أن يقنع الدولة والمجتمع بأنه يمثل اتجاها منظما يحتاج، في لحظة ما، إلى حزب.
حتى المستقل الذي يحتقر الأحزاب سيكتشف بسرعة أن السياسة ليست مجرد رأي قوي أو حساب ناجح على وسائل التواصل. السياسة تحتاج تنظيما، ومرشحين، وتمويلا، ومراقبين، وشبكات محلية، وقدرة على ملء مئات المكاتب والدوائر، ثم فريقا برلمانيا يستطيع الاستمرار بعد ليلة النتائج. وهنا يكمن مأزقنا.
الأحزاب التي يفترض أن تكون حلقة الوصل بين المواطن والدولة أصبحت، في كثير من الأحيان، جزءا من أزمة الثقة بينهما. لكنها في الوقت نفسه ما تزال الأداة الوحيدة تقريبا التي نملكها لإصلاح هذه الأزمة من داخل المؤسسات. هي الداء، وهي الدواء. ولعل انتخابات هذه السنة تقدم مثالا أكثر قسوة على ذلك.
تابعنا خلال الأشهر الماضية سوقا مفتوحة لانتقال المنتخبين بين الأحزاب. رأينا مرشحين يحملون معهم شبكاتهم من تنظيم إلى آخر، وكأن الحزب لم يعد هو الذي يصنع السياسي، بل أصبح السياسي المحلي هو الذي يمنح الحزب قيمته الانتخابية. الحزب يريد من يستطيع الفوز، والمرشح يريد الحزب الذي يعتقد أنه أقرب إلى الفوز. وحين يصل الطرفان إلى هذه الصفقة، يصبح السؤال عن والهوية والبرنامج ثانويا أمام سؤال من يستطيع جلب المقعد؟
لكن الغريب أن هذه الأحزاب نفسها، بكل أعطابها، تظل أكثر قدرة على إنتاج السياسة. الحركات الاحتجاجية تستطيع أن ترفع الصوت، لكنها لا تستطيع وحدها أن تؤثر على الميزانية. والجمعيات تستطيع أن ترافع، لكنها لا تستطيع أن تسقط حكومة. والمؤثرون يستطيعون أن يجمعوا ملايين المشاهدات، لكنهم لا يملكون فريقا برلمانيا. والمواطن الغاضب يستطيع أن يشتم الجميع، لكنه حين يقرر الدخول فعليا إلى اللعبة يكتشف أن أمامه بابا واحدا تقريبا، هو الحزب.
لهذا السبب ربما، لم ينتج الغضب الكبير من الأحزاب حركة واسعة للمستقلين. لأن المشكل ليس في رغبة الناس في السياسة فقط، بل في كلفة تحويل الرغبة إلى تنظيم.
إنشاء حزب حقيقي ليس صفحة فيسبوك ولا مؤتمرا صحافيا. بل يحتاج سنوات، وفروعا، وأشخاصا مستعدين للعمل بلا مقابل، وموارد، ونزاعات داخلية، وانتخابات محلية، وفشلا متكررا قبل أول نجاح. وهذه أمور جعلتنا، خلال عقود، نختصر السياسة في الأشخاص ونكره المؤسسات، ثم نشتكي بعد ذلك من هشاشتها.
نحتقر الحزب لأنه يعتمد على الأعيان، ثم نعزف عن الانخراط فيه، فيزداد اعتماده على الأعيان. ونشتكي من ضعف الديمقراطية الداخلية، ثم نترك التنظيم لمن يجيد السيطرة على الأجهزة. وننتقد نقص الكفاءات، لكن الكفاءات نفسها تفضل البقاء خارج السياسة. ثم نعود ليلة الانتخابات لنتساءل بدهشة: من أين جاءت هذه الأسماء؟
لقد جاءت من حيث انسحبنا. وليس المطلوب هنا تبرئة الأحزاب. بالعكس. الأحزاب المغربية مسؤولة بدرجة كبيرة عن هذا الفراغ. كثير منها لا يفتح أبوابه إلا عندما يحتاج مرشحا، ولا يتذكر الشباب إلا عند الحاجة إلى صورة جماعية، ولا ينتج الأفكار بقدر ما ينتج البلاغات، ولا يعرف المجتمع إلا عبر المنتخبين الذين يضمنون له الأصوات. لكن مواجهة هذه الحقيقة لا تتم بالقفز فوق الأحزاب، بل بإجبارها على أن تصبح أحزابا فعلا.
والرقم الأكثر دلالة في انتخابات 2026 قد لا يكون عدد المقاعد التي سيفوز بها هذا الحزب أو يخسرها ذاك. ربما يكون الرقم هو خمسة.
خمسة مستقلين فقط، ضمن لائحتين يتيمتين وآلاف المرشحين.
رقم صغير جدا، لكنه معبّر بوضوح عن أننا وبعد كل ما قيل عن أزمة الأحزاب، ما زلنا غير قادرين على تخيل السياسة من دونها.
الديمقراطية لا يمكن أن تعيش بأحزاب مريضة، هذا صحيح.لكنها، في المقابل، لا تعرف حتى الآن، كيف تعيش بلا أحزاب.
الأحزاب.. هي الداء وهي الدواء صوت المغرب.
مشاهدة الأحزاب هي الداء وهي الدواء
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الأحزاب هي الداء وهي الدواء قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الأحزاب.. هي الداء وهي الدواء.
في الموقع ايضا :