كتب - اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني في عالم تتسارع فيه الأحداث إلى درجة تجعل الأزمة الجديدة تزاحم السابقة قبل أن تجد طريقها إلى الحل، لم يعد السؤال فقط: ماذا يحدث؟ بل أصبح سؤالًا آخر أكثر أهمية: هل نبقى منتبهين لما يحدث؟ هذه ربما كانت إحدى أكثر الرسائل عمقًا في خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين. فالملك لم يتحدث عن «الانتباه» باعتباره مسألة نفسية أو تقنية فحسب، بل باعتباره موردًا سياسيًا واستراتيجيًا؛ لأن مقدار اهتمام العالم بأزمة ما يحدد، إلى حد بعيد، مقدار الضغط الدبلوماسي والسياسي الموجه نحوها، وما إذا كانت ستبقى في صدارة الأجندة أم تتراجع إلى الهامش. وهنا تكمن أهمية الرسالة. عندما يصبح الاعتياد أخطر من الصدمة في بداية الأزمات، يكون العالم حاضرًا: شاشات مفتوحة، اجتماعات طارئة، بيانات ومواقف وضغوط دبلوماسية. لكن مع مرور الوقت يحدث شيء أخطر من الصدمة نفسها: يتحول الاستثناء إلى اعتياد، والطارئ إلى طبيعي، والمؤقت إلى دائم. وقد عبّر الملك عن ذلك بوضوح عندما أشار إلى أن الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة عوملت لسنوات باعتبارها «مؤقتة»، حتى أصبح المؤقت دائمًا، والدائم سياسة. المشكلة، إذن، ليست فقط في استمرار الانتهاكات، وإنما في أن العالم قد يعتاد رؤيتها. وحين يفقد المجتمع الدولي حساسيته تجاه تكرار الانتهاك، يصبح مرور الوقت جزءًا من المشكلة، لا مجرد ظرف محايد. غزة والضفة: حين يصنع غياب الانتباه واقعًا جديدًا كان لافتًا أن الملك رفض التعامل مع غزة والضفة الغربية كمسارين منفصلين، بل وضعهما ضمن واقع واحد يتشكل على الأرض: دمار واسع في غزة، وضم فعلي وتغيير متواصل للوقائع في الضفة. وهنا يصبح الانتباه مسألة سياسية عملية، لا إعلامية فقط. فالاستيطان لا يتوقف لأن العالم منشغل بأزمة أخرى، والتهجير لا ينتظر عودة القضية إلى الصفحات الأولى، والوقائع التي تُفرض على الأرض لا تتراجع تلقائيًا عندما تنطفئ الكاميرات. ولهذا فإن غياب الانتباه لا يعني غياب الحدث. وقد يكون العكس هو الصحيح: كلما انخفض الانتباه الدولي، ازدادت مساحة الفعل أمام من يغيرون الواقع على الأرض. ومن هنا تحذير الملك من أن استمرار هذا المسار يجعل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أكثر صعوبة. الإقليم كله يدفع ثمن غياب الانتباه لم يحصر الملك رسالته في فلسطين، بل وسّعها إلى سوريا ولبنان والمنطقة بأسرها. وتساءل عما إذا كان المجتمع الدولي سيقف متفرجًا إذا استمر النهج الإسرائيلي في جنوب سوريا، مؤكدًا دعم الأردن لأمن سوريا ولبنان وسيادتهما. وهذا ليس تفصيلًا في الخطاب الأردني. فالأردن يتعامل مع المنطقة باعتبارها فضاءً مترابطًا؛ ما يحدث في غزة لا يبقى في غزة، وما يحدث في الضفة لا ينفصل عن تداعياته الإقليمية، وما يحدث في سوريا ولبنان يمس أمن المنطقة واستقرارها. كما أن الحروب لا تتوقف آثارها عند حدودها. فهي تضرب التجارة والطاقة والاستثمار وحركة الناس، وتدفع كلفة عدم الاستقرار إلى مجتمعات قد تكون بعيدة جغرافيًا عن ميادين القتال. ليست كل الأزمات متساوية في زمن الاهتمام لم يطلب الملك من العالم أن يمنح كل أزمة القدر نفسه من الاهتمام؛ فهذا غير ممكن في عالم مزدحم بالصراعات والكوارث. لكنه ميّز بين الاهتمام الفوري والاهتمام المستمر. بعض الأزمات تحتاج إلى تدخل عاجل، لكن أزمات أخرى تحتاج إلى شيء أكثر صعوبة: أن يبقى العالم مهتمًا بها بعد أن تتراجع عن الشاشات. وهذا هو جوهر القضية الفلسطينية. فهي ليست أزمة موسمية تبدأ مع كل تصعيد وتنتهي بانتهاء دورة الأخبار. إنها قضية سياسية وتاريخية مستمرة، وأي تعامل معها وفق منطق الخبر العاجل سيترك جذورها بلا معالجة. ولهذا فإن الظلم الواقع على الفلسطينيين، كما قال الملك، يحتاج إلى الاهتمام الفوري والمستمر معًا. من الانتباه إلى المسؤولية والفعل لكن الانتباه وحده لا يكفي. فالمعنى الحقيقي له هو أن يقود إلى المسؤولية والفعل. إذا رأى العالم الانتهاكات ثم اعتادها، فقدت البيانات قيمتها. وإذا وُضعت القواعد الدولية ثم أصبح تطبيقها متفاوتًا، تآكلت الثقة في المؤسسات التي يفترض أن تحميها. ومن هنا تأتي إحدى القضايا الأعمق في خطاب الملك: مصداقية النظام الدولي نفسه. فالسلام لا يقوم فقط على النصوص والاتفاقات، وإنما على الثقة بأن القواعد ستطبق، وأن المؤسسات ستتمتع بالشرعية، وأن القانون لن يصبح أقوى على طرف وأضعف على طرف آخر. ما الذي لا نراه عندما ننظر في الاتجاه الآخر؟ ربما كانت أعمق جملة في الخطاب تلك التي قال فيها الملك إن التاريخ نادرًا ما يفاجئنا بالكامل؛ بل يفاجئنا غالبًا لأننا كنا ننظر في الاتجاه الخطأ. فما نختار أن نراه مهمًا، وما نسمح له بأن يغيب عن أعيننا، يحدد في النهاية مساحة الفعل الممكن. ولهذا فإن خطاب الملك لم يكن مجرد خطاب آخر عن فلسطين، ولا مجرد تحذير من تطورات المنطقة. لقد كان تذكيرًا بأن ما نتوقف عن الانتباه إليه لا يتوقف بالضرورة عن الحدوث. ففي النهاية، لا يحتاج السلام إلى أن يرى العالم الكارثة فقط عندما تقع؛ بل يحتاج إلى أن يبقى العالم منتبهًا بما يكفي حتى لا تصبح الكارثة أمرًا عاديًا، ولا يتحول المؤقت إلى دائم. .
مشاهدة حين يصبح الانتباه مورد ا استراتيجي ا hellip ماذا أراد الملك أن يقول للعالم
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين يصبح الانتباه مورد ا استراتيجي ا ماذا أراد الملك أن يقول للعالم قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد علىجو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.