على الرغم من الحديث الرسمي عن تقدم في المفاوضات واستمرار التواصل، فإنّ الاجتماعات الأخيرة لم تُنهِ الخلاف بين مصرف لبنان وصندوق النقد، بل أظهرت أنّ مجموعة من المسائل الأساسية لا تزال مفتوحة، وأنّ الوصول إلى صيغة نهائية لقانون الفجوة المالية يتطلب أولاً التوصل إلى تفاهم على توزيع المسؤوليات بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، قبل الانتقال إلى تحديد مصير القطاع ومصير عشرات مليارات الدولارات من أموال المودعين
خاص “هنا لبنان”
لم تنجح اجتماعات بعثة صندوق النقد الدولي الأخيرة في بيروت في إقفال النقاش حول قانون الفجوة المالية، بل أظهرت استمرار خلافات جوهرية بين الصندوق وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد حول مجموعة من البنود التي تتصل مباشرة بمصير القطاع المصرفي، وآلية معالجة المصارف، وتراتبية توزيع الخسائر، وصولاً إلى حجم الودائع الممكن إعادتها للمودعين والفترة الزمنية اللازمة لذلك.
وكانت بعثة صندوق النقد، برئاسة إرنستو راميريز ريغو، قد زارت بيروت بين 15 و18 أيلول 2026، وعقدت سلسلة اجتماعات مع المسؤولين اللبنانيين المعنيين بالملفات المالية والمصرفية. وشارك في الاجتماع الختامي في وزارة المالية وزير المال ياسين جابر، ووزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط، وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، إلى جانب ممثلين عن رئاستي الجمهورية والحكومة وفريق الصندوق. وأكد البيان الختامي للبعثة أنّ النقاش سيستمر حول التعديلات المطلوبة على قانون الاستقرار المالي واسترداد الودائع، ما يعكس أنّ الصيغة النهائية لم تُحسم بعد.
إلا أنّ خلف العبارات الدبلوماسية التي رافقت انتهاء الزيارة، بقيت نقاط خلاف أساسية من دون حل. إحدى أبرز العقد تمثلت في إصرار صندوق النقد على إدخال مفهوم “المدير المؤقت” إلى المصارف اللبنانية، بحيث يتم تعيين مديرين مؤقتين للمصارف التي تدخل في مسار إعادة الهيكلة. وهذا الطرح أثار اعتراضاً واضحاً لدى حاكم مصرف لبنان، انطلاقاً من اعتباره أنّ إدارة أوضاع المصارف والإشراف عليها تدخل أساساً ضمن صلاحيات السلطة النقدية والرقابية اللبنانية، وأنّ إخضاع اختيار هؤلاء المديرين لموافقة خارجية من شأنه أن يمس بصلاحيات مصرف لبنان في تنظيم القطاع.
واللافت، وفق المعلومات المتعلقة بكواليس المفاوضات، أنّ أصل هذا الاقتراح لم يبدأ من صندوق النقد نفسه، بل طُرح أولاً من دائرة ضيقة قريبة من وزير المال ياسين جابر، قبل أن يتحول إلى مطلب يتمسك به الصندوق خلال المفاوضات. ومن وجهة نظر مصرف لبنان، فإنّ هذه الآلية لا تتوقف عند حدود إدارة المصارف، بل يمكن أن تؤدي عملياً إلى فرض نوع من الوصاية على القرارات المتعلقة بالمصارف، وبالتالي على الجهة المؤتمنة على أموال المودعين.
من يقرر أنّ المصرف أفلس؟
النقطة الثانية، وربما الأكثر حساسية، تتعلق بآلية تحديد ما إذا كان المصرف قابلاً للاستمرار أو يجب اعتباره متعثراً وصولاً إلى تصفيته. مقاربة صندوق النقد تدفع باتجاه تسريع هذه العملية، بحيث يكون قرار الهيئة المصرفية العليا كافياً للانتقال إلى المرحلة النهائية في معالجة المصرف المتعثر. في المقابل، يتمسك حاكم مصرف لبنان كريم سعيد بمقاربة تمنح كل مصرف فرصة فعلية قبل تقرير مصيره، من خلال تقديم خطة لإعادة الرسملة وتأمين السيولة ضمن مهل واضحة ومحددة، على أن يتم بعدها تقييم قدرة المصرف على الاستمرار قبل اتخاذ قرار نهائي بحقه. ولا يقتصر الخلاف على الآلية فحسب، بل يصل إلى الجهة صاحبة القرار. فالصندوق يتمسك بدور الهيئة المصرفية العليا في اتخاذ القرار المتعلق بمصير المصرف، فيما يصر حاكم مصرف لبنان على أن تبقى الكلمة الأساسية لمصرف لبنان بصفته الجهة المنظمة والمشرفة على القطاع المصرفي. وبالتالي، فإنّ الخلاف هنا ليس تقنياً فقط، بل يتعلق أيضاً بتوزيع الصلاحيات وبالسؤال الأساسي: من يملك حق تقرير أنّ مصرفاً ما لم يعد قابلاً للحياة؟
خلاف على تراتبية الالتزامات وتوزيع الخسائر
أما الخلاف الأكثر تعقيداً، فيبقى مرتبطاً بتراتبية الالتزامات وكيفية توزيع أعباء الفجوة المالية. مقاربة صندوق النقد تقوم بداية على تحميل رساميل المصارف الخسائر، ثم احتساب مساهمة الدولة وتحديد حجم الفجوة المتبقية، على أن تُمنح المصارف بعد ذلك مهلة قد تمتد بين أربع وخمس سنوات لإعادة تكوين رساميلها.
هذه المقاربة لم تلق، وفق المعطيات المتوافرة عن الاجتماعات، اعتراضاً أساسياً من وزير المال ياسين جابر أو وزير الاقتصاد عامر البساط، إلا أنها تواجه رفضاً حاداً من القطاع المصرفي ومصرف لبنان. فوجهة نظر المصارف تقوم على أنّ شطب الرساميل بصورة واسعة في بداية العملية سيجعل عدداً كبيراً من المصارف غير قابل للاستمرار أساساً، وبالتالي يصبح الحديث لاحقاً عن إعادة رسملتها خلال أربع أو خمس سنوات نظرياً أكثر منه عملياً. وبحسب هذه المقاربة، فإنّ تصفير أو استنزاف رساميل المصارف من البداية قد يؤدي عملياً إلى إفلاسها بدلاً من إعادة تأهيلها، بما ينعكس حكماً على قدرة هذه المصارف على إعادة الودائع.
إعادة الهيكلة أولاً أم قانون الفجوة؟
نقطة خلاف إضافية برزت حول توقيت تطبيق قانون إعادة هيكلة المصارف. فصندوق النقد يدفع باتجاه البدء سريعاً في تطبيق قانون إعادة الهيكلة، في وقت يتمسك مصرف لبنان بضرورة ربط المسارين، انطلاقاً من أنّ إعادة هيكلة المصارف لا يمكن فصلها عن القانون الذي سيحدد حجم الفجوة المالية، والجهات المسؤولة عنها، وكيفية توزيع الالتزامات بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف. ومن هنا، يعتبر حاكم مصرف لبنان أنّ قانون الفجوة يجب أن يسبق التطبيق الواسع لإعادة هيكلة المصارف، وأنّ عملية إعادة الهيكلة يفترض أن تتم ضمن مسار طويل ومنظم بعد وضوح الأرقام والمسؤوليات وآلية معالجة الودائع.
أما الصندوق فيدفع باتجاه تسريع تطبيق آليات إعادة الهيكلة من دون انتظار انتهاء كل مراحل قانون الفجوة. وهذه النقطة تحديداً تعكس اختلافاً جوهرياً في فلسفة المعالجة: هل تبدأ العملية من تحديد حجم الفجوة، وتوزيع المسؤوليات، ووضع خطة واقعية لحماية الودائع واستدامة القطاع، ثم معالجة كل مصرف على هذا الأساس؟ أم تبدأ أولاً بتقييم المصارف واتخاذ الإجراءات بحق غير القابل منها للاستمرار، فيما يُستكمل لاحقاً توزيع أعباء الفجوة؟
البدء بإجراءات قد تقود إلى إخراج عدد من المصارف من السوق قبل حسم توزيع المسؤوليات المالية يثير مخاوف من أن تتحول إعادة الهيكلة عملياً إلى مسار لتصفية جزء واسع من القطاع، بدلاً من إعادة بنائه على أسس تسمح له بالاستمرار وحماية حقوق المودعين.
الـ100 ألف دولار… لا اتفاق بعد
أما ملف الودائع، وخصوصاً ما يُطرح حول ضمان استعادة كل مودع مبلغاً يصل إلى 100 ألف دولار، فلم يصل بدوره إلى خواتيمه. ووفق الأرقام التي يعتمد عليها مصرف لبنان في مقاربته، يبلغ الحجم المرتبط بالالتزامات موضوع المعالجة تجاه المصارف والمودعين نحو 79.5 مليار دولار. إلا أن مصرف لبنان يتحدث في الوقت نفسه عن شوائب تطال نحو 30 في المئة من هذا الحجم، ما يمكن أن يؤدي، بعد التدقيق والمعالجة، إلى استبعاد ما يقارب 23 مليار دولار من إجمالي المبالغ المحتسبة ضمن الفجوة.
لكن حتى بعد حسم هذه النقطة، تبقى المشكلة الأساسية في حجم السيولة المتوافرة فعلياً وفي قدرة النظام المالي على الالتزام بسقف زمني واقعي لسداد الودائع.
وهنا يرفض مصرف لبنان إعطاء التزام لا يملك القدرة على تنفيذه. فوفق المقاربة المطروحة، من غير الواقعي الالتزام بسداد 100 ألف دولار لكل مودع خلال أربع سنوات في ظل مستوى السيولة الحالي. ومن بين السيناريوهات التي تتم دراستها، إمكان الحديث عن نحو 60 ألف دولار خلال أربع سنوات، أو البحث في سقف 100 ألف دولار على فترة أطول قد تصل إلى سبع سنوات.
لكن أي خيار من هذين الخيارين يبقى مرتبطاً بعنصر أساسي آخر: مساهمة الدولة اللبنانية. فمصرف لبنان يعتبر أنّ أي خطة قابلة للتطبيق لا يمكن أن تقوم على تحميل المصرف المركزي والمصارف وحدهما كامل العبء، بل يجب أن تقدم الدولة مقاربة واضحة وعادلة وقابلة للتنفيذ لتسديد الجزء الذي سيترتب عليها من الالتزامات. ومن دون تحديد هذه المساهمة، يصبح من الصعب تثبيت أي رقم نهائي أو مهلة زمنية نهائية للمودعين. وقد بدا هذا الحذر واضحاً أيضاً في الموقف العلني لسعيد بعد الاجتماعات، حين شدد على ضرورة اعتماد آلية “عقلانية” لإعادة الودائع تقوم على الالتزام بما يمكن تنفيذه فعلياً، وتجنب إعطاء المودعين وعوداً لا يمكن الوفاء بها.
الخلاف أبعد من رقم الودائع
المفاوضات مع صندوق النقد لم تعد محصورة بالسؤال عن حجم الفجوة أو سقف الـ100 ألف دولار فقط. الخلاف الفعلي بات يمتد إلى صلب النموذج الذي ستُدار على أساسه الأزمة: من يملك القرار في المصارف؟ من يحدد المصرف القابل للحياة من غيره؟ هل تبدأ المعالجة بشطب الرساميل أم بإعادة الرسملة؟ هل يبدأ تطبيق قانون إعادة هيكلة المصارف فوراً أم بعد حسم قانون الفجوة؟ ما حجم مساهمة الدولة؟ وكم يمكن فعلياً دفعه للمودعين، وعلى أي فترة زمنية؟
ولهذا، وعلى الرغم من الحديث الرسمي عن تقدم في المفاوضات واستمرار التواصل، فإنّ الاجتماعات الأخيرة لم تُنهِ الخلاف بين مصرف لبنان وصندوق النقد، بل أظهرت أنّ مجموعة من المسائل الأساسية لا تزال مفتوحة، وأنّ الوصول إلى صيغة نهائية لقانون الفجوة المالية يتطلب أولاً التوصل إلى تفاهم على توزيع المسؤوليات بين الدولة ومصرف لبنان والمصارف، قبل الانتقال إلى تحديد مصير القطاع ومصير عشرات مليارات الدولارات من أموال المودعين.
الخلاف مستمر مع صندوق النقد… من يقرّر مصير المصارف والودائع؟ هنا لبنان.
مشاهدة الخلاف مستمر مع صندوق النقد hellip من يقر ر مصير المصارف والودائع
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الخلاف مستمر مع صندوق النقد من يقر ر مصير المصارف والودائع قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هنا لبنان ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الخلاف مستمر مع صندوق النقد… من يقرّر مصير المصارف والودائع؟.
في الموقع ايضا :
- رئيس الحكومة نواف سلام إلتقي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في نيويورك وبحث معه الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد "اليونيفيل" وسبل دعم نحو 329 ألف نازح
- ذاكرة وطن لا تنسى البناة.. لفتة الوفاء الكبرى بتخليد اسم الأمير مساعد بن عبد الرحمن - محمد بن عبدالله آل شملان
- "تسنيم" عن وزير الاقتصاد الإيراني: نتفاوض مع الدول المجاورة لتسهيل حركة الواردات والخروج من الظروف الصعبة