الرباط ومدريد.. شراكة تحت الضغط ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (صوت المغرب) -

تبدو العلاقات المغربية الإسبانية أمام واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ إعادة بنائها على أساس “خارطة الطريق” التي دشنتها الرباط ومدريد في أبريل 2022.

فالأزمة التي تفجرت على خلفية العبور الجماعي لعشرات الآلاف من الأشخاص إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026، لم تعد محصورة في تدبير ملف الهجرة أو في الخلاف حول المسؤوليات الأمنية والسياسية لما حدث، بل أخذت تتسع لتشمل قضايا السيادة والحدود، وتعيد إلى الواجهة ملف الصحراء، وتضع أسس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين أمام اختبار جديد.

ولعل التطور الأخطر في هذا المسار جاء في 10 شتنبر، حين صادق مجلس النواب الإسباني على مقترح قانون يسمح بالحصول على الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين خلال فترة الاستعمار الإسباني للصحراء، وهو النص الذي أقره المجلس بـ168 صوتا مقابل 31 و145 امتناعا، قبل إحالته إلى مجلس الشيوخ لاستكمال مساره التشريعي.

قد يبدو هذا التطور، من الناحية القانونية، منفصلا عن أزمة سبتة، خصوصا أن المبادرة التشريعية كانت مطروحة قبل اندلاع الأزمة الحالية. غير أن توقيتها السياسي يجعل من الصعب التعامل معها باعتبارها مجرد تعديل تقني لقانون الجنسية الإسباني. فهي تأتي في لحظة تتزايد فيها الاتهامات الموجهة إلى المغرب داخل إسبانيا، ويتصاعد فيها النقاش حول مستقبل التعاون الأمني والهجرة، بالتزامن مع عودة ملف الصحراء إلى المجال التشريعي الإسباني، بعد سنوات من التحول الكبير في موقف مدريد تجاه مبادرة الحكم الذاتي المغربية.

ومن هذه الزاوية، يصبح اجتماع الملك فيليبي السادس يوم 8 شتنبر مع وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس ورئيس أركان الدفاع وقادة العمليات والقائد العام لسبتة، لمناقشة الوضع في المدينة من “وجهة نظر الدفاع”، أكثر من مجرد إجراء مؤسساتي عادي. فظهور الملك بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، محاطا بالقيادات العسكرية، وفي اجتماع خصص تحديدا للبعد الدفاعي لوضع سبتة، ثم الإعلان عن زيارة مرتقبة له إلى سبتة ومليلية، يحملان معا رسالة سياسية تتجاوز التدبير الأمني المباشر للأزمة، وتعيد إبراز الدولة الإسبانية بكل رموزها السيادية والعسكرية في قضية ظل المغرب ينظر إليها باعتبارها جزءا من ملف سيادي عالق بين البلدين.

وهنا تكتسب التطورات الأخيرة دلالتها الأوسع. فمدريد تبدو وكأنها تحاول، تحت ضغط الأزمة الداخلية، إعادة تثبيت موقعها في سبتة ومليلية، في وقت تحاول فيه الحكومة الإسبانية المحافظة على الشراكة الاستراتيجية مع المغرب وعلى التعاون الأمني والهجرة الذي أثبت فعاليته خلال السنوات الماضية. أما الرباط، فقد اختارت في بلاغ وزارة الخارجية الصادر في 10 شتنبر الرد بلهجة أكثر وضوحا وحزما، مؤكدة أن العلاقة مع إسبانيا تقوم على حسن الجوار والتفاهم السياسي والشراكة الاقتصادية والتعاون الأمني، لكنها في الوقت نفسه رفضت تحويل المغرب إلى موضوع للمزايدات السياسية الداخلية الإسبانية، وانتقدت ما وصفته بمبادرات غير موفقة صادرة عن مؤسسات تشريعية وقضائية تغذي الخلاف القائم.

والأهم أن الرباط لم تكتف بنفي أي تورط في أحداث سبتة، بل طرحت أسئلة مباشرة حول استمرار الاتهامات الموجهة إليها في غياب معطيات أو وقائع تثبت مسؤولية السلطات المغربية، وحول عدم إعادة المهاجرين غير النظاميين والقاصرين، رغم إعلان المغرب استعداده لاستقبالهم. كما اعتبرت أن الجواب عن هذه الأسئلة ينبغي البحث عنه داخل إسبانيا، وليس في المغرب.

بهذا المعنى، يبدو أن الأزمة بدأت تنتقل من اختبار للنفوذ على الحدود إلى اختبار أعمق لمدى قدرة البلدين على حماية الإطار السياسي الذي قامت عليه شراكتهما الجديدة. فالمغرب يرى أن التعاون الذي راكمه البلدان منذ 2022 لا يمكن أن يستمر إذا أصبح المغرب مادة للمزايدات الانتخابية، أو إذا عادت قضايا السيادة والصحراء وسبتة ومليلية إلى واجهة العلاقة من دون مراعاة التوازنات التي قامت عليها تلك الشراكة.

وفي المقابل، تجد حكومة بيدرو سانشيز نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد؛ فهي من جهة، تسعى إلى المحافظة على الشراكة الاستراتيجية مع المغرب، خصوصا في ملفات الأمن والهجرة والاقتصاد، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطا داخلية تدفعها إلى التشدد في قضية سبتة ومليلية. علاوة على مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي تدافع فيه عن التعاون مع المغرب، مرّر مجلس النواب الإسباني مبادرة تشريعية ذات حساسية كبيرة بالنسبة للمغرب تتعلق بالجنسية الإسبانية للصحراويين، وهو ما يطرح سؤالا عويصا: إلى أي حد يمكن للفصل بين المواقف الحكومية والمبادرات البرلمانية أن يقنع الرباط بأن مدريد ما تزال ملتزمة فعلا بالروح السياسية التي تأسست عليها شراكة أبريل 2022؟

لقد كان الرهان الإسباني، منذ 2022، يقوم على أن التعاون مع المغرب قادر على تحويل الحدود من مصدر دائم للتوتر إلى مجال للتنسيق والمصالح المشتركة. أما اليوم، فإن أزمة سبتة وما رافقها من سجال سياسي وإعلامي، ثم الحضور العسكري والرمزي للدولة الإسبانية في المدينة، والتصويت على قانون الجنسية للصحراويين، كلها مؤشرات توحي بأن العلاقة تدخل مرحلة أكثر تعقيدا؛ مرحلة تتقاطع فيها أزمة الحدود مع قضية السيادة، ويتداخل فيها الأمن مع السياسة الداخلية،

بينما يعود ملف الصحراء إلى التأثير المباشر في العلاقات الثنائية بين البلدين. تطورات تفرض طرح السؤال: هل ما تزال الشراكة المغربية الإسبانية قادرة على احتواء الخلافات السيادية والسياسية بين البلدين، أم أن أزمة سبتة كشفت حدود التفاهم الذي تأسس سنة 2022، وبدأت تدفع بالعلاقات نحو مواجهة جديدة عنوانها صراع النفوذ وإعادة تعريف قواعد الشراكة من جديد؟

سبتة.. من أزمة هجرة إلى أزمة سيادة

لا شك أن أزمة سبتة بدأت بوصفها أزمة هجرة غير مسبوقة في حجمها، لكنها سرعان ما تجاوزت هذا الإطار لتتحول إلى أزمة سياسية وأمنية وسيادية. فالتدفق الجماعي الكبير الذي شهدته المدينة يومي 30 و31 يوليوز 2026 لم يكن مجرد حدث مرتبط بتدبير الهجرة غير النظامية، وإنما شكل اختبارا لقدرة الدولة الإسبانية على حماية حدودها، وأعاد في الوقت نفسه قضية سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش السياسي الإسباني. وتشير المعطيات الرسمية الإسبانية إلى أن نحو 72 ألف شخص دخلوا سبتة بشكل غير نظامي خلال تلك الأحداث، قبل أن تتم إعادة معظمهم إلى المغرب خلال أقل من 48 ساعة. غير أن أهمية الحدث لا تكمن في حجمه فقط، بل في التحول الذي أحدثه في طريقة تعريف إسبانيا للمشكلة.

ففي البداية، بدا التعامل الإسباني مع الأزمة محكوما بمنطق إدارة الهجرة والتعاون الحدودي مع المغرب، وهو الإطار الذي ظلت مدريد تعتمد عليه خلال السنوات الأخيرة. غير أن الأزمة سرعان ما بدأت تنتقل إلى مستوى آخر، بعدما أصبحت سبتة تقدم في الخطاب الإسباني باعتبارها جزءا من أمن الحدود الإسبانية والأوروبية.

في زيارته إلى سبتة المحتلة، في 11 غشت الماضي، أكد وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، التزام الحكومة الإسبانية بسيادة إسبانيا وسلامتها الإقليمية، قبل أن ينقل النقاش إلى المستوى الأوروبي، في قوله بأن الحدود البرية لسبتة ومليلية هي أيضا الحدود البرية الجنوبية للاتحاد الأوروبي، داعيا إلى التضامن الأوروبي مع إسبانيا في مواجهة تحديات الحدود والهجرة.

وهذا التحول في الخطاب ليس بسيطا. فهناك فرق سياسي كبير بين النظر إلى سبتة باعتبارها نقطة عبور تواجه ضغطا للهجرة، وبين تقديمها باعتبارها جزءا من الحدود الوطنية والأوروبية التي يتعين حمايتها. ففي الحالة الأولى يكون التعاون مع المغرب هو الأداة الرئيسية لإدارة الأزمة؛ أما في الحالة الثانية فتدخل مفاهيم الأمن والسيادة والدفاع في صلب المقاربة. ومن هنا بدأت أزمة سبتة تكتسب طبيعة مختلفة، لأنها لم تعد مرتبطة فقط بفعالية التعاون المغربي الإسباني في مجال الهجرة، وإنما أصبحت تمس سؤالا أكثر حساسية يتعلق بكيفية تعريف كل طرف لموقع المدينتين داخل العلاقة الثنائية.

وقد انعكس ذلك بوضوح في السجال السياسي والإعلامي داخل إسبانيا. فالمعارضة اليمينية واليمين المتطرف وجدا في أحداث سبتة فرصة للطعن في سياسة حكومة بيدرو سانشيز تجاه المغرب، وشككا في خيار إسبانيا الاعتماد على المغرب في حماية الحدود. وفي المقابل، حاول سانشيز الدفاع عن التعاون مع المغرب، رافضا اتهام المغرب بالتخطيط لعملية العبور الجماعي. وفي مداخلته أمام البرلمان الإسباني في 3 شتنبر الجاري، أكد سانشيز أنه لا توجد أدلة قاطعة تثبت أن المغرب نظم العملية، وإن كان النقاش الإعلامي الإسباني أثار مستوى التغطية الأمنية للمغرب وطريقة تعاملها مع تدفق المهاجرين خلال الساعات الأولى للعبور الجماعي.

وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات الأزمة. فحكومة سانشيز وجدت نفسها مضطرة إلى الدفاع عن شراكتها مع المغرب، وفي الوقت نفسه إلى إظهار قدرتها على حماية الحدود الإسبانية في مواجهة ضغط المعارضة اليمينية والرأي العام. وقد اكتسبت تصريحات سانشيز حول السيادة أهمية خاصة، حين أكد أمام البرلمان أن حكومته لن تتخلى عن السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، معلنا عن زيارة مرتقبة للملك فيليبي السادس إلى المدينتين، مؤكدا أن الزيارة تعبير عن الالتزام الكامل للدولة الإسبانية تجاههما. ومن الناحية السياسية، يمثل هذا الانتقال من الحديث عن إدارة أزمة هجرة إلى الحديث الصريح عن السيادة تحولا في طبيعة الخطاب الإسباني.

ولعل اجتماع الملك فيليبي السادس، يوم 8 شتنبر الجاري، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة الإسبانية، مع وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، ورئيس أركان الدفاع، وقادة العمليات، والقائد العام لسبتة، يندرج في السياق نفسه، إذ تم تبريره بالحاجة إلى بحث الوضع في المدينة من “وجهة نظر الدفاع”، وفق ما أعلنته دار الملكية الإسبانية. ورغم أن سانشيز قدم الاجتماع باعتباره إجراء عادي يندرج ضمن الوظائف الدستورية للملك. لكن ذلك لا يلغي دلالته السياسية والرمزية، لأن إدخال المؤسسة العسكرية إلى المشهد الإعلامي للأزمة يعني أن سبتة بدأت تقدم باعتبارها قضية ذات بعد دفاعي، وليس فقط باعتبارها ملفاً للهجرة أو التعاون الحدودي.

وهذا التحول يحمل بالنسبة إلى المغرب دلالة حساسة. فالرباط تنظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما مدينتين مغربيتين خاضعتين للاحتلال الإسباني، ولذلك ظلت تفضل، في إطار الشراكة مع مدريد، عدم تحويل هذا الملف إلى مصدر دائم للتوتر، خصوصا منذ التوصل إلى تفاهمات خارطة الطريق المغربية الإسبانية سنة 2022. والتي سمحت بتجميد عدد من الملفات الخلافية والتركيز على التعاون الأمني والاقتصادي والهجرة ومحاربة الإرهاب. لكن عندما تعود سبتة إلى واجهة الخطاب الإسباني من بوابة السيادة والدفاع، فإن أحد الأسس غير المكتوبة التي قامت عليها تلك الشراكة يصبح موضع اختبار.

ومن هذه الزاوية، فإن التطور الأخطر في الأزمة ليس بالضرورة ما حدث على الحدود في نهاية يوليوز الماضي، وإنما ما حدث بعد ذلك على مستوى إعادة تعريف القضية. فالأزمة بدأت باعتبارها أزمة هجرة، ثم تحولت إلى أزمة حدود، قبل أن تدخل تدريجيا إلى دائرة الأمن والسيادة والدفاع. وكل انتقال من مستوى إلى آخر يقلص مساحة المناورة السياسية المتاحة للطرفين، لأن ملفات الهجرة والأمن قابلة للتعاون والتفاوض، بينما تعد قضايا السيادة أكثر صعوبة في التسوية.

وهنا يمكن فهم حدة الموقف المغربي الأخير. فالرباط لا تواجه فقط اتهامات بالمسؤولية عن أزمة سبتة، وإنما تواجه أيضا تحولا في الخطاب السياسي الإسباني يعيد وضع المدينة في إطار أمني وسيادي. ولذلك أكدت وزارة الخارجية المغربية أن العلاقة مع إسبانيا قامت على حسن الجوار والتفاهم السياسي والشراكة الاقتصادية والتعاون الأمني، مشددة رفضها تحويل المغرب إلى “كبش فداء لتصفية حسابات سياسوية” داخل إسبانيا. وهي لهجة تكشف عن قلق مغربي يتجاوز أحداث يوليوز نفسها. لأن الرباط تدرك أن أزمة سبتة أصبحت جزءا من نقاش داخلي إسباني أوسع حول العلاقة مع المغرب. وإذا تحولت المدينة إلى ورقة في الصراع بين الحكومة والمعارضة الإسبانيتين، فإن ذلك قد يدفع المغرب إلى إعادة النظر في الطريقة التي يدير بها تعاونه مع مدريد، خصوصا إذا أصبح التعاون الأمني والهجرة مقابل اتهامات سياسية أو إعادة طرح قضايا السيادة على جدول العلاقات الثنائية.

وإذا كان الأمر كذلك، فإننا لا نكون أمام أزمة هجرة عابرة، وإنما أمام تحول في طبيعة القضية نفسها. فالمغرب يريد أن تبقى سبتة ومليلية ضمن الملفات السيادية التي يمكن تجميدها وعدم السماح لها بتفجير العلاقة الثنائية، بينما تتحرك مدريد، تحت ضغط الأزمة الداخلية، نحو إعادة إدماج المدينتين في خطاب السيادة والأمن والدفاع. في هذا السياق، يكشف اجتماع الملك فيليبي السادس مع القيادة العسكرية، والإعلان عن زيارته إلى سبتة ومليلية، عن اتجاه سياسي جديد مفاده إعادة إدخال قضايا السيادة إلى مركز العلاقات الثنائية بين البلدين، بعد أن نجحت شراكة 2022 في إبقاء الخلافات السيادية بعيدة نسبيا. وهو تحول يعيد النظر في أسس الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

الصحراء تعود إلى قلب العلاقات

إذا كانت أزمة سبتة قد أعادت إلى الواجهة سؤال السيادة الإسبانية على المدينتين، فإن التطور المتزامن معها أعاد ملف الصحراء إلى قلب العلاقة المغربية الإسبانية. فقد صادق مجلس النواب الإسباني في 10 شتنبر الجاري على مقترح قانون يفتح مسارا خاصا لاكتساب الجنسية الإسبانية لفائدة الصحراويين المولودين في الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية، بأغلبية 168 صوتا مقابل 31 و145 امتناعا، قبل إحالة النص إلى مجلس الشيوخ لاستكمال مساره التشريعي. والمهم هنا أن المبادرة لم تنشأ بسبب أزمة سبتة، فقد بدأ مسارها البرلماني قبل ذلك، لكن وصولها إلى مرحلة التصويت في هذه اللحظة السياسية يمنحها دلالة تتجاوز مضمونها القانوني المباشر.

فالمبادرة تعيد استحضار العلاقة التاريخية بين إسبانيا وسكان الصحراء خلال فترة الإدارة الإسبانية، وتحول هذه العلاقة إلى أساس لحق قانوني معاصر. وهذا لا يعني أن إسبانيا غيرت موقفها الرسمي من قضية الصحراء، ولا أن النص يشكل اعترافا بموقف سياسي جديد، خصوصا أن المبادرة برلمانية وليست قرارا حكوميا. لكن حساسيتها بالنسبة إلى المغرب تكمن في أنها تعيد القضية إلى واجهة المؤسسات السياسية الإسبانية، في وقت كان التفاهم المغربي الإسباني منذ 2022 يقوم على مقاربة مختلفة، جعلت دعم إسبانيا لمبادرة الحكم الذاتي أحد مرتكزات المرحلة الجديدة.

وتزداد أهمية التطور عندما يوضع إلى جانب أزمة سبتة. ففي الوقت الذي تعيد فيه مدريد تأكيد السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية، وتدخل البعد الدفاعي إلى مقاربتها للأزمة، يعود ملف الصحراء إلى البرلمان الإسباني من بوابة الجنسية. وفي الحالتين، تعود قضايا السيادة والاستعمار الإسباني للمغرب إلى مركز النقاش، بعدما نجحت شراكة 2022 نسبيا في إبقاء الخلافات السيادية خارج صدارة العلاقة الثنائية.

وهذا ما يفسر حساسية الموقف المغربي الأخير. فقد أكدت الرباط تمسكها بالشراكة مع إسبانيا وبمنطق حسن الجوار والتفاهم السياسي والتعاون الأمني والاقتصادي، لكنها في الوقت نفسه انتقدت “المبادرات غير الموفقة” الصادرة عن بعض المؤسسات الإسبانية، ورفضت تحويل المغرب إلى موضوع للمزايدات السياسية الداخلية. فالمشكلة، من منظور الرباط، لا تتعلق فقط بمضمون مبادرة الجنسية، وإنما بما قد تعكسه من صعوبة في ضمان انسجام مختلف مكونات المؤسسة السياسية الإسبانية مع التفاهمات التي قامت عليها الشراكة منذ 2022.

لذلك لا ينبغي قراءة التصويت باعتباره دليلا على تراجع مدريد عن موقفها من الصحراء، وإنما باعتباره مؤشرا على عودة الملف إلى المجال السياسي الإسباني وتعدد مراكز التأثير في السياسة تجاه المغرب. فالحكومة الإسبانية قد تتمسك بالتفاهم السياسي مع الرباط، لكن البرلمان والأحزاب والمؤسسات الأخرى قادرة على إنتاج مبادرات تعيد الملفات الحساسة إلى واجهة العلاقة. وهنا تكمن المفارقة: فبينما تحتاج إسبانيا إلى المغرب كشريك استراتيجي في الأمن والهجرة والاقتصاد، بدأت القضايا الأكثر حساسية بالنسبة للرباط، من سبتة ومليلية إلى الصحراء، تعود إلى النقاش السياسي الإسباني. وإذا استمر هذا المسار، فإن الخطر لا يتمثل بالضرورة في تغيير الموقف الرسمي الإسباني، وإنما في تآكل الثقة التي قامت عليها شراكة 2022 نتيجة اتساع الفجوة بين التفاهمات الحكومية وما تنتجه السياسة الداخلية الإسبانية.

الشراكة أمام اختبار جديد

تكشف التطورات المذكور، وخصوصا إمكانية زيارة الملك فيليبي إلى سبتة ومليلية المحتلتين، أن التحدي الذي تواجهه العلاقات المغربية الإسبانية لم يعد مرتبطا فقط بوجود خلافات بين الحكومتين، وإنما أصبح مرتبطا أساسا بقدرة حكومة بيدرو سانشيز على ضبط تأثير السياسة الداخلية الإسبانية على علاقتها الثنائية بالمغرب. فهذا الأخير ظل، منذ استئناف العلاقات على أساس تفاهمات 2022، شريكا أساسيا لإسبانيا في ملفات الأمن والهجرة ومكافحة الإرهاب والاقتصاد، لكن أزمة سبتة أظهرت في المقابل أن العلاقة مع الرباط أصبحت موضوعا للسجال السياسي الداخلي، خصوصا من جانب المعارضة اليمينية واليمين المتطرف.

وقد حاول سانشيز الدفاع عن الشراكة مع المغرب، رافضا تحميل الرباط مسؤولية تنظيم العبور الجماعي إلى سبتة في غياب أدلة حاسمة، في الوقت الذي اختار فيه التشديد على أن “السيادة الإسبانية على سبتة ومليلية ليست موضع نقاش”. وهو تناقض يصعب على الحكومة الإسبانية إدارته، كونها تزعم القدرة على المحافظة على التعاون الاستراتيجي مع المغرب، في الوقت الذي تعود فيه إلى خطاب السيادة والدفاع والأمن. وقد أصبح هذا التناقض أكثر وضوحا في سلوك المؤسسات، فبينما تتمسك الحكومة الإسبانية بالتفاهم السياسي والشراكة، تنتج المؤسسة البرلمانية مبادرات مزعجة للمغرب تتعلق بقضية الصحراء، في حين تتصاعد المطالب المتشددة من لدن المعارضة ضد المغرب، في حين تحركت المؤسسة الملكية والعسكرية لإبراز البعد السيادي والدفاعي لسبتة.

وهذا يعني أن المغرب لم يعد أمام موقف إسباني موحد تعبر عنه الحكومة الإسبانية لوحدها، وإنما أمام تعدد في مراكز التأثير في السياسة الإسبانية تجاهه. وهذا معناه أن الشراكة مع المغرب لم تعد موضوع إجماع بين مراكز القوى والتأثير في إسبانيا، وأنها لا زالت موضوعا للتنافس بين الأحزاب والمؤسسات. وهو تطور خطير يبدو أنه وراء التحذير المغربي، في بيان 10 شتنبر الجاري، من توظيف العلاقة مع المغرب في التجاذبات السياسية الداخلية لإسبانيا. فالرباط، التي تؤكد استمرارها في خيار الشراكة مع إسبانيا، ترفض في المقابل أن تتحول إلى “كبش فداء” في أزمات داخلية إسبانية، أو إلى مجرد ورقة انتخابية. وهذه الرسالة تعكس رغبة في الحفاظ على التفاهم الاستراتيجي، لكنها تتضمن إنذارا بأن استمرار الشراكة يفترض احترام التوازنات السياسية التي قامت عليها.

والواقع أن قوة شراكة 2022 ستُقاس الآن بقدرتها على تجاوز هذا الاختبار. فقد نجح البلدان في مرحلة سابقة في فصل الملفات الخلافية عن المصالح المشتركة، لكن أزمة سبتة والتطورات المتعلقة بالصحراء أعادت ربط هذه الملفات ببعضها. وإذا تحولت سبتة إلى ورقة في الصراع الحزبي الإسباني، وأصبحت الصحراء مجالا لمبادرات برلمانية متعارضة مع حسابات الرباط، فإن الثقة التي تشكلت خلال السنوات الماضية ستكون أمام اختبار حقيقي.

ومع ذلك، لا تبدو القطيعة خيارا مرجحا في المدى القريب، لأن المصالح المتبادلة بين البلدين أكبر من أن تسمح بسهولة بالعودة إلى أجواء الأزمات السابقة. فإسبانيا تحتاج إلى التعاون المغربي في ملفات استراتيجية، والمغرب بدوره يستفيد من شراكة اقتصادية وسياسية مهمة مع مدريد. ولذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً ليس انهيار الشراكة، وإنما إعادة التفاوض حول قواعدها وحدودها، بحيث قد تحاول الرباط ضمان عدم تحويل الملفات السيادية إلى أدوات في السياسة الداخلية الإسبانية، بينما تسعى مدريد إلى الحفاظ على تعاونها مع المغرب من دون تقديم تنازلات فيما تدعي أنه قضايا سيادة وطنية. وإذا تمكن البلدان من فصل الخلافات حول سبتة والصحراء عن المصالح الاستراتيجية المشتركة، فقد تظل الأزمة عابرة. أما إذا استمرت هذه الملفات في التداخل مع الصراع السياسي الداخلي الإسباني، فإن العلاقة قد تدخل مرحلة جديدة، لا تقوم على القطيعة، وإنما على شراكة أكثر براغماتية، وأقل اعتمادا على الثقة السياسية التي ميزت مرحلة ما بعد 2022.

الرباط ومدريد.. شراكة تحت الضغط صوت المغرب.

مشاهدة الرباط ومدريد شراكة تحت الضغط

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الرباط ومدريد شراكة تحت الضغط قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الرباط ومدريد.. شراكة تحت الضغط.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار