بين واشنطن وبكين: أوهام الحماية وحسابات الكبار في عالم متحوّل ...لبنان

اخبار عربية بواسطة : (بيروت تايمز) -

بيار مارون *

من يعتقد أن الصين ستدخل مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة لمجرّد حماية دولة أو جماعة، يسيء قراءة حسابات بكين، التي تزن خطواتها بمصالحها الاستراتيجية أولًا وأخيرًا. ومن يراهن على حماية أميركية مطلقة، تتجاوز تبدّل المصالح وكلفة الالتزامات، يقع في الوهم نفسه. فالقوى الكبرى تبني تحالفاتها لخدمة أمنها ونفوذها، ولا تمنح أحدًا تفويضًا مفتوحًا لجرّها إلى حروبه.

بهذا المعنى تُقرأ قمة واشنطن بين الرئيسين دونالد ترامب وشي جينبينغ، ويُقرأ معها الاتفاق الأميركي–الدنماركي–الغرينلاندي. فالحدثان يكشفان منطقًا واحدًا: الكبار يتفاوضون على حدود التنافس ومجالات النفوذ، وعلى الدول الأصغر أن تحمي موقعها وقرارها، وإلا تحوّلت من أصحاب مصالح إلى أوراق في حسابات الآخرين.

هدنة لإدارة التنافس

لم تُنهِ قمة واشنطن الخلاف الأميركي–الصيني، ولم تنتج تسوية شاملة للصراع التجاري والتقني. أبرز نتائجها المعلنة كان تمديد الهدنة التجارية شهرين، حتى العاشر من كانون الثاني/يناير 2027، بما يمنح المفاوضين وقتًا إضافيًا لمعالجة الملفات العالقة.

هذا التمديد ليس مصالحة، بل اعتراف بأن للتصعيد كلفة، وأن إدارة التنافس تخدم الطرفين في هذه المرحلة. واشنطن تريد حماية تفوقها التقني وتقليص مواطن اعتمادها على الصين، فيما تريد بكين صون نموها وأسواقها وقدرتها على التطور، ومنع تحوّل الضغط الأميركي إلى طوق اقتصادي وتقني حولها.

لذلك، فإن جلوسهما إلى الطاولة لا يلغي الصراع، كما أن الصراع لا يمنع التفاهم. ولا يمكن حصر العلاقة بينهما في عداء أيديولوجي أو تصويرها كتحالف مستتر؛ إنها منافسة على القوة والثروة والتكنولوجيا، يتخللها تعاون محسوب وتفاوض تحكمه موازين المصالح.

التكنولوجيا وتايوان

بقيت الرقائق المتقدمة، والحوسبة العالية، والذكاء الاصطناعي، والمعادن الحرجة في صميم التنافس. وهذه ليست تفاصيل تجارية؛ فالقدرة على تصنيع الرقائق وتشغيل الأنظمة المتقدمة تدخل مباشرة في تطوير الاستخبارات والاستطلاع والسلاح الدقيق والدفاعات الصاروخية. والتحكم في سلاسل توريد المواد اللازمة لهذه الصناعات يمنح صاحبه أداة ضغط تتجاوز الأسعار والأسواق.

وفي قلب هذا التنافس تقف تايوان، حيث تتقاطع مسألة السيادة لدى بكين مع حسابات الردع والتوازن الإقليمي لدى واشنطن، ومع الدور المحوري للجزيرة في صناعة أشباه الموصلات. بقي ملف تايوان، إلى جانب الذكاء الاصطناعي والقيود التقنية، من دون اختراق سياسي حاسم في القمة.

لكنّ لتايوان شعبًا ومؤسسات وإرادة سياسية ومصالح تتجاوز مصانع الرقائق وموقعها العسكري. وتحويلها إلى ملف تفاوضي بين القوتين يجعل أهلها تفصيلًا على هامش صفقات الكبار، ويربط حقهم في تقرير مستقبلهم بالقيمة الاستراتيجية لجزيرتهم.

لتايبيه (Taipei) قدرتها على التأثير، لكنها لا تملك وحدها ضبط المواجهة المحيطة بها. فالقرارات المتخذة في واشنطن وبكين تمس أمنها مباشرة، فيما يقع عليها العبء الأول لأي خطأ في الحساب.

غرينلاند: نفوذ بلا ضم

في القطب الشمالي، يأخذ التنافس شكلًا آخر. الاتفاق الأميركي–الدنماركي–الغرينلاندي لم ينقل سيادة الجزيرة إلى الولايات المتحدة، لكنه وسّع المجال أمام حضورها العسكري وبنيتها الدفاعية، بما يشمل مكوّنًا من منظومة «القبة الذهبية»، وعزّز القيود على حضور خصومها العسكري واستثماراتهم الحساسة.

وقعت حكومتا الدنمارك وغرينلاند الاتفاق، لكن التوقيع جاء بعد أشهر من التهديدات الأميركية بالاستحواذ على الجزيرة. والمشاركة في القرار لا تمحو تفاوت القوة الذي أحاط بصنعه.

وبحسب تصريحات مسؤول أميركي نقلتها تقارير صحافية، يستمر الاتفاق حتى لو أصبحت غرينلاند دولة مستقلة؛ أي إن الاستقلال المحتمل لن يبدأ العلاقة الأمنية من صفحة بيضاء. هنا تكمن المسألة: لا تحتاج القوة الكبرى دائمًا إلى امتلاك الأرض كي توسع نفوذها عليها. يكفي أن تصبح الطرف الذي تعتمد عليه البنية الدفاعية، وأن تمتلك حضورًا عسكريًا طويل الأجل وقدرة مؤثرة في تحديد من يدخل المجال الاستراتيجي ومن يُستبعد منه.

وغرينلاند ليست هامشًا جليديًا بعيدًا. موقعها بين أميركا الشمالية وأوروبا، ودورها في الإنذار المبكر ومراقبة المجال القطبي، ومواردها المعدنية، تجعلها جزءًا من حسابات الأمن والمنافسة على المدى الطويل.

وفي غرينلاند كما في تايوان، تصبح الجغرافيا والصناعة والموارد عناصر قوة لأصحابها، وأسبابًا لتكثيف الضغوط عليهم في الوقت نفسه. امتلاك ورقة استراتيجية لا يضمن امتلاك القرار بشأنها.

إيران: الاختبار الأوضح

إذا كان هناك طرف إقليمي تبدو رهاناته على مظلة صينية أكثر استنادًا إلى المصالح المشتركة، فهو إيران. بكين مشترٍ رئيسي لنفطها، وشريكها في اتفاق تعاون طويل الأمد، وأحد أهم منافذها الاقتصادية في مواجهة العزلة، كما تعارض العقوبات الأميركية الأحادية.

ومع ذلك، حين اشتد التصعيد، لم يتضمن الموقف الصيني المعلن تعهدًا بحماية إيران عسكريًا. ففي 16 أيلول/سبتمبر، دعا وزير الخارجية وانغ يي طهران وواشنطن إلى ضبط النفس، والعودة إلى مذكرة تفاهم إسلام آباد التي توصّلتا إليها في حزيران/يونيو، واستئناف المفاوضات؛ وشدد على إعادة فتح مضيق هرمز وحماية إمدادات الطاقة وسلاسل التوريد.

هذا الموقف لا يثبت خذلانًا بقدر ما يكشف حدود العلاقة. فبكين تريد نفط الخليج وأمن الملاحة واستقرار أسواقها، وتربطها بالدول الخليجية مصالح واسعة تتجاوز علاقتها بطهران. وفي الوقت نفسه تفاوض واشنطن على ملفات تمس مستقبل قوتها الاقتصادية والتقنية.

وحتى اتفاق التعاون الممتد لخمسة وعشرين عامًا لم يحول الطموحات المعلنة إلى تدفق استثماري يوازيها. فقد ظلت الشراكة متأثرة بالعقوبات وبمخاطر التعامل المالي والتجاري، ما يجعل تنفيذها أبطأ وأكثر انتقائية مما يوحي به خطاب «الشراكة الاستراتيجية».

الشراكة الاستراتيجية ليست معاهدة دفاع. ومن يقرأ الأولى كأنها الثانية يبني أمنه على نص لم يُكتب.

لا حماية بلا مصالح

هذا هو الدرس الذي ينبغي أن يُفهم في الشرق الأوسط: الدعم السياسي والتعاون الاقتصادي لا يشكلان، بذاتهما، التزامًا بخوض الحرب.

والقاعدة نفسها تنطبق على الولايات المتحدة. للتحالفات والالتزامات الدفاعية وزنها، وللمصداقية كلفتها، لكن ذلك لا يجعل الحماية مطلقة أو منفصلة عن شروطها وحساباتها. ومن يتعامل مع الدعم الأميركي كضمانة مفتوحة لكل سياساته يحمل العلاقة ما لا تحتمل.

الخطأ، إذًا، ليس في بناء التحالفات، بل في إحلالها محل الدولة، وتسليم الحليف حق التفكير والقرار، ثم افتراض أنه سيدفع الثمن مهما بلغت المغامرة.

الدولة أولًا

تؤكد قمة واشنطن قدرة الخصمين على التفاوض حين تقتضي مصالحهما ذلك، ويوضح اتفاق غرينلاند كيف يتسع النفوذ من دون نقل السيادة، ويكشف الموقف الصيني من إيران حدود الشراكة حين تقترب الحرب.

وإذا كانت هذه حدود الالتزام الصيني تجاه إيران، فلا أساس لافتراض مظلة أوسع للبنان. فهو لا يملك الوزن النفطي الإيراني ولا حجم السوق الإيرانية، وأهمية موقعه لا تنشئ التزامًا صينيًا بالدفاع عنه. وفي مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، أكدت الصين ضرورة احترام سيادة لبنان وحماية المدنيين وخفض التصعيد. موقف مبدئي له قيمته، لكنه موقف دبلوماسي، لا مظلة عسكرية.

فمن يربط أمن لبنان بمحور يراهن على «العمق الصيني» يربطه برهان لم يمنح طهران نفسها ضمانة دفاعية. وسيادة لبنان لا تُبنى على انتظار مواجهة صينية–أميركية، ولا على تفويض أي قوة خارجية تقرير مصيره. تُبنى بدولة تحتكر السلاح وقرار الحرب والسلم، وجيش قادر، واقتصاد منتج، ومؤسسات تحاسب.

وتُبنى كذلك بدبلوماسية تنفتح على الصين شريكًا في التجارة والبنى التحتية، من دون أن تجعلها بديلًا عن إصلاح الدولة أو عن علاقات لبنان العربية والدولية الضرورية لتعافيه وإعادة إعماره. فالانفتاح على بكين خيار مشروع؛ أما تحميله وعدًا بحماية عسكرية لم تقدمه، فتضليل يدفع اللبنانيون ثمنه.

من لا يبني دولته سيبقى ينتظر من يحميه. ومن يسلم قراره للخارج، عليه ألّا يتفاجأ حين يصبح هذا القرار بندًا على طاولة الآخرين.

* باحث ومحلل استراتيجي

رئيس منظمة دروع لبنان الموحد (SOUL)

www.soul4lebanon.net

#امريكا #الصين #تايوان #ايران #لبنان #غرينلاند

مشاهدة بين واشنطن وبكين أوهام الحماية وحسابات الكبار في عالم متحو ل

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بين واشنطن وبكين أوهام الحماية وحسابات الكبار في عالم متحو ل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على بيروت تايمز ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بين واشنطن وبكين: أوهام الحماية وحسابات الكبار في عالم متحوّل.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار