لا يحتاج القوي دائما أن يرفع يده أو يستعمل العنف. يكفي أن يملك شيئا يحتاجه الآخرون: المال، أو الوظيفة، أو الأرض، أو المعلومة، أو التوقيع، أو المعرفة بالشخص المناسب. عندها يصبح الرفض مكلفا، ويصبح القبول شبه إجباري، من دون أن يظهر ذلك للعيان. وهذه من أخطر أشكال السيطرة: أن يشعر الإنسان بأنه اختار، وهو في الحقيقة لم يكن أمامه سوى خيار واحد.
يستغل القوي الآخرين أحيانا باسم “قواعد السوق”. ويحصل صاحب النفوذ على ما لا يحصل عليه غيره بسبب معارفه، ثم يقال إن هذا راجع إلى “الخبرة والكفاءة”. ويفرض المحتكر شروطه لأن الآخرين لا يملكون بديلا، ثم يُقدَّم هذا على أنه منطق اقتصادي طبيعي. تتغير الكلمات، بينما يبقى الواقع كما هو أحيانا، فيتحول الكلام إلى ستار يخفي القوة بدل أن يكشفها.
فإذا كان القانون متاحا للجميع، فإن القدرة على استعماله ليست متساوية. يستطيع من يملك المال أن يخوض معركة قانونية طويلة، بينما يملك شخص آخر الحق نفسه، لكنه لا يملك ثمن المحامي ولا القدرة على تحمل سنوات من التقاضي. وهنا تظهر المفارقة: القانون يساوي بين الناس من حيث المبدأ، لكنهم لا يستطيعون مواجهته بالقدرة نفسها.
ولا تتوقف القوة عند أبواب المحاكم، فهي تدخل المدرسة والجامعة والإدارة ومكان العمل والأسرة والعلاقات الاجتماعية. يحصل شخص على وظيفة لأنه يعرف الشخص المناسب، ويحصل آخر على فرصة لأنه ينتمي إلى شبكة اجتماعية قوية، بينما يبقى ثالث خارج المنافسة، رغم كفاءته، لأنه لا يعرف أصلا كيف يصل إلى الباب. ثم نطلب منه أن يتقبل النتيجة ونقول له: “الحياة منافسة”. وننسى أن بعض الناس يبدأون السباق من خط البداية، بينما يبدأ آخرون منه متأخرين بعدة أمتار.
وتصبح السيطرة أعمق عندما لا يشعر الإنسان بأنه واقع تحت الضغط، لأن الإنسان لا يقاوم بسهولة ما يعتقد أنه طبيعي. فقد يقبل العامل راتبا لا يكفيه لأنه يرى أن البديل أسوأ، وقد يقبل الموظف التهميش خوفا من فقدان عمله، وقد يصمت المواطن أمام قرار ظالم لأنه لا يملك القدرة على مواجهته.
وتظهر أخطر أشكال القوة عندما تتحالف مع المال. عندها تتحول الثروة إلى نفوذ، ويحمي النفوذ الثروة. فمن يملك المال يقترب من مواقع القرار، ويستطيع بذلك حماية مصالحه، وزيادة ثروته، ثم يستعمل هذه الثروة الجديدة لتوسيع نفوذه أكثر. وهكذا يصبح المال وسيلة للحصول على السلطة، وتصبح السلطة وسيلة لحماية المال وزيادته.
تحتاج السلطة إلى شرعية، وتجد في القانون وسيلة تجعل قراراتها مقبولة. فتتحدث عن الأمن والاستقرار والمصلحة العامة والضرورة. لكن هذه القيم قد تتحول أحيانا إلى غطاء؛ فيصبح “الاستقرار” اسما آخر للخوف من التغيير، وقد تصبح “المصلحة العامة” اسما آخر لمصلحة فئة صغيرة، وقد تتحول “الكفاءة” إلى ذريعة لحماية امتيازات قديمة، وقد يتحول “احترام القانون” إلى مطالبة الضعيف بالطاعة، بينما يبحث القوي عن الاستثناء لنفسه.
وهذه نقطة لا تحظى بالاهتمام الكافي. فالقوة الحديثة لا تحتاج إلى مخالفة القانون، بل تفضّل أن تختبئ داخله، وتستعمل مواده وإجراءاته وتعقيداته وثغراته. لذلك يستطيع صاحب النفوذ أحيانا أن يفعل أشياء لا يستطيع غيره فعلها، من دون أن يبدو أنه خالف القانون بوضوح. وهنا يظهر الفرق بين المساواة أمام القانون والمساواة في القدرة على استعمال القانون. الأولى مبدأ، أما الثانية فهي واقع. وقد يكون الفارق بينهما كبيرا جدا.
وفي عصرنا، أصبح الصراع على المعلومة قريبا من الصراع على الثروة، بل امتد إلى الصراع على الصورة والرواية، وعلى من يملك حق تحديد معنى ما يحدث. تقع حادثة واحدة، ثم تُروى بطرق مختلفة. فقد يكون الشخص نفسه ضحية في رواية، ومخطئا في رواية أخرى، وبطلا في رواية ثالثة. وهكذا يصبح الخطاب جزءا من السلطة، وتصبح الكلمات قادرة على تبرير الإقصاء والفقر والتمييز والامتياز.
من يملك القوة يريد أن يجعل الآخرين يعتقدون أنه يملك الحق، سواء كان هذا الحق قانونيا أو سياسيا أو اجتماعيا أو دينيا أو اقتصاديا. وهكذا تبدو القوة مشروعة.
ولا يستطيع الإنسان أن يلغي الصراع بالكامل، ولا أن يمنع وجود الأغنياء والأقوياء وأصحاب النفوذ. لكنه يستطيع أن يمنع القوة من أن تتحول إلى حق مطلق. وهنا تبدأ مهمة الدولة، ومهمة القانون، ومهمة الصحافة، ومهمة المجتمع نفسه.
تتحقق العدالة فعلا عندما يخضع الأقوى للقواعد نفسها التي يُطلب من الضعيف احترامها. وتزداد المشكلة سوءا عندما يصبح الأقوياء فوق القانون، وعندما يستطيع المال شراء ما لا ينبغي أن يُشترى. عندها تتحول القوة إلى قانون غير مكتوب، تكون سلطته قادرة على التأثير لمصلحة القوي. وهنا تبدأ الفجوة بين القانون والعدالة.
حين تصبح القوة قانونا Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة حين تصبح القوة قانونا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين تصبح القوة قانونا قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حين تصبح القوة قانونا.
في الموقع ايضا :
- قصة فيلم وحش الأم The Mother's Monster.. تفاصيل وقصة الفيلم الذي أحدث ضجة
- عاجل: الأمين العام للأمم المتحدة: العقد الاخير شهد حروبا خلفت عواقب مدمرة واستمرت بوحشية مروعة وانتهكت حقوق الإنسان واستخدم الجوع سلاحا
- عاجل: التلفزيون الايراني: السبب وراء قبول طلب ويتكوف لعقد اللقاء كان إبلاغ شروط إيران لإعادة فتح مضيق هرمز