قررت شخصية محسوبة على الصحافة أن تريح المغاربة من عناء المقارنة بين البرامج وتقييم الحصائل، فاختارت لهم الحزب الأنسب لقيادة الحكومة المقبلة، ثم أكدت، بكامل الجدية، أنها لا توجه اختياراتهم. الأصالة والمعاصرة هو الحل، والحداثة هي الدليل، أما المواطن فله كامل الحرية في الوصول إلى النتيجة التي جرى إعدادها له سلفا. هكذا تصبح حرية الاختيار مضمونة، شريطة أن تنتهي عند الباب الصحيح.
ولأن الإعلان المباشر عن هذا الغرام السياسي قد يبدو عاديا، كان ضروريا تنظيم رحلة فكرية تبدأ من “نيويورك تايمز”، وتعبر “لوموند”، وتجوب أوراش المملكة وشراكاتها الدولية، قبل أن تتوقف أمام مقر “البام”. رحلة طويلة فعلا، خصوصا أن عنوان الوصول معروف منذ البداية. لكن يبدو أن تزكية حزب محلي تحتاج، في نظر صاحب المقال، إلى تأشيرة من الصحافة الأمريكية وختم عبور من باريس، حتى يظهر الاصطفاف في هيئة اجتهاد ديمقراطي رفيع.
إنجازات الوطن.. والتوصيل إلى مقر الحزب
ويسهب المقال في الإشادة بالرؤية الملكية، وبالمؤسسات السيادية، وبالبنية التحتية، وبالحضور الإفريقي والأطلسي للمغرب، ثم يقفز فجأة إلى اعتبار الأصالة والمعاصرة أفضل خيار للمرحلة المقبلة. وحدها الحلقة التي تفسر هذه القفزة غائبة، كيف أصبحت إنجازات الدولة حجة انتخابية لفائدة حزب بعينه؟ ومن أين حصل “البام” على حق تقديم نفسه، أو تقديمه من طرف أنصاره، باعتباره المستفيد الطبيعي من رصيد وطني تشارك في بنائه مؤسسات وكفاءات ومغاربة من مختلف المواقع؟
إنها عملية تحويل سياسي شديدة السهولة داخل المقال، تدخل المشاريع الكبرى من الباب بصفتها إنجازات للمغرب، وتخرج من النافذة توصية بإسناد الحكومة إلى الأصالة والمعاصرة. لا مقارنة للبرامج، ولا تفكيك للحصائل، ولا تفسير مقنع للأفضلية الممنوحة. يكفي أن نضع عبارة “الرؤية الملكية” في البداية، وعبارة “الحزب الحداثي” في النهاية، ونترك للقارئ مهمة ابتلاع المسافة الفاصلة بينهما.
والأكثر إثارة للسخرية أن المقال يمنح الحزب شهادة الأهلية، ثم يطالبه بترجمة هويته إلى برنامج عملي يحظى بالثقة والمصداقية. أي إن شهادة الاستحقاق جاهزة، والبرنامج سيأتي لاحقا. ولقد نجح المرشح قبل الامتحان، وما عليه الآن سوى البحث عن الأجوبة المناسبة للعلامة التي حصل عليها. وحتى الإعلانات التجارية تعرض مواصفات المنتج قبل مطالبة الزبون بالثقة؛ أما هنا، فالثقة مطلوبة مسبقا، والتفاصيل قابلة للاستكمال بعد الحماس.
حداثة واسعة.. تضيق عند سؤال المحاسبة
وفي هذا الاحتفاء الطويل، تتسع المساحة لكل شيء، الشباب، والنساء، والثقافة، والحريات، والعدالة الاجتماعية. لكنها تضيق فجأة عند سؤال سجل الحزب ومعايير اختيار مسؤوليه، وكيفية تعامله مع الملفات القضائية المرتبطة بأسماء من صفوفه. صحيح أن المتابعة لا تعني الإدانة، وأن المسؤولية الجنائية فردية يفصل فيها القضاء، لكن المسؤولية السياسية تستحق بدورها جوابا. من زكّى؟ وبأي معايير؟ وما الذي تغير في آليات الاختيار والمراقبة؟ هذه أسئلة يفترض أن تسبق حفل توزيع شهادات النزاهة والحداثة.
صاحب المقال يريد حزبا يقود تحديث المجتمع بأكمله، لكنه لا يقدم للقارئ امتحانا واحدا لقدرة هذا الحزب على مراجعة ممارساته الداخلية. يريد منه إعادة الثقة إلى الشباب، من دون شرح أسباب استحقاقه لهذه الثقة. ويريده عنوانا لتكافؤ الفرص، من دون مساءلة طريقة صعود الوجوه داخله. الحداثة في هذه المرافعة سخية جدا في الوعود، مقتصدة جدا في الأدلة، وحساسة للغاية تجاه الأسئلة التي قد تعكر صفو الصورة الجماعية.
أما المواطن، الذي يبحث عن عمل ومدرسة ومستشفى وخدمة عمومية محترمة، فمطلوب منه أن يطمئن إلى الصفات. الحزب حداثي، تقدمي، منفتح، ومؤمن بالمستقبل؛ وما دام كذلك، فبقية التفاصيل ستتدبر أمرها. ولو كانت كثافة النعوت تصنع حصيلة، لكانت هذه الافتتاحية قد شيدت مستشفى وشغلت ألف شاب قبل بلوغ فقرتها الأخيرة.
ثم تأتي فكرة تولي امرأة رئاسة الحكومة لتمنح المرافعة زينتها الأخيرة. حق النساء في قيادة الحكومة كامل، ولا يحتاج إلى ترخيص من صاحب المقال أو من الحزب الذي يسانده. لكن تحويل هذا الحق إلى حجة تعفي تنظيما سياسيا من تقديم حصيلته وضماناته أمر يستحق الاعتراض. المرأة ليست غلافا انتخابيا نضعه على ملف ثم نطالب الجميع بالكف عن قراءة محتوياته. والمساواة أوسع من أن تختزل في تسويق اسم، مهما كانت مكانته.
اصطفاف كامل.. مع نفي الاصطفاف
وبعد كل هذا، يعود المقال ليطمئننا إلى أنه لا يوجه التصويت ولا يعبر عن اصطفاف حزبي ضيق. يحدد الحزب الأفضل، ويدعو إلى قيادته المرحلة، ويعلن الانحياز إلى مشروعه، ثم يطلب إعفاء هذه العملية من اسمها السياسي. بقي فقط أن يضع رمز الحزب بجانب الخاتمة، مع ملاحظة صغيرة تقول، أي تشابه مع الدعاية الانتخابية مجرد مصادفة.
كان إعلان المساندة بوضوح سيختصر كثيرا من هذا الاستعراض. لكن الشخصية المحسوبة على الصحافة تريد امتياز التعبئة السياسية وهيبة المسافة المهنية في الوقت نفسه؛ تريد أن تقف داخل الصف، وأن تحتفظ بصورة من يراقبه من الخارج. والقارئ، في المقابل، مطالب بأن يشاهد هذا التمرين وأن يتعامل معه باعتباره درسا مستوردا من كبريات الديمقراطيات.
وباستعارة تشبيه “البزولة” الذي أورده الأمين العام السابق لـ”البام“، وهو يتحدث عن أصحاب مناصب يلتفون حولها ولا يريدون إفساح المجال لغيرهم، تستحق هذه الافتتاحية قراءة أقل انشغالا بـ”لوموند” وأكثر انتباها إلى الحظيرة السياسية. فالبقرة، كما يعرف الجميع، لا تملك سوى أربع حلمات، بينما الطامحون إلى المناصب لا يمكن حصرهم بهذه السهولة.
فأين تضع هذه الشخصية “الشرعية” نفسها في المشهد، في موقع من يفحص الحصيلة، أم في موقع من يحرس للبقرة طريقها إلى رئاسة الحكومة؟ وأي “بزولة” سياسية في هذا التشبيه تفسر كل هذا الحماس لحزب يمنح شهادة الاستحقاق قبل أن يطلب منه تقديم برنامج مقنع؟
ولقد حدثنا صاحب المقال طويلا عن توزيع ثمار التنمية على المغاربة، لكنه ترك السؤال الأكثر إزعاجا بلا جواب، ما الضمانة أن تصل تلك الثمار إلى المواطنين، عوض أن يبقى الحليب من نصيب الواقفين حول الضرع؟
فمن يستدعي تقاليد الصحافة الكبرى لتبرير تأييده يستطيع أيضا أن يستحضر مقتضيات الشفافية. استعارة الاسم الأجنبي سهلة، والأصعب أن يتحمل الكاتب الأسئلة التي تأتي معه. وفي النهاية، نحن أمام مرافعة حسمت النتيجة ثم شرعت في جمع الصفات التي تليق بها. الأصالة والمعاصرة مستحق للقيادة لأن الكاتب يراه مستحقا، والبرنامج مطلوب لاحقا، وأسئلة السجل مؤجلة، وإنجازات الدولة حاضرة لتأثيث المشهد. حكومة مكتملة في خيال صاحب الافتتاحية، ينقصها تفصيل صغير مزعج، أن يقتنع بها المواطن.
ولعل هذا هو مأزق النص كله، أنه تعامل مع الناخب باعتباره آخر من ينبغي إبلاغه بالترتيبات، بعدما انتهى صاحب المقال من توزيع الأدوار. غير أن رئاسة الحكومة لا تحجز بطاولة في افتتاحية، والثقة لا تستخرج بشهادة حسن سلوك يكتبها معجب. لقد صوت الكاتب بالفعل، بقي أن يسمح للمغاربة بأن يفكروا قبل أن يصوتوا.
المقالة حكومة “البام” بمرسوم افتتاحي.. وما يبغي حكومة بامية غير البانضية نشرت في موقع H-NEWS آش نيوز
مشاهدة حكومة ldquo البام rdquo بمرسوم افتتاحي وما يبغي حكومة بامية غير البانضية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حكومة البام بمرسوم افتتاحي وما يبغي حكومة بامية غير البانضية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على آش نيوز ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حكومة “البام” بمرسوم افتتاحي.. وما يبغي حكومة بامية غير البانضية.
في الموقع ايضا :