قمة “ترامب” و”شي جين بينج”.. بين صراع المصالح وفرص التفاهم ...مصر

اخبار عربية بواسطة : (جريده المساء) -

بقلم: أ.د. حسن رجب (أستاذ الدراسات الصينية مدير معهد كونفوشيوس بجامعة قناة السويس ـ عضو المجلس المصري للشئون الخارجية)

تتجه أنظار العالم إلى واشنطن، في 24 سبتمبر الجاري، حيث يلتقي الرئيس الصيني شي جين بينج والرئيس الأمريكي دونالد ترامب  في قمة تأتي في واحدة من أكثر اللحظات الدولية تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة. فالمنافسة بين بكين وواشنطن لم تعد تقتصر على التجارة والرسوم الجمركية، وإنما امتدت إلى التكنولوجيا والرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وسلاسل الإمداد، بينما تظل قضية تايوان نقطة التماس الأكثر حساسية بين القوتين. وإلى جانب ذلك، تفرض التطورات الإقليمية، وفي مقدمتها الحرب في إيران وتداعياتها على أسواق الطاقة والتجارة الدولية، نفسها على حسابات القمة.

ومن ثم، فإن قمة واشنطن لا تبدو مجرد لقاء بين زعيمين، وإنما تمثل اختبارًا جديدًا لقدرة الصين والولايات المتحدة على إدارة التنافس الاستراتيجي بينهما، ومنع تحوله إلى صدام مفتوح. وفي هذا السياق، تأتي زيارة شي جين بينج إلى واشنطن في إطار السعي إلى تعزيز الحوار، وإدارة الخلافات، والحفاظ على مساحات التعاون رغم اتساع نطاق التنافس.

ويحتل الملف التجاري موقعًا متقدمًا في الحسابات الأمريكية؛ إذ يسعى ترامب إلى الحفاظ على الهدنة الجمركية، وزيادة صادرات الولايات المتحدة إلى السوق الصينية، خصوصًا المنتجات الزراعية والطائرات، إلى جانب ضمان استمرار تدفق المعادن الأرضية النادرة التي تحتاج إليها الصناعات الأمريكية. وتمثل مشتريات الصين من فول الصويا والمنتجات الزراعية الأمريكية أحد الملفات التي يمكن أن تحقق مكاسب اقتصادية مباشرة للمزارعين الأمريكيين، كما أن زيادة الواردات الصينية من السلع الأمريكية قد تمنح الإدارة الأمريكية نتائج ملموسة يمكن الاستناد إليها داخليًا.

وفي المقابل، تسعى بكين إلى منع عودة الحرب التجارية إلى مستوياتها السابقة، والحصول على قدر أكبر من الاستقرار والقدرة على التنبؤ بالسياسة التجارية الأمريكية. فالهدنة التجارية تظل قابلة للاهتزاز، ومع اقتراب موعد انتهائها في نوفمبر، يصبح تمديدها أو تثبيتها أحد أهم أهداف الجانب الصيني. وهكذا تبدو المعادلة التجارية واضحة: واشنطن تريد زيادة صادراتها ومشترياتها الصينية، بينما تسعى بكين إلى رسوم أقل وبيئة تجارية أكثر استقرارًا.

لكن التجارة ليست سوى الجانب الأكثر ظهورًا في العلاقة؛ فالتنافس انتقل إلى مستوى أكثر عمقًا في مجال التكنولوجيا. فالولايات المتحدة تسعى إلى الحد من وصول الشركات الصينية إلى بعض التقنيات والرقائق المتقدمة التي يمكن استخدامها في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والصناعات الحساسة، بينما ترى الصين أن هذه القيود تعرقل مسار تطورها التكنولوجي وتحد من قدرتها على المنافسة في القطاعات المستقبلية.

ويحتل الذكاء الاصطناعي مكانة متزايدة في حسابات البلدين، ليس باعتباره قطاعًا اقتصاديًا واعدًا فحسب، وإنما لارتباطه بالأمن القومي والدفاع والاقتصاد وسلاسل الإنتاج. ولذلك يبرز الحوار حول المخاطر المرتبطة بهذه التكنولوجيا باعتباره أحد المجالات التي يمكن أن تتيح استمرار التواصل بين الطرفين، حتى في ظل الخلافات الاستراتيجية. كما تمثل الرقائق الإلكترونية المتقدمة إحدى أكثر القضايا تعقيدًا، في ظل سعي واشنطن إلى الحفاظ على تفوقها التكنولوجي، ومحاولة بكين تقليص القيود المفروضة على وصول شركاتها إلى أحدث التقنيات.

ولا يتوقف التنافس التكنولوجي عند الرقائق والذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى السيارات الكهربائية والبطاريات وسلاسل الإمداد المرتبطة بها. فقد أصبحت الصين قوة صناعية رئيسية في هذه المجالات، وهو ما يثير في الولايات المتحدة نقاشات متزايدة حول المنافسة الصناعية والتجارة والأمن الاقتصادي. وبذلك تتداخل التكنولوجيا والصناعة والتجارة في معادلة واحدة تعكس التحول في طبيعة التنافس بين القوتين.

وتضيف التطورات الإقليمية والدولية بُعدًا آخر إلى حسابات القمة، وفي مقدمتها الحرب في إيران وما تفرضه من تداعيات على أسعار النفط وأمن الإمدادات وحركة التجارة الدولية. وقد تسعى واشنطن إلى دور صيني أكبر في التعامل مع تداعيات الحرب، مستفيدة من علاقات بكين الاقتصادية مع طهران، بينما تركز الصين على الحفاظ على استقرار أسواق الطاقة وحماية مصالحها الاقتصادية. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة بالنسبة إلى الصين باعتبارها من أكبر مستوردي الطاقة في العالم، وهو ما يجعل اضطراب منطقة الخليج مسألة ذات تأثير مباشر على اقتصادها.

ومن هنا، قد يبحث ترامب عن مساهمة صينية أكبر في الحد من تداعيات الأزمة الإيرانية، في حين ستسعى بكين إلى تجنب أي ترتيبات تهدد علاقاتها مع طهران أو أمن إمدادات الطاقة. ويكشف هذا الملف عن التشابك المتزايد بين القضايا الدولية؛ فالحرب تؤثر في الطاقة، والطاقة تؤثر في التجارة، والتجارة ترتبط باستقرار الاقتصادين الصيني والأمريكي.

غير أن تايوان تظل القضية الأكثر حساسية في العلاقة بين بكين وواشنطن. فالصين تعتبرها قضية مرتبطة بالسيادة والوحدة الوطنية، بينما ترتبط الولايات المتحدة بتشريعات والتزامات تتعلق بقدرة الجزيرة على الدفاع عن نفسها. ولذلك يمثل الدعم العسكري الأمريكي لتايوان مسألة أساسية في الحسابات الصينية، في حين يمثل أمن الجزيرة جزءًا من حسابات الولايات المتحدة الأمنية في شرق آسيا.

وتزداد حساسية هذا الملف في ظل صفقة أسلحة أمريكية مرتقبة لتايوان تقدر قيمتها بنحو 14 مليار دولار، ظل ترامب يؤجلها، ووصفها في وقت سابق بأنها ورقة تفاوضية مع بكين. وفي المقابل، قد تسعى الصين إلى الحصول على موقف أمريكي أكثر وضوحًا بشأن رفض استقلال تايوان، مقابل استعدادها لتقديم تنازلات في بعض الملفات الاقتصادية والتجارية. ومع ذلك، فإن أي تفاهم بشأن تايوان يظل أكثر تعقيدًا من مجرد صفقة تفاوضية، نظرًا لارتباط القضية بحسابات السيادة والأمن والاستقرار الإقليمي.

وفي ضوء هذه الملفات المتشابكة، يدخل ترامب القمة مستهدفًا تمديد الهدنة التجارية، وزيادة الصادرات الأمريكية إلى الصين، وتعزيز المشتريات الصينية من المنتجات الزراعية والصناعية، وضمان تدفق المعادن الحرجة، إلى جانب البحث عن تعاون صيني في ملف إيران، والحفاظ على الحوار بشأن الذكاء الاصطناعي.

أما شي جين بينج، فيبدو معنيًا بدرجة أكبر بالحفاظ على استقرار العلاقة ومنع تجدد الحرب التجارية، وتخفيف القيود الأمريكية على التكنولوجيا المتقدمة، والحفاظ على انفتاح التجارة والاستثمار، إلى جانب وضع قضية تايوان في قلب الحوار الاستراتيجي.

ورغم اختلاف الأولويات، توجد مساحات مشتركة يمكن البناء عليها، خصوصًا عندما تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الحاجة إلى منع مزيد من التصعيد. ومن الصعب توقع تسوية شاملة لجميع الملفات خلال لقاء واحد؛ فبعض القضايا يرتبط بمصالح استراتيجية يصعب على أي من الطرفين التخلي عنها. لكن التوصل إلى تفاهمات محددة بشأن تمديد الهدنة التجارية، وزيادة المشتريات الزراعية، وتسهيل بعض أوجه التجارة والاستثمار، والحفاظ على الحوار حول الذكاء الاصطناعي، وتجنب التصعيد في ملفي الرقائق والمعادن النادرة، يمكن أن يسهم في تحقيق قدر أكبر من الاستقرار.

أما تايوان، فستظل على الأرجح الاختبار الأصعب، ليس فقط بالنسبة إلى العلاقة الثنائية، وإنما بالنسبة إلى الاستقرار الأمني في شرق آسيا. ولذلك فإن كيفية إدارة هذا الملف ستكشف حدود التفاهم الممكن بين واشنطن وبكين، ومدى قدرة الطرفين على الفصل بين استمرار المنافسة الاستراتيجية وبين منع تحولها إلى أزمة مفتوحة.

وتأتي قمة واشنطن في وقت يشهد فيه النظام الدولي إعادة تشكيل عميقة؛ إذ لم تعد الحرب والطاقة والتجارة والتكنولوجيا ملفات منفصلة، بل أصبحت حلقات مترابطة في معادلة القوة العالمية. وكلما ازداد هذا التشابك، ازدادت الحاجة إلى قنوات اتصال فعالة تمنع سوء التقدير، وإلى تفاهمات محددة تحد من احتمالات التصعيد.

وتدرك بكين وواشنطن أن المنافسة بينهما ستستمر، لكن استمرار المنافسة لا يعني بالضرورة الانزلاق إلى الصراع.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الرئيسين لا يتمثل في إنهاء الخلافات، وهو هدف يبدو بعيد المنال في المرحلة الراهنة، وإنما في وضع قواعد لإدارتها، والحفاظ على قنوات الحوار، ومنع الخلاف في ملف واحد من التحول إلى أزمة أوسع تشمل العلاقة برمتها.

إن أهمية القمة لا تكمن فقط في الاتفاقات التي قد تنتج عنها، وإنما في كونها اختبارًا لقدرة القوتين على إدارة التنافس في مرحلة تتزايد فيها مخاطر سوء التقدير وتتداخل فيها الأزمات الإقليمية مع التنافس الاقتصادي والتكنولوجي.

فمن التجارة إلى تايوان، ومن الرقائق إلى الذكاء الاصطناعي، ومن فول الصويا إلى أمن الطاقة، تقف واشنطن أمام معادلة دقيقة تجمع بين المصالح والمخاوف.

وعليه، فإن قمة شي وترامب ليست قمة لإنهاء التنافس بين الصين والولايات المتحدة، لأن هذا التنافس أصبح جزءًا من بنية النظام الدولي، وإنما هي قمة لاختبار قدرة القوتين على إدارته. فالمطلوب ليس إزالة المنافسة، وإنما إبقاؤها تحت السيطرة، والحفاظ على قنوات الاتصال، وتطوير قواعد لإدارة الأزمات، بحيث تكون أدوات الحوار أقوى من دوافع التصعيد.

ومن هنا، فإن القيمة الأهم للقمة قد لا تكون في اتفاق تجاري محدد أو تنازل في ملف بعينه، وإنما في قدرتها على وضع أساس أكثر استقرارًا لإدارة العلاقة بين أكبر قوتين عالميتين. فكل تفاهم محدود يمكن أن يسهم في تخفيف التوتر، وكل نجاح في إدارة الخلاف قد يساعد على حماية المصالح المشتركة والحد من مخاطر الصدام، وفتح مساحة أوسع للاستقرار والتعاون في نظام دولي يشهد مرحلة شديدة الاضطراب.

ظهرت المقالة قمة “ترامب” و”شي جين بينج”.. بين صراع المصالح وفرص التفاهم أولاً على جريدة المساء.

مشاهدة قمة ldquo ترامب rdquo و rdquo شي جين بينج rdquo بين صراع المصالح وفرص

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ قمة ترامب و شي جين بينج بين صراع المصالح وفرص التفاهم قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، قمة “ترامب” و”شي جين بينج”.. بين صراع المصالح وفرص التفاهم.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار