الأردن وصندوق النقد: آن الأوان للانتقال من إدارة العجز إلى تغيير النموذج الاقتصادي ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (جو 24) -
كتبت -  د. رلى الحروب  في ضوء الالتزامات الأخيرة الصعبة التي قدمتها الحكومة الأردنية لصندوق النقد الدولي في آخر قرضين اقترضتهما عامي 2024 و 2025 بقيمة 1.9 مليار دولار، والتي كشفت عنها المراجعتان الرابعة والخامسة للقرض الأول والمراجعة الثانية للقرض الثاني المنشورة على موقع الصندوق، فإن أجراس إنذار عدة يجب أن تقرع. هذه الالتزامات ستكلف المواطنين ثمنا باهظا في معيشتهم برفع أسعار الكهرباء والمياه وزيادة الرسوم الجمركية على الكثير من السلع والخدمات، وستلاحقهم في شيخوختهم بآثار خطيرة عبر إجراء تعديلات جراحية واسعة على قانون الضمان الاجتماعي، سبقتها تعديلات في قانون العمل يسرت تسريح العمال من الأعمال المتعثرة، بالإضافة إلى رفع مظاهر الدعم في قطاعي الطاقة والمياه مع الإبقاء على دعم محدود للأشخاص وليس للسلع والخدمات. وقد يتبادر إلى ذهن الكثيرين سؤال ملح هو: لماذا يستمر الأردن في التعامل مع صندوق النقد الدولي؟ ولماذا لا يتوقف عن نهج الاستدانة من هذا الصندوق ، لا سيما وأن كل قرض جديد يقترن بالتزامات قاسية يراها البعض إملاءات؟ ولكن هذا في حقيقة الأمر تبسيط لمشكلة أكثر تعقيداً، وقد يقود إلى استنتاجات اقتصادية غير واقعية. السؤال الحقيقي هو: بعد أربعة عشر عاماً من برامج التصحيح المالي المتعاقبة (منذ عام 2012 حتى تاريخه)، هل نجح النموذج الذي اتبعناه في معالجة الاختلالات التي استدعت هذه البرامج أصلاً؟ وإذا لم يفعل، فهل من المنطقي الاستمرار بالأدوات نفسها، أم أن الوقت قد حان لإعادة التفاوض على فلسفة البرنامج وأولوياته وأدواته؟ هذا هو النقاش الذي نحتاجه اليوم. أربعة عشر عاماً تستحق المراجعة منذ عام 2012، دخل الأردن في ست نوافذ تمويل مع صندوق النقد الدولي، بين اتفاقات الاستعداد الائتماني (SBA)، وتسهيلات الصندوق الممدد (EFF)، والتمويل الطارئ أثناء الجائحة (RFI)، وصولاً إلى اتفاق التسهيل الممدد ((EFF لعام 2024 وتسهيل الصلابة والاستدامة (SFF)لعام 2025. ولا يمكن إنكار أن الأردن واجه خلال هذه الفترة ظروفاً استثنائية: اضطرابات إقليمية، وأزمات لجوء، وإغلاقات حدود، وجائحة عالمية، وصدمات في أسعار الطاقة، وحروباً إقليمية ودولية، لا سيما في غزة وأوكرانيا، واضطرابات تجارية في محيطه. كما لا يصح إنكار أن برامج الصندوق ساهمت في توفير التمويل والمحافظة على قدر من الاستقرار النقدي والمالي في ظروف صعبة. لكن الاعتراف بذلك لا يلغي السؤال عن الحصيلة الاقتصادية الكلية. كان الدين الحكومي والمكفول، وفق التعريف الذي يستخدمه صندوق النقد، يساوي 14.483 مليار دينار ويعادل نحو 80.2% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2012. وفي 2025 بلغ نحو 50.122 مليار دينار، بما يعادل 109% من الناتج. وارتفعت قيمته الاسمية خلال الفترة نفسها بنحو 171%. وفي المقابل، بلغ متوسط النمو الحقيقي منذ 2012 نحو 2.4% سنوياً، فيما بقيت البطالة، وخصوصاً بين الأردنيين والشباب، عند مستويات مرتفعة بل لعلها من بين الأعلى في الإقليم. الأكثر دلالة أن خدمة الدين ( فوائد الدين الداخلي والخارجي + اقساط اصل الدين الخارجي) لدى الحكومة المركزية بلغت في أيلول 2025 نحو 3.8339 مليار دينار، أي قرابة 8.8% من الناتج المحلي الإجمالي، في حين بلغت فوائد الدين وحدها دون احتساب أقساط أصل الدين الخارجي بحسب اعادة التقدير لعام 2025 نحو 2.180 مليار دينار، أي ما يعادل 5% من الناتج المحلي الاجمالي، مقابل 1.4 مليار دينار للانفاق الرأسمالي، أي ما يعادل نحو 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب الحسابات الختامية لعام 2025. وهذه ليست مقارنة محاسبية عابرة. حين تنفق الدولة على فوائد دينها أكثر مما تنفقه على رأسمالها العام، يصبح الدين نفسه عاملاً يزاحم الاستثمار الذي يفترض أن يولّد النمو اللازم لتخفيض الدين مستقبلاً. وهنا تبدأ الحلقة المفرغة. من عجز الموازنة إلى حلقة الدين يمكن اختصار المشكلة في مسار متكرر: عجز مالي وخسائر في بعض المرافق العامة، يقودان إلى حاجة جديدة للتمويل؛ يأتي التمويل مصحوباً بمسار للتصحيح المالي؛ يعتمد جزء من التصحيح على التعرفة والرسوم وتوسيع الإيرادات؛ ترتفع كلفة المعيشة والإنتاج؛ يضعف الطلب المحلي أو قدرة بعض القطاعات على التوسع؛ يبقى النمو أقل من المستوى الكافي لإحداث تحول جوهري في نسبة الدين؛ ثم تعود الحاجة إلى التمويل من جديد. هذا لا يعني أن كل قرض سيئ، ولا أن كل إصلاح اقترحه صندوق النقد خاطئ، ولا أن الصندوق مسؤول وحده عن الاختلالات البنيوية للاقتصاد الأردني. لكنه يعني أن إدارة التدفقات المالية ليست بديلاً عن تغيير بنية الاقتصاد. فالاستقرار المالي يستطيع شراء الوقت، لكنه لا يستطيع وحده إنتاج النمو. والمشكلة أننا اشترينا وقتاً كثيراً، ولم نستثمر منه ما يكفي لتغيير النموذج. الخطر في المرحلة المقبلة مقلق سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ما يجعل النقاش أكثر إلحاحاً أن الإجراءات المقبلة التي تعهدت الحكومة بتنفيذها أمام صندوق النقد الدولي تمس بصورة مباشرة بنية دخل الأسرة الأردنية وحقوقها الاقتصادية والاجتماعية. فالبرنامج يتضمن مسارات مرتبطة بتعميم التعرفة الزمنية للكهرباء على المنازل، وهو ما سيتسبب في رفع فاتورة الكهرباء بمعدلات تتراوح بين 15%-20% للشرائح المتوسطة، و 45% -75% للشرائح العليا إن عجزت عن نقل وتيرة الاستهلاك الى خارج ساعات الذروة، فيما لن تتأثر الشرائح الدنيا إلا بمقدار يسير، كما أن رفع التعرفة تدريجيا وبواقع مرة كل عام لاستدامة قطاع المياه، بعد ثلاث ارتفاعات طبقت بالفعل منذ عام 2023 سيضع الاسرة الأردنية في حالة صعبة للغاية، لا سيما بوجود البند المتعلق بالصرف الصحي، أما الإصلاحات الجراحية لقانون الضمان الاجتماعي فإنها تهدد بترك الناس في الشارع في شيخوختها، لا سيما بتوقعات فجوة العمل في سن الخمسينيات، والمطلب بإعادة النظر في الإعفاءات والتعرفة الجمركية سيؤدي حتما الى ارتفاعات في أسعار السلع والخدمات في وقت تغلق فيه المضائق البحرية وترتفع كلف الشحن والتأمين وتتضرر السياحة ، وارتفعت فيه بالفعل العديد من السلع الاساسية كاللحوم والزيوت والحليب الجاف، إلى جانب إصلاحات سوق العمل المسماة بتعزيز العمل المرن وتيسير تسريح العمالة للمنشآت المتعثرة. كل بند من هذه البنود ضمن التزامات الحكومة الاردنية للصندوق قد تكون وراءه حجة مالية أو اقتصادية يمكن مناقشتها منفردة. لكن المشكلة تظهر عندما ننظر إليها مجتمعة. فالمواطن لا يعيش كل سياسة في جدول منفصل. الأسرة نفسها التي قد ترتفع عليها كلفة المياه هي التي تدفع فاتورة الكهرباء، وتشتري السلع الخاضعة للضرائب والرسوم، ويعمل أفرادها في سوق العمل، وتعتمد في مستقبلها على الضمان الاجتماعي. ومن ثم فإن تقييم أي برنامج اقتصادي يجب ألا يقتصر على قياس أثر كل إجراء منفرداً، وإنما يجب أن يتضمن اختباراً تراكمياً لأثر الحزمة كاملة على الدخل الحقيقي للأسر والطبقة الوسطى والفئات الأقل دخلاً والمنشآت الصغيرة والمتوسطة. وهذا، في تقديري، هو الاختبار الغائب عن النقاش الاقتصادي العام. التعرفة ليست إصلاحاً هيكلياً لنأخذ قطاعي الكهرباء والمياه. حين تكون لدى شركة أو قطاع خسائر تشغيلية، توجد نظرياً طريقتان لتحسين التدفقات المالية: تخفيض الكلفة أو زيادة الإيراد. رفع التعرفة يعالج جانب الإيراد بسرعة، ولذلك يبدو جذاباً مالياً. لكن الإصلاح الهيكلي الحقيقي يبدأ من الجانب الأصعب: لماذا الكلفة مرتفعة أصلاً؟ في الكهرباء يعني ذلك مراجعة الفاقد، وعقود شراء وتوليد الطاقة وتوزيعها، وكلفة التمويل، والتخزين، وإدارة الأحمال، وكفاءة الشبكة، والاستثمارات السابقة. وفي المياه يعني معالجة المياه غير المدرة للدخل، وكفاءة الطاقة، والتحصيل الحكومي والتجاري، وأداء شركات المياه، وكفاءة التشغيل والعقود. وتشير الأرقام المستخدمة في البرنامج إلى خسارة تشغيلية لنبكو في 2025 تقارب 0.8% من الناتج، بينما بلغت خسارة قطاع المياه الموحدة نحو 172 مليون دينار. إذا استطعنا خفض هذه الخسائر من داخل بنية الكلفة، نكون قد أجرينا إصلاحاً اقتصادياً حقيقياً. أما إذا أبقينا بنية الكلفة كما هي ثم نقلنا الفجوة إلى المستهلك، فقد نكون حسّنا الحساب المالي، لكننا لم نحل المشكلة الاقتصادية. هناك فارق كبير بين إصلاح المؤسسة وإصلاح فاتورتها على حساب المستهلك. الضمان الاجتماعي: الحذر من معالجة الديموغرافيا بتخفيض الحقوق المبدأ نفسه ينطبق على الضمان الاجتماعي. لا يجوز تجاهل الاعتبارات الاكتوارية. ومن واجب الدولة ومؤسسة الضمان حماية استدامة النظام للأجيال المقبلة. لكن رفع سن التقاعد، وتشديد شروط التقاعد المبكر، وإطالة مدة احتساب متوسط الأجر، أو تعديل فهرسة المنافع ليست قرارات مالية مجردة. إنها تعيد توزيع الدخل والمخاطر بين الأجيال وبين العمل ورأس المال والدولة. ولهذا فإن نقطة البداية الصحيحة ليست سؤال: كم نخفض من المنافع؟ بل: ما حجم الفجوة الاكتوارية؟ وما أسبابها؟ وما أثر انخفاض المشاركة الاقتصادية والبطالة والتهرب التأميني والعمل غير المنظم عليها؟ وما البدائل الممكنة؟ وكيف تتوزع كلفة الإصلاح بين المؤمن عليهم وأصحاب العمل والدولة؟ وإجراء دراسة اكتوارية جديدة من قبل خبراء مستقلين موثوقين ونشرها كاملة ليس مطلباً شعبوياً؛ بل شرط أولي لنقاش اقتصادي رشيد بين الأحزاب والحكومة ومؤسسة الضمان يمكن ان يديره المجلس الاقتصادي الاجتماعي بحكمة. كما أن حوكمة استثمارات الضمان وكيفية إدارة أمواله وفق معايير معلنة ومحاسبة حقيقية مسؤولة من قبل مجلس النواب وديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد، وجدولة ديون الضمان على الحكومة وفق خطة منشورة متوسطة او طويلة المدى، ووضع سقف لاقتراض الحكومة من الضمان لا يجوز أن تتجاوزه، وعدم الزج بالضمان في استثمارات عوائدها طويلة الاجل او تحمل مخاطر ولا تحقق أرباحا تتجاوز 9-12% بالحد الأدنى، بات مطلبا ملحا لا يمكن تجاهله قبل تحميل المؤمن عليهم أي أعباء او الانتقاص من امتيازاتهم وتهديد أمنهم في شيخوختهم!! الجمارك: الإصلاح يجب أن يميز بين الريع والإنتاج الأمر ذاته ينطبق على مراجعة الإعفاءات الجمركية، وهو الشرط الذي تعهدت الحكومة بتنفيذه أمام الصندوق بإطلاق إطار جمركي جديد في اكتوبر من هذا العام. قد تكون هناك بالفعل إعفاءات قديمة لا يمكن الدفاع عنها اقتصادياً، وربما تحولت إلى امتيازات تستفيد منها قطاعات أو مصالح دون مردود اجتماعي أو إنتاجي يبررها. إلغاؤها في هذه الحالة إصلاح مطلوب. لكن إلغاء إعفاء على امتياز ريعي شيء، وزيادة كلفة مدخل إنتاج أو سلعة واسعة الاستهلاك شيء آخر تماماً. فالتعرفة الجمركية والضرائب غير المباشرة لا تراعي القدرة على الدفع تلقائياً. وإذا رفعت كلفة مدخلات المنشآت الصغيرة، فإن أثرها لا يتوقف عند المستورد؛ بل ينتقل إلى المنتج والأسعار والتشغيل والتنافسية. لذلك يجب أن تسبق أي تعديلات جمركية خريطة أثر توضح: ما الإعفاء الذي سيُلغى؟ ومن يستفيد منه حالياً؟ وما مقدار الإيراد المتوقع؟ وما أثر إلغائه على الأسعار والإنتاج والتشغيل؟ والمؤسف أن الحكومة الحالية كانت قد أقرت نظاما نشر في الجريدة الرسمية العام الماضي، ولكنها هي ذاتها لم تلتزم بتطبيقه، وهو إجراء دراسات أثر معمقة لأي سياسة او برنامج أو تشريع قبل اعتماده!! البديل ليس وقف الاقتراض غداً لا نستطيع المطالبة بوقف الاقتراض كليا، لأن الرد المقابل على هذا النقد معروف: الأردن يحتاج إلى الاقتراض، ولا يستطيع ببساطة إغلاق نافذة التمويل الخارجي. وهذا صحيح. إن الدعوة إلى وقف الاقتراض فوراً ليست سياسة اقتصادية مسؤولة؛ فهناك استحقاقات يجب إعادة تمويلها، كما أن التحول المفاجئ قد يخلق فجوة تمويلية وانكماشاً حاداً. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة يجب ألا يتحول إلى تبرير لاستمرار النموذج إلى ما لا نهاية. والسؤال ليس: هل نقترض؟ بل: لماذا نقترض؟ وماذا ينتج القرض؟ وهنا أقترح الانتقال تدريجياً إلى قاعدة مالية واضحة أسميها القاعدة الذهبية: لا صافي اقتراض خارجي جديد لتمويل الإنفاق الجاري الأولي، مع السماح بالاقتراض لتمويل استثمار رأسمالي منتج ومعلن الجدوى، أو لإعادة تمويل دين قائم عندما يؤدي ذلك بصورة قابلة للقياس إلى تخفيض الكلفة أو مخاطر الاستحقاق. بهذا ننتقل من إدارة الدين إلى إدارة الغرض من الدين. ويجب أن يخضع كل قرض جديد لاختبار معلن يبين كلفته الكلية، وأجله، ومخاطر العملة، والمشروع الذي يموله، والعائد الاقتصادي المتوقع منه، أو الدين الذي سيستبدله وحجم الوفر الناتج عن الاستبدال. هل يوجد بديل مالي فعلي؟ نعم، لكن البديل الجاد لا يبنى بالشعارات. السيناريو الذي طورناه في حزب العمال يقوم على حزمة تدريجية تستهدف، عند اكتمالها، أثراً مالياً يقارب 2.05% من الناتج المحلي الإجمالي، أي في حدود 900 مليون دينار سنوياً وفق تقديرات الناتج المحلي الإجمالي المستخدمة لعام 2025. هذه ليست أموالاً موجودة في صندوق يمكن للحكومة سحبها غداً، وليست تقديراً حكومياً للإيرادات؛ بل هدف سياساتي يحتاج إلى تدقيق مستقل وبناء خطوط أساس واضحة قبل إدخاله في الموازنة. وتتوزع الحزمة على مراجعة الإعفاءات الضريبية الريعية دون المساس بالأساسيات، وتحسين الامتثال ومكافحة التهرب مع التركيز على كبار المكلفين بدلاً من رفع المعدلات، ومعالجة أكثر عدالة لبعض صور الثروة العقارية العالية والأرباح غير المكتسبة مع حماية المسكن الأساسي، وتحسين كفاءة المشتريات والتشغيل الحكومي، ورفع عوائد الأصول والشركات الحكومية، وخفض خسائر الكهرباء والمياه. وإذا كانت تقديراتنا غير دقيقة، فلنخضعها للاختبار. لتشكل الحكومة فريقاً مستقلاً من وزارة المالية والبنك المركزي وديوان المحاسبة والجامعات والقطاع الخاص والنقابات وخبراء مستقلين، وليضع الأرقام أمام الرأي العام. المهم أن ننتقل من السؤال : كم سنرفع؟ إلى السؤال: كم نستطيع أن نوفر قبل أن نرفع؟ نحتاج إلى تفاوض جديد مع صندوق النقد لا إلى قطيعة معه ليس من مصلحة الأردن تحويل العلاقة مع صندوق النقد إلى معركة أيديولوجية بين القبول المطلق والرفض المطلق. الصندوق مؤسسة تمويل دولية تتفاوض على برنامج وفق أهدافها وقواعدها، والحكومة الأردنية، ممثلة بوزارة المالية والبنك المركزي ووزارة التخطيط مسؤولة عن التفاوض باسم المجتمع الأردني وتحديد ما يستطيع الاقتصاد والمجتمع احتماله. ومن هنا فإن المطلوب ليس إلغاء التفاوض، وإنما رفع نوعيته. على الأردن أن يذهب إلى المراجعات المقبلة بحزمة وطنية بديلة تقول بوضوح: سنحقق الاستدامة المالية، ولكن عبر الإنتاجية والكفاءة والعدالة، لا عبر استنزاف الطلب المحلي؛ سنخفض خسائر المرافق، لكن من داخل كلفتها قبل رفع التعرفة؛ سنصلح الضمان، لكن بعد كشف الحساب الاكتواري وتوزيع العبء بعدالة بين الأطراف الثلاثة بما في ذلك الحكومة؛ سنراجع الإعفاءات، لكننا لن نضرب الغذاء ومدخلات الإنتاج؛ وسنخفض الدين، لكن من خلال نمو الاقتصاد أيضاً، لا عبر الضغط المالي وحده. هذه ليست مواجهة مع صندوق النقد. هذا هو معنى التفاوض أصلاً. المسألة في النهاية سياسية بقدر ما هي اقتصادية الاقتصاد ليس جداول Excel فقط. وراء كل نقطة مئوية في الضريبة أو التعرفة أو النمو أو البطالة أشخاص وشركات وفرص عمل وقرارات استثمار ومستويات معيشة. وإذا كان الإصلاح المالي يحقق هدفاً حسابياً لكنه يضعف الطبقة الوسطى ( التي هي صمان الامان في المجتمع)، ويضغط الاستهلاك ( الذي هو محرك الأسواق)، ويزيد كلفة الإنتاج ( أمام قدرة شرائية متدنية)، ويهدد قدرة المنشآت الصغيرة على الاستمرار، فعلينا أن نحسب هذه الكلفة أيضاً. الاستقرار المالي ضرورة، لكنه ليس غاية مستقلة عن المجتمع. ولا توجد دولة مستقرة مالياً على المدى الطويل في اقتصاد ضعيف، وقطاعات أعمال منهكة ومستنزفة، وطبقة وسطى تتآكل، ومجتمع تتراجع قدرته على الاحتمال، بما ينذر بانفجاره في اي لحظة، ودون أن نكون قادرين على التنبؤ بموعد ذلك الانفجار! لهذا أعتقد أن الأردن يحتاج اليوم إلى حوار اقتصادي وطني مختلف في طبيعته عما اعتدناه: الحكومة، والبنك المركزي، والأحزاب السياسية، وقوى المعارضة، والنقابات، والقطاع الخاص، والجامعات والخبراء الاقتصاديون، على طاولة واحدة، وبالأرقام نفسها ( لأن الأرقام تتفاوت بين الميزانيات وتقارير الصندوق). ولنضع السؤال الحقيقي أمام الجميع: كيف نخفض العجز والدين من دون إفقار الناس أو خنق الاقتصاد؟ ثم نحول الإجابة إلى برنامج وطني تتفاوض عليه الحكومة مع المؤسسات الدولية، بدلاً من أن يأتي النقاش الوطني بعد اكتمال الالتزامات. قبل أن نصل إلى نقطة أصعب ما يقلقني ليس وجود برنامج جديد مع صندوق النقد، بل احتمال أن نستمر في إدارة الاختلالات نفسها لسنوات أخرى بالطريقة نفسها. فالدين الذي ارتفع من نحو 80.2% إلى 109% من الناتج، ومتوسط النمو الذي بقي عند نحو 2.3%، وفوائد الدين التي أصبحت تتجاوز الإنفاق الرأسمالي، ليست أرقاماً ينبغي المرور عليها باعتبارها قدراً اقتصادياً. إنها إشارة تحذير. وتجاهل الإشارة لن يجعلها تختفي. لدينا فرصة لإعادة تصميم المسار قبل أن تصبح خيارات الدولة أضيق وكلفة التصحيح أعلى. والبديل ليس شعبوية مالية، ولا إنكاراً لضرورة الإصلاح، ولا قطيعة مع المؤسسات الدولية. البديل هو إصلاح أكثر صعوبة، لكنه أكثر استدامة: خفض الكلفة قبل رفع السعر، وملاحقة الهدر والتهرب قبل زيادة العبء، وتوجيه الدين نحو الإنتاج بدل تمويل العجز الجاري، وحماية الاستثمار العام، وإعادة بناء قدرة الاقتصاد على النمو وخلق الوظائف. والقاعدة التي يجب أن تحكم المرحلة المقبلة بسيطة: لا يجوز أن نواصل تمويل اختلالات الأمس من دخل مواطن اليوم، ثم نترك دينها لمواطن الغد. الأردن يحتاج إلى إصلاح مالي، نعم. لكنه يحتاج أكثر إلى تغيير اقتصادي يجعل حاجته إلى هذا الإصلاح أقل عاماً بعد عام. وهنا يجب أن يبدأ النقاش. .

مشاهدة الأردن وصندوق النقد آن الأوان للانتقال من إدارة العجز إلى تغيير النموذج

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ الأردن وصندوق النقد آن الأوان للانتقال من إدارة العجز إلى تغيير النموذج الاقتصادي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جو 24 ( الأردن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، الأردن وصندوق النقد: آن الأوان للانتقال من إدارة العجز إلى تغيير النموذج الاقتصادي.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار