متى تصير ملفات "الإسلام والهجرة" خارج اللعبة السياسية في أوروبا؟ ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

ليس المقصود هنا التقليل من أهمية هذه القضايا أو إنكار الأسئلة التي تطرحها. فالهجرة قضية مرتبطة بالديموغرافيا وسوق العمل والحدود والأمن والسياسات الاجتماعية، كما أن وجود الإسلام في المجتمعات الأوروبية يطرح مسائل تتصل بحرية المعتقد والعلمانية والتعليم والمجال العام. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول هذه الملفات من قضايا عمومية تحتاج إلى سياسات دقيقة وطويلة المدى إلى مادة انتخابية جاهزة يعاد استخدامها في كل استحقاق، وكأنها قادرة وحدها على تفسير التحولات التي يعيشها المجتمع الأوروبي.

فالحجاب يمكن أن يكون موضوعا مشروعا للنقاش القانوني والفلسفي حول الحرية الفردية والعلمانية والمجال العام، لكن جعله مدخلا شبه دائم للحديث عن الإسلام يحجب اتساع التجربة الإسلامية الأوروبية. فالمسلم الأوروبي يمكن أن يكون طبيبا أو مهندسا أو أستاذا جامعيا أو باحثا في الذكاء الاصطناعي أو رياضيا أو كاتبا أو ناشرا أو رجل أعمال أو موظفا في مؤسسة عمومية، كما يمكن أن يكون عاملا في مصنع أو مستشفى أو شركة تكنولوجية. هذه ليست حالات استثنائية، وإنما مظاهر لتحول اجتماعي يجعل الإسلام جزءا من الحياة الأوروبية اليومية.

المفارقة أن هذا الواقع الاجتماعي والاقتصادي الجديد يتزامن مع تحول أكبر بكثير يطرق أبواب أوروبا، وهو التحول الذي يحدث في معنى العمل نفسه. فالذكاء الاصطناعي لا يغير بعض المهن فحسب، وإنما يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعمل والإنتاج، فيما أصبحت الخوارزميات تدخل في التوظيف وتقييم الأداء وتوزيع المهام ومراقبة الإنتاجية. ومع توسع اقتصاد المنصات، ظهرت أشكال جديدة من العمل لم تعد تشبه العلاقة التقليدية بين العامل والمقاولة، من سائقي Uber إلى العاملين عبر Deliveroo وGlovo، ومن العامل المستقل رقميا إلى المهن التي أصبحت المنصة والخوارزمية تحددان جانبا مهما من شروط ممارستها.

ربما يكمن جزء من تفسير هذه المفارقة في أن قضايا الهوية أكثر قابلية للاختزال في شعار انتخابي من القضايا الاقتصادية والاجتماعية المعقدة. فالهجرة والإسلام يمكن تقديمهما في صورة بسيطة تستثير الانتماء والخوف والاختلاف، بينما يتطلب الحديث عن الذكاء الاصطناعي وسوق العمل والتعليم والتقاعد والسكن تصورا متكاملا يمتد لسنوات طويلة. السياسة الانتخابية تميل بطبيعتها إلى القضايا التي يمكن تحويلها بسرعة إلى رسائل واضحة، بينما تحتاج التحولات العميقة إلى نقاش هادئ وإلى قدرة على تحمل كلفة القرارات التي لا تظهر نتائجها فورا.

أزمة السكن، مثلا، لا يمكن اختزالها في الهجرة، لأنها ترتبط أيضا بأسعار العقار، ونقص العرض، وتحولات المدن، وأسعار الفائدة، والاستثمار العقاري، وسياسات التخطيط. وكذلك سوق العمل لا يمكن تفسيره فقط بعدد المهاجرين، لأنه يتأثر بالشيخوخة السكانية، ونقص المهارات، والتحول التكنولوجي، وتراجع بعض الصناعات، وصعود اقتصاد المنصات. أما مستقبل التعليم، فهو مرتبط بالذكاء الاصطناعي والتحولات المعرفية بقدر ارتباطه بالتركيبة الديموغرافية للمجتمع.

في هذا السياق يصبح وجود المسلمين في أوروبا جزءا من سؤال أوسع يتعلق بكيفية إدارة مجتمع متنوع دينيا وثقافيا. لقد انتقلت المسألة من مرحلة السؤال عما إذا كان المسلمون يستطيعون الاندماج إلى مرحلة أكثر تعقيدا تتعلق بكيفية تنظيم التعدد داخل المجتمع نفسه. وهذا التحول لا يعني اختفاء الخلافات حول العلمانية أو الرموز الدينية أو حرية التعبير أو التعليم، لكنه يعني أن هذه الخلافات ينبغي أن تناقش باعتبارها قضايا داخل المجتمع الأوروبي، لا باعتبارها مشكلة خارجية مصدرها جماعة وافدة.

لذلك، فإن النقاش الأوروبي يحتاج إلى الانتقال من سؤال الوجود إلى سؤال المشاركة. لم يعد السؤال الأساسي هو: هل يوجد المسلمون في أوروبا؟ وإنما: كيف يشاركون في بناء أوروبا التي تتشكل أمام أعين الجميع؟ فوجودهم في الطب والهندسة والمعلوماتية والجامعات والرياضة والأدب والنشر والاقتصاد ليس مجرد دليل على الاندماج، بل هو جزء من الإنتاج الاجتماعي والثقافي والاقتصادي للمجتمعات الأوروبية نفسها.

من هنا، فإن السؤال عن موعد خروج الإسلام والهجرة من “اللعبة السياسية” لا يعني اختفاءهما من السياسة، وإنما يعني انتقالهما من خانة الاستثناء إلى خانة السياسة العمومية العادية. يصبح الإسلام ملفا من ملفات المواطنة والحريات والتنظيم الديني، وتصبح الهجرة ملفا من ملفات الديموغرافيا وسوق العمل والحدود والتعاون الدولي، مثلما يصبح التعليم ملفا لإعداد الأجيال لعصر الذكاء الاصطناعي، ويصبح السكن ملفا للتخطيط الحضري، والعمل ملفا لإعادة بناء العقد الاجتماعي.

هذه هي الأسئلة التي ستصنع أوروبا المقبلة. أما الإسلام والهجرة، فسيظلان جزءا من المشهد، لكنهما لن يكونا المشهد كله.

عندها لن يختفي الإسلام من النقاش الأوروبي، ولن تختفي الهجرة من أجندته، لكنهما سيفقدان وظيفتهما كموضوعين انتخابيين قادرين على ابتلاع بقية الأسئلة. وسيصبح ذلك، في حد ذاته، علامة على أن السياسة الأوروبية بدأت أخيرا تناقش المستقبل الذي ينتظرها، بدلا من إعادة إنتاج المخاوف التي تنتمي إلى الماضي.

متى تصير ملفات "الإسلام والهجرة" خارج اللعبة السياسية في أوروبا؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة متى تصير ملفات الإسلام والهجرة خارج اللعبة السياسية في أوروبا

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ متى تصير ملفات الإسلام والهجرة خارج اللعبة السياسية في أوروبا قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، متى تصير ملفات "الإسلام والهجرة" خارج اللعبة السياسية في أوروبا؟.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار