لَمْ يَكُنِ التَّحديثُ السِّياسيُّ مَشروعَ أرقامٍ، بَلْ مَشروعَ سُلطةٍ. وَعِندما تَتحوَّلُ السُّلطةُ إلى استماراتٍ، والمشروعُ الوطنيُّ إلى مُعاملةِ ترخيصٍ، فالنَّتيجةُ لَيسَتْ تعدُّديَّةً، بَلْ وَهْمُ تعدُّديَّةٍ. نَحنُ لا نُعاني مِنْ نَقصٍ في الأحزابِ، نَحنُ نُعاني مِنْ تُخمةِ كياناتٍ بِلا كِيانٍ. ما حَدَثَ هُوَ تَحايُلٌ على رُوحِ الإصلاحِ. القانونُ فَتَحَ البابَ، فَدَخَلَ الجميعُ مِنْ نافذةِ المنصبِ. تَشكَّلَتْ أحزابٌ في عَتمةِ الغُرَفِ المُغلقةِ، بِلا قاعدةٍ اجتماعيَّةٍ، وبِلا اشتباكٍ حقيقيٍّ معَ النَّاسِ، وبِلا كُلفةٍ سياسيَّةٍ. حِزبٌ يُولَدُ في عمَّانَ الغربيَّةِ ويَموتُ في صُندوقِ الاقتراعِ. والأخطرُ أنَّ هذهِ الكياناتِ تحوَّلَتْ إلى دكاكينَ سياسيَّةٍ مُغلقةٍ، دُكَّانٌ يَملكُهُ مُتقاعدٌ يَجلسُ على كُرسيٍّ وَثيرٍ، يُوزِّعُ المناصبَ على الأقاربِ والمُريدينَ، ويَفتحُ مقرَّهُ في عبدونَ للتَّصويرِ، ويُغلقُهُ في وجهِ النَّاسِ. دُكَّانٌ لا يُنتِجُ فِكرةً ولا يَبني كادرًا، بَلْ يُؤجِّرُ لافتتَهُ لِمَنْ يَدفعُ أكثرَ في مَوسمِ الانتخاباتِ. لذلكَ كانَ السُّقوطُ مُبكِّرًا ومُدوِّيًا. أحزابٌ بعمرِ الفَطيمِ تُصابُ بجلطاتِ الشَّيخوخةِ: انشقاقاتٌ بالجُملةِ، استقالاتٌ جماعيَّةٌ، فصلُ نُوَّابٍ تحتَ القُبَّةِ، وحَلٌّ قضائيٌّ بقرارِ محكمةٍ. هذهِ لَيسَتْ عوارضَ جانبيَّةً، هذهِ شهادةُ وفاةٍ سياسيَّةٌ لأحزابٍ وُلِدَتْ مَيِّتةً. وجَذْرُ الدَّاءِ لَيسَ في النَّصِّ القانونيِّ، بَلْ في عُقمِ عقليَّةِ التَّكوينِ. عقليَّةٌ تعاملَتْ معَ الأوراقِ النِّقاشيَّةِ لجلالةِ الملكِ عبدِاللهِ الثَّاني كشعارٍ للاستهلاكِ لا كعقدٍ اجتماعيٍّ جديدٍ. جلالةُ الملكِ لَمْ يَطلبْ مِنَّا أنْ نُحصيَ الأحزابَ، بَلْ أنْ نَصنعَ أحزابَ دولةٍ قادرةً على الحُكمِ. لكنَّنا استبدلْنا منطقَ الدَّولةِ بمنطقِ الدُّكَّانِ، ومنطقَ البرنامجِ بمنطقِ المقعدِ. كيفَ نَجعلُ الفَطيمَ يَنمو؟ العِلاجُ لَيسَ بالمُسكِّناتِ ولا بالتَّحالفاتِ الموسميَّةِ الَّتي تَنتهي ليلةَ الفَرزِ. مثلًا لنقلْ لدينا خمسةُ أحزابٍ وسطيَّةٍ هزيلةٍ تتصارعُ على نفسِ النَّاخبِ وبنفسِ الخطابِ المنسوخِ، المطلوبُ لَيسَ أنْ تَتحالفَ، بَلْ أنْ تَذوبَ في بعضِها وتَنصهرَ في حزبٍ وسطيٍّ واحدٍ كبيرٍ قادرٍ على الحُكمِ. حزبٌ واحدٌ بثلاثينَ مقعدًا يَصنعُ حكومةً، خيرٌ مِنْ خمسةِ دكاكينَ بخمسةِ مقاعدَ لا تَصلُحُ إلَّا للمُساومةِ والابتزازِ. ثُمَّ لا بُدَّ مِنَ النُّزولِ مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ. كُلُّنا مُسلمونَ ومُسلمونَ للهِ جَلَّ وعَلا فلا مُزاودةَ في الدِّينِ ولا مُتاجرةَ بهِ، ولَسْنا يسارًا مُستوردًا ولا يمينًا مُستعارًا. عقيدتُنا السِّياسيَّةُ يَجبُ أنْ تكونَ جُملةً واحدةً قابلةً للقياسِ لا للحفظِ: "خدمةُ النَّاسِ دونَ تمييزٍ على أرضِ الواقعِ". المعيارُ لَيسَ مَنْ يَفتخرُ بمنصبِهِ الحاليِّ أوِ السَّابقِ أو ببطولةٍ مِنْ هُنا أو هُناكَ، بَلْ مَنْ يُصلحُ شارعَ الطَّفيلةِ قبلَ عبدونَ، ومَنْ يُوصلُ الباصَ إلى المُخيَّمِ قبلَ الدُّوَّارِ الرَّابعِ، ومَنْ يَحلُّ أزمةَ المياهِ في الزَّرقاءِ قبلَ أنْ يُحدِّثَنا عَنْ هيجلَ وماركسَ. النَّاسُ لا تَنتخبُ الخُطباءَ، النَّاسُ تَنتخبُ مَنْ يُوصلُ الخدمةَ. وأخيرًا، لا حزبَ بِلا شبابٍ، لكنَّ العُمرَ وحدَهُ لَيسَ معيارًا ولا شهادةَ كفاءةٍ. المعيارُ هو الفِعلُ لا تاريخُ الميلادِ. نُريدُ شبابًا فاعلًا لا شبابَ تصفيقٍ، وقيادةً تُنجزُ لا تَتشبَّثُ. ولا مكانَ للتَّوريثِ السِّياسيِّ، لا توريثَ منصبٍ ولا توريثَ لقبٍ. الحزبُ لَيسَ مزرعةً عائليَّةً. مَنْ يُثبتُ فعلَهُ في الميدانِ يَقودُ، ومَنْ لا يُثبتُ يَترجَّلُ، شابًّا كانَ أمْ كَهلًا. بهذا وحدَهُ، يَتحوَّلُ الفَطيمُ ذو العامينِ إلى حزبٍ شابٍّ بعمرِ عشرينَ عامًا في دورةٍ واحدةٍ. .
مشاهدة أحزاب عجوزة بعمر ف ط يم
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أحزاب عجوزة بعمر ف ط يم قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.