بقلم : د.ياسمين جمال (باحثة دكتوره في الإعلام الرقمي، جامعة عين شمس)
لم يعد الوصول إلى المعلومات يمثل تحديًا كبيرًا أمام الأطفال والمراهقين كما كان في السابق. فالمعلومة التي كانت تحتاج إلى ساعات من البحث في الكتب والمراجع أصبحت اليوم متاحة خلال ثوانٍ، وبمجرد كتابة سؤال في محرك البحث أو تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي يمكن للطالب أن يحصل على عشرات الإجابات والروابط ومقاطع الفيديو. لكن وسط هذا التدفق الهائل للمعلومات، يظهر سؤال أكثر أهمية: هل يعرف أبناؤنا كيف يتحققون مما يجدونه؟ فامتلاك القدرة على البحث لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على التحقق. وقد يكون الطفل أو المراهق سريعًا جدًا في الوصول إلى معلومة، لكنه لا يمتلك الأدوات الكافية للحكم على مصدرها أو معرفة ما إذا كانت دقيقة، أو قديمة، أو مبتورة من سياقها، أو حتى مصممة بهدف التضليل. وهنا يظهر أحد أكبر التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة في العصر الرقمي. فالأطفال والمراهقون نشأوا في بيئة أصبحت فيها المعلومة متاحة بصورة غير مسبوقة، لكن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة الوعي. فقد يجد الطالب مقطع فيديو يحظى بملايين المشاهدات، فيفترض تلقائيًا أنه صحيح. وقد يقرأ منشورًا يحمل عنوانًا مثيرًا، فيشاركه مع أصدقائه دون أن يتوقف لحظة ليسأل: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل توجد مصادر أخرى موثوقة تؤكدها؟ ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، أصبحت المعلومة لا تصل إلى المستخدم في صورتها التقليدية فقط، وإنما تأتي في شكل فيديو قصير، أو صورة، أو عنوان مثير، أو تعليق من مؤثر، أو رسالة يتم تداولها داخل مجموعات الدردشة. وهذا يجعل عملية التحقق أكثر صعوبة، خاصة بالنسبة للأطفال والمراهقين الذين قد ينجذبون إلى المحتوى بسبب طريقة تقديمه أكثر من قيمة المعلومات التي يحتوي عليها. ولا تتوقف المشكلة عند مواقع التواصل الاجتماعي، فالذكاء الاصطناعي أضاف تحديًا جديدًا إلى المشهد. فالأدوات الذكية تستطيع تقديم إجابات سريعة ومنظمة ومقنعة، لكن صياغة الإجابة بصورة جيدة لا تعني بالضرورة أن كل ما تحتويه صحيح. ولذلك، يحتاج الطالب إلى أن يتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساعدة، وليس مصدرًا نهائيًا للحقيقة. ومن هنا، أصبحت التربية الإعلامية والرقمية ضرورة أساسية في حياة الطفل، وليست مهارة إضافية يمكن تأجيلها. فالطفل اليوم لا يحتاج فقط إلى تعلم كيفية البحث عن المعلومات، وإنما يحتاج إلى تعلم كيفية تقييمها، ومقارنة المصادر، وفهم السياق، والتفرقة بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والإعلان، وبين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصمم للتأثير في مشاعره. كما أن الأسرة تلعب دورًا مهمًا في بناء هذه المهارات. فبدلًا من أن يكتفي الوالدان بالقول لأبنائهم: “لا تصدقوا كل ما ترونه على الإنترنت”، يمكن تحويل المواقف اليومية إلى فرص للتعلم. فعندما يعرض الطفل معلومة مثيرة، يمكن أن نسأله: من أين جاءت؟ لماذا تعتقد أنها صحيحة؟ هل وجدتها في مصدر آخر؟ وهل هناك جهة رسمية أو متخصصة تحدثت عنها؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكون أكثر فاعلية من المنع؛ لأنها تدرب الطفل على التفكير قبل التصديق. كما أن المدرسة مطالبة بأن تتجاوز مفهوم البحث التقليدي الذي يعتمد أحيانًا على جمع المعلومات ونسخها، إلى تدريب الطلاب على تقييم المصادر وتحليلها. فالبحث الحقيقي لا ينتهي عند العثور على المعلومة، بل يبدأ بعد العثور عليها. ومن المهم أيضًا أن يتعلم الطالب أن مصدر المعلومة لا يقل أهمية عن المعلومة نفسها. فليس كل موقع إلكتروني مصدرًا موثوقًا، وليس كل شخص لديه آلاف المتابعين خبيرًا، وليس كل صورة دليلًا، وليس كل فيديو يعكس الحقيقة كاملة. وفي عالم تتنافس فيه المنصات على جذب الانتباه، أصبحت العناوين المثيرة والمعلومات الصادمة أكثر قدرة على الانتشار. ولذلك، قد تكون المعلومة الكاذبة أسرع انتشارًا من المعلومة الصحيحة، خصوصًا إذا أثارت الخوف أو الغضب أو الفضول. وهنا يظهر دور الإعلام المهني، الذي لا تتمثل مهمته في نقل المعلومات فقط، وإنما في مساعدة الجمهور على فهمها ووضعها في سياقها الصحيح. كما أن وسائل الإعلام مطالبة بتقديم نماذج عملية للتحقق من الأخبار والمعلومات، خاصة في المحتوى الموجه إلى الأطفال والمراهقين. والأهم أن نغير مفهومنا عن الطالب “المتفوق” في عصر التكنولوجيا. فالتفوق لم يعد في القدرة على الوصول إلى أكبر عدد من المعلومات، لأن الوصول أصبح سهلًا للجميع، وإنما في القدرة على اختيار المعلومة الصحيحة، وفهمها، وتحليلها، واستخدامها بصورة مسؤولة. فالمستقبل لن يحتاج فقط إلى جيل يستطيع أن يبحث بسرعة، وإنما إلى جيل يعرف متى يتوقف، ويسأل، ويدقق، ويشكك بطريقة علمية قبل أن يصدق أو ينشر. لذا، فإن أكبر تحديات العصر الرقمي ليست ندرة المعلومات، وإنما وفرتها الهائلة. وبين ملايين النتائج ومئات المقاطع وآلاف المنشورات، يصبح الوعي هو الأداة الأهم. علينا أن نعلّم أبناءنا أن أول نتيجة في محرك البحث ليست بالضرورة أفضل نتيجة، وأن عدد المشاهدات لا يساوي الحقيقة، وأن انتشار المعلومة لا يمنحها المصداقية. فجيل المستقبل لا يحتاج فقط إلى أن يعرف أين يجد المعلومة… بل يحتاج أن يعرف كيف يعرف أنها تستحق أن تُصدَّق.
ظهرت المقالة جيل يعرف كيف يبحث.. لكنه لا يعرف كيف يتحقق ! أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة جيل يعرف كيف يبحث لكنه لا يعرف كيف يتحقق
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ جيل يعرف كيف يبحث لكنه لا يعرف كيف يتحقق قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، جيل يعرف كيف يبحث.. لكنه لا يعرف كيف يتحقق !.
في الموقع ايضا :