وقد اعتمد البرلمان القرار بأغلبية 339 صوتا مقابل 225 و16 امتناعا، واعتبر أن الهجرة غير النظامية استُخدمت باعتبارها “أداة حرب هجينة” ضد السلامة الإقليمية لدولة عضو، داعيا إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي والتعاون مع المغرب في ملفات الهجرة والعودة وإعادة القبول، مع وجود مساعٍ يمينية متطرفة لفرض تدابير أكثر صرامة لإدارة ملف الهجرة بناء على هذا النص.
كما جرت مناقشة مسألة حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي باعتبارها مسؤولية مشتركة بين الدول الأعضاء، حيث رأى بعض البرلمانيين أن عدم اتخاذ إجراءات حاسمة قد يقوض سلامة منطقة “شنغن”. ودعا أعضاء البرلمان الأوروبي إلى توفير المزيد من التمويل للبنية التحتية الخاصة بحماية الحدود الخارجية، وتعزيز قدرات وكالة “فرونتكس” (Frontex)، وهي الوكالة الأوروبية المسؤولة عن دعم إدارة الحدود الخارجية للتكتل.
تنبع أهمية هذه الأسئلة من أن العلاقات المغربية–الأوروبية أصبحت تتحرك داخل بيئة دولية تتسم بما يمكن تسميته التعقيد الاستراتيجي (Strategic Complexity)؛ حيث لم تعد القوة تقاس فقط بالقدرة العسكرية، بل أصبحت المعلومات، والهجرة، والاقتصاد، والطاقة، والتكنولوجيا، والشبكات العابرة للحدود، والاعتماد المتبادل، وحتى قدرة الدول على إدارة التدفقات البشرية، عناصر في بنية القوة الدولية. ومن ثم، فإن السؤال المركزي الذي يطرحه هذا المقال هو: هل يمثل قرار البرلمان الأوروبي بشأن سبتة انتقالا من “إدارة الهجرة” إلى “أمننة الهجرة”، ومن أمننة الهجرة إلى توظيفها في إعادة بناء معادلات القوة داخل الشراكة المغربية–الأوروبية، أم إن وصف الهجرة بأنها أداة حرب هجينة يظل إطارا سياسيا وأمنيا لا يكفي وحده لإثبات مسؤولية دولة أو فعل عدواني في القانون الدولي؟ مع العلم أن الأمر يتعلق بمدينتين مغربيتين محتلتين من قبل الإسبان منذ أزيد من خمسة قرون، وتشكل العوامل الجغرافية والديموغرافية والتاريخية حقائق دامغة على مغربية سبتة ومليلة والجزر الجعفرية رغم عدم مطالبة المغرب باسترجاع أراضيه من الإسبان بشكل رسمي، وهو ما يجعل موضوع الهجرة الآن بمثابة عقدة جيو-سياسية وليس مجرد قضية حدودية بسيطة.
فالخطاب الأوروبي ينتقل من: الهجرة → ضغط حدودي → أزمة سياسية إلى: الهجرة → تهديد أمني → تهديد هجين → مساس بالسلامة الإقليمية → ضرورة الاستجابة الأمنية. وفي هذا السياق لا تصبح الهجرة مجرد موضوع للسياسة الأوروبية، بل تتحول إلى جزء من بنية الأمن الأوروبي. والأهم أن عملية الأمننة لا تنتج فقط تغييرا في الخطاب، وإنما يمكن أن تنتج تغييرا في السياسات. فحين يصبح موضوع ما مصنفا باعتباره تهديدا أمنيا، تتسع مساحة الإجراءات التي يمكن تبريرها باعتبارها ضرورية لحماية الأمن. وهذا تحديدا ما يجعل حالة سبتة مهمة من منظور دراسات الأمن: التحول ليس فقط في حجم التدفق البشري، وإنما في المعنى الاستراتيجي الذي أُعطي لهذا التدفق.
ثانيا: هل نحن أمام “حرب هجينة” أم أمام أمننة سياسية للهجرة؟
لكن في السياق نفسه، فوجود ظاهرة يمكن استخدامها في إطار استراتيجية هجينة لا يعني تلقائيا إثبات أن دولة معينة استخدمتها فعلا كأداة حرب. فهناك فرق كبير بين الوصف الأمني السياسي للحدث، التفسير الاستراتيجي لسلوك أحد الأطراف، الإثبات الواقعي لوجود استراتيجية منظمة، والتأكد من الإسناد القانوني للسلوك لدولة ما، وأخيرا إثبات الخرق المؤكد للالتزامات الدولية، وهو ما يصعب تأكيده في حالة المغرب. وقد ذهب عدد من الباحثين إلى ضرورة الحذر من الاستخدام التوسعي لمفهوم “weaponisation of migration” (تسليح الهجرة)؛ ذلك أن Vincent Chetail، في دراسة حديثة حول “تسليح الهجرة” والقانون الدولي، ينتقد الانتقال السريع من مفهوم الضغط الهجري أو (migration diplomacy) إلى مفهوم الحرب، ويرى أن كثيرا من الحالات يمكن تفسيرها باعتبارها مساومات وضغوطا دبلوماسية متعددة المستويات أكثر من كونها أعمال حرب بالمعنى القانوني.
تكشف أحداث سبتة عن مفهوم مهم في الجيو-سياسية المعاصرة: نقاط صدام السياسات (Chokepoint Politics). فالموقع الجغرافي لا يصبح مهما فقط بسبب المساحة أو الموارد، وإنما بسبب موقعه داخل شبكة تدفقات أكبر. وسبتة تقع عند تقاطع الحدود الأوروبية–الأفريقية؛ المجال المتوسطي؛ طرق الهجرة؛ أمن الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي؛ العلاقات المغربية–الإسبانية؛ سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الجوار الجنوبي. وبذلك تتحول الجغرافيا إلى شبكة من الاعتماد المتبادل.
لكن وضعية سبتة ومليلية المحتلتين، التي تقع في التراب المغربي، تطرح العديد من علامات الاستفهام حول الخطاب الإسباني ومعه الأوروبي اللذان يعتبران المدينتين حدودا أوروبية في حين إن وضعية المدينتين حسب كل الشواهد التاريخية والجغرافية والديموغرافية تؤكد على مغربية الانتماء وعلى وضعهما الاستثنائي تحت سيطرة الإدارة الاسبانية، وبالتالي استمرار هذا النوع من الخطاب يقفز على العمق الجيو-سياسي للمدينتين ويختصر أزمة الهجرة في سياسية يمينية أوروبية تخشى من تدفقات هجروية قادمة من الجنوب، بل أكثر من هذا تخشى من المملكة المغربية كفاعل جيو-سياسي حقيقي أثبت بالملموس من خلال سياسات اقتصادية وتنموية أنه قادر على لعب دور الفاعل الجيو-ساسي الإقليمي في ظل بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد.
رابعا: العلاقات المغربية الأوروبية: من الاعتماد المتبادل إلى “التفاوض تحت الضغط”
يكتسب مفهوم الشرطية الأوروبية (Conditionality) وإعادة تعريف الشراكة بعدا ذا أهمية، خاصة عندما نلاحظ أن التعاون الأوروبي في مجال الهجرة أصبح مرتبطا بصورة متزايدة بأمن الحدود والعودة وإعادة القبول. وتشير الوثائق الأوروبية لعام 2026 إلى أن التعاون مع المغرب يشمل إدارة الحدود، ومكافحة التهريب والاتجار بالبشر، والعودة وإعادة القبول، إلى جانب المسارات القانونية للهجرة والتنقل. وهنا يمكن قراءة العلاقات في ضوء مفهوم الشرطية، أي ربط بعض المنافع أو أشكال التعاون بتحقيق أهداف أو التزامات معينة، لكن الشرطية لا تعمل في اتجاه واحد، فالمغرب ليس مجرد دولة منفذة لسياسة أوروبية، وإنما يمتلك بدوره أدوات تفاوضية ناتجة عن: موقعه الجغرافي؛ دوره في الأمن الإقليمي؛ علاقاته مع العمق الإفريقي؛ موقعه الأطلسي والمتوسطي؛ شبكاته الاقتصادية؛ دوره في إدارة الهجرة؛ التعاون الأمني والاستخباراتي. ومن ثم، فإن العلاقة يمكن فهمها بشكل أفضل باعتبارها “Bargaining Under Asymmetric Interdependence”، أي تفاوضا تحت شروط اعتماد متبادل غير متكافئ.
وتقدم قواعد مسؤولية الدول، كما صاغتها لجنة القانون الدولي، إطارا واضحا لهذه المسألة. فالسلوك المنسوب إلى جهاز من أجهزة الدولة يمكن أن ينسب إلى الدولة، كما توجد قواعد أخرى لإسناد أفعال أشخاص أو جماعات في ظروف محددة. وهذا يعني أن الانتقال من: “حدث على الحدود” إلى: “عمل من أعمال الدولة” ثم إلى: “عمل غير مشروع دوليا”، يحتاج إلى إثباتات قانونية متدرجة. كما أن اجتهاد محكمة العدل الدولية في قضية “Nicaragua v. United States” يوضح أهمية التمييز بين مفاهيم استخدام القوة والتدخل والسيادة والإسناد. ومن ثم، فإن وصف الهجرة بأنها “سلاح” أو “أداة حرب هجينة” ينبغي ألا يؤدي إلى تجاوز المراحل القانونية اللازمة لإثبات المسؤولية الدولية. كما أن هناك بعدا آخر لا يقل أهمية: ماذا يحدث عندما تتحول الحدود إلى فضاء أمني؟ فالخطر يتمثل في أن الأمننة قد تنتج ما يمكن تسميته: “Security Exceptionalism”، أي النظر إلى الحدود باعتبارها فضاء يمكن فيه تعليق بعض المعايير العادية بحجة الضرورة الأمنية.
سادسا: المعلومات والتضليل الإعلامي في قلب الصراع
أشارت خدمة أبحاث البرلمان الأوروبي إلى أن أزمة سبتة ارتبطت أيضا بموجة من التضليل عبر الإنترنت، وهو ما يضيف طبقة معلوماتية إلى الأزمة الحدودية. وهنا يدخل مفهوم “Information Warfare” أو “Information Manipulation”. غير أن الدراسات الأكاديمية تحذر أيضا من المبالغة في تقدير قدرة التضليل على تحقيق أهداف استراتيجية مباشرة. فقد أشار Alexander Lanoszka إلى أن فعالية التضليل ليست تلقائية، وأن تأثيره يعتمد على بيئة سياسية واجتماعية ومؤسساتية سابقة، وعلى قدرة الطرف المستهدف على مقاومته. ومن ثم، فإن الأزمة الحديثة ليست فقط صراعا حول: من يسيطر على الحدود؟ بل أيضا: من يسيطر على تفسير الحدث؟ وهذا يجعل “Narrative Power” جزءا من القوة الجيو-سياسية. فالطرف الذي ينجح في تعريف الأزمة باعتبارها “أزمة هجرة” يضعها داخل إطار مختلف عن الطرف الذي يعرّفها باعتبارها “أزمة أمنية” أو “أزمة حقوق إنسان” أو “أزمة سيادة”. وهنا تصبح اللغة نفسها أداة من أدوات القوة.
المسألة الأكثر أهمية بالنسبة إلى المغرب ليست القرار البرلماني في حد ذاته، وإنما ما إذا كان هذا النوع من القرارات سيؤدي إلى إعادة تشكيل بنية الشراكة. فالشراكة المغربية-الأوروبية تطورت تاريخيا من التعاون الاقتصادي إلى إطار متعدد الأبعاد يشمل التجارة والأمن والهجرة والبحث والابتكار والتنمية والمناخ والعدالة. وقد أكد الاتحاد الأوروبي والمغرب في يناير 2026 تمسكهما بتعميق الشراكة الاستراتيجية، ووصفاها بأنها متعددة الأبعاد ومبنية على التعاون والثقة المتبادلة (Consilium). لكن التحدي يكمن في احتمال حدوث “Security Drift”، أي انجراف تدريجي للشراكة نحو المجال الأمني على حساب بقية أبعادها. وفي هذه الحالة يمكن أن تنتقل العلاقة من: “Strategic Partnership” (الشراكة الاستراتيجية) إلى: “Security-Centric Partnership” (شراكة أمنية مركزية) ثم ربما إلى: “Border Management Partnership” (تدبير شراكة الحدود)، وهذا التحول، إذا حدث، سيكون ذا تبعات استراتيجية بعيدة المدى. فالمغرب ليس مجرد دولة تقع جنوب الحدود الأوروبية، وإنما فاعل إقليمي يمتلك تصوراته ومصالحه الخاصة في المتوسط والأطلسي وأفريقيا. من الضروري كذلك الفصل بين ثلاثة مستويات كثيرا ما تختلط في الخطاب السياسي:
المستوى القانوني: القرار البرلماني ليس حكما صادرا عن محكمة دولية بشأن جميع المسائل التاريخية والقانونية المرتبطة بوضع الإقليم.
يمكن اقتراح نموذج تحليلي لفهم هذه الأزمة يقوم على ثلاثة أضلاع:
ثانيا: الاعتماد المتبادل (Interdependence): كيف يتحول اعتماد المغرب وأوروبا المتبادل في الهجرة والأمن والتجارة إلى أدوات تفاوض وضغط؟
الخلاصة
ان التحدي الحقيقي أمام الرباط ومدريد وبروكسل لا يتمثل في إدارة أزمة واحدة، وإنما في منع أمننة الهجرة من أن تتحول تدريجيا إلى أمننة للعلاقة المغربية-الأوروبية برمتها. فإذا أصبحت الهجرة هي العدسة التي تُقرأ من خلالها العلاقة، فإن الشراكة متعددة الأبعاد قد تنكمش إلى علاقة يغلب عليها منطق الحدود والردع وإدارة المخاطر.
وفي نهاية المطاف، فإن استقرار هذه المنطقة يعتمد بدرجة أقل على تكريس المقاربة الأمنية للحدود، وبدرجة أكبر على قدرة الفاعلين الرئيسيين فيها على تحويل الاعتماد الاستراتيجي المتبادل إلى حوار سياسي مستدام وإلى منظومة أمنية تتم إدارتها بصورة مشتركة.
أما إذا أُعيد وضع الهجرة داخل إطار أوسع يقوم على المصالح المتبادلة، والتنمية، والمسارات القانونية للحركة، والتعاون الأمني، والاحترام المتبادل، والقانون الدولي، وإدارة الاعتماد المتبادل، فقد تتحول الأزمة من مصدر للتوتر إلى فرصة لإعادة بناء قواعد أكثر نضجا للشراكة. وهنا تحديدا تكمن المفارقة الاستراتيجية: كلما أصبحت الهجرة أكثر أمننة، ازدادت الحاجة إلى سياسة تتجاوز الأمننة والاختناقات الجيو-سياسية لتحقيق الأمن الجماعي والاستقرار والتنمية المستدامة.
هل تعيد "أمننة الهجرة" في سبتة صياغة الشراكة المغربية الأوروبية؟ Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة هل تعيد أمننة الهجرة في سبتة صياغة الشراكة المغربية الأوروبية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هل تعيد أمننة الهجرة في سبتة صياغة الشراكة المغربية الأوروبية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، هل تعيد "أمننة الهجرة" في سبتة صياغة الشراكة المغربية الأوروبية؟.
في الموقع ايضا :
- المحلل العسكري في قناة (الجزيرة) يكشف السيطرة على باب المندب لمن في النهاية ويؤكد أن انسحابات الساحل الغربي نتيجة أوامر وتسهيلات
- عاجل / إعلام ألوية العمالقة الجنوبية يكشف أهم العمليات خلال الأسبوعين الماضيين في جبهتي كهبوب والمضاربة
- عاجل: البيت الأبيض منع مراسلي «سي إن إن» من السفر برفقة ترامب على متن الطائرة الرئاسية إلى ولاية تينيسي