كنت أتركُ الجمل تمضي، وأتتبّع شعاعًا رفيعًا من الضّوء يتسلّل من نافذة عالية، ثم يزحف ببطء فوق كتف رجل مسنّ يجلس أمامي. لم أفهم يومها كثيرًا مما كان الخطيب يتحدّث عنه.
حين كبرتُ صرت أدخل المسجد محمّلًا بما لا يظهر عادةً على الوجه: ارتباك في العمل، سؤال أخلاقي لم أجد له جوابًا، خوف من مستقبل لا يكشف أوراقه، خلاف صغير تضخّم داخلي، وشعور غامض بأن الحياة تسرع أكثر مما تسمح لي بأن أفهمها.
ما يرهقهم يبدأ بعد هذه المعرفة، في المنطقة الرمادية التي لا تستقرّ فيها الإجابات بسهولة؛ حين تؤلم الحقيقة، ويكلّف العدل صاحبه شيئًا من مصلحته، وتحتاج الرحمة إلى شجاعة.
يدخل الخطيب إلى الحياة مع الناس، يعترف بتشابكها، يلمس خوفهم من الداخل، ثم يبحث معهم في نور الوحي عن طريق أصدق لعبورها. لا يتصرّف كمن يملك خريطة كاملة لعالم مرتّب، وإنما يقف مثل دليل يعرف جهة النور، ويعرف أيضًا وُعورة الطريق.
عندها تغادرُ الأخلاقُ رفوف العبارات، وتتحوّل إلى قرارات لها كلفة. لا يعود الصدق كلمة سهلة، ولا تصير الرحمة زينة لغوية، ولا يظهر العدل فضيلة مريحة. تدخل القيم إلى مناطق الاحتكاك، حيث تتعرّض للضغط، وحيث يعرف الإنسان مقدار صدقه الحقيقي.
لا تحتاج الخطبة إلى صوت مرتفع كي تترك أثرًا عميقًا. بعض الكلمات تفقد قوتها كلما صاحت، وبعض المعاني لا تدخل القلب إلا بصوت يعرف هشاشة البشر.
لهذا تحتاج خطبة الجمعة اليوم إلى معرفة الإنسان كما هُو. تبدأ من ضَعْفه، ثم تفتح له أفقًا. تمنحه لغة يفهم بها ما يعيشه، ولا تكتفي بإخباره بما كان ينبغي له أن يفعله. تساعده على تسمية خوفه، تفرّق له بين الذنب والندم، وبين المسؤولية واحتقار الذات، وبين التوبة التي تحرّك الحياة والشعور بالعجز الذي يجمّدها.
أما أسلوب الخطبة، فيحتاج إلى أن يقترب من الأذن المعاصرة من غير أن يفقد وقاره. لا تصنع الكلمات النادرة بلاغة، ولا تمنح المترادفات المتراكمة الفكرة عمقًا، ولا يعني الغضب أن الحقيقة وصلت. تظهر البلاغة حين يشعر السّامع أن الفكرة تلمسُ أمرًا يعيشه كل يوم، مع أنه لم يَره بهذه الصورة من قبل.
الخطبة التي لا ترفع صَوْتها
لا أعرف كيف نقيس نجاح الخطبة، غير أنني لا أثق كثيرًا في حرارة الإعجاب التي يشعر بها المستمع وهو يوافق الخطيب في كل شيء. ربما يكشف الأثر الحقيقي عن نفسه في ذلك القلق الهادئ الذي يصاحبه بعد الخروج؛ أن يمشي إلى بيته أبطأ قليلًا، وأن يراجع كلمة قالها، أو موقفًا اتخذه، أو حُكمًا أصدره بسهولة، أو حقًّا طالبَ به لنفسه ومنعَه عن غيره.
ذلك الضوء فوق كتف رجل مسنّ
بعد كل هذه السّنوات، أعود أحيانًا إلى ذلك الطفل الذي كان يتابع شعاع الضوء فوق كتف الرّجل المسنّ. ربما لم ينصرف عن الخطبة كما ظننتُ. ربما كان يبحث، بطريقته الصغيرة، عن المعنى حين يصير مرئيًّا؛ حين يغادر الكلمات، ويلامس جسدًا ووجهًا وقلقًا وحياةً.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
جلال المنبر Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة جلال المنبر
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ جلال المنبر قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، جلال المنبر.
في الموقع ايضا :
- بث مباشر.. شاهد مباراة الأهلي وفيزبريم المجري في كأس العالم للأندية لكرة اليد
- عاجل: قوات الاحتلال تنسحب من بلدة قباطية جنوب جنين بعد اقتحام واسع استمر لساعات تخلله اعتقالات بالجملة وإخضاع لتحقيق ميداني واعتداء بالضرب المبرح
- عاجل: رويترز: بيانات التتبع الملاحي تظهر انخفاض عدد عمليات مرور سفن السلع عبر مضيق هرمز إلى ما دون الـ10 سفن