حين يتكلم العقل الإسرائيلي بالعربية… من شمعون شطريت إلى لبنان ...لبنان

اخبار عربية بواسطة : (بيروت تايمز) -

سيرينا جمال دملج *

علّمتنا مراجعة الأدبيات التاريخية أن الحضارات والمجتمعات لا تُهزم بالضرورة من الخارج ما دامت متماسكة من الداخل، وأن تآكل الثقة بالمؤسسات، وانقسام المجتمع، وتقديم المكاسب السياسية القصيرة على المصالح الوطنية بعيدة المدى، والجمود الفكري، يمكن أن تتحول كلها إلى عوامل ضعفٍ أخطر من كثير من التهديدات الخارجية.

بهذه الرؤية، قدّم اللواء احتياط عاموس يدلين، رئيس مؤسسة “عقل إسرائيل”، خلاصة دراسة شارك فيها نحو مئة خبير، وانشغلت بأسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل إسرائيل ومسارها المقبل ومصير مجتمعها.

وحدّد الخبراء ستّ قضايا اعتبروها شديدة الأهمية وتحتاج إلى قرارات عاجلة: المكانة الإقليمية لإسرائيل، جودة رأس المال البشري، العلاقة المتبادلة بين الاقتصاد والأمن، الحوكمة والمناعة القومية، التغيّرات الديموغرافية، والعلاقات مع الولايات المتحدة. لكن ما استوقفني في هذه الخلاصة لم يكن الجانب الاستراتيجي وحده، بل ذلك الخيط الإنساني الذي يقود، بطريقة أو بأخرى، إلى اللغة.

إسرائيل تتكلم بالعربية

بالتزامن مع الحديث عن عرض نتائج الدراسة أمام الجمهور الإسرائيلي، لفتتني مادة نشرتها صفحة “إسرائيل تتكلم بالعربية” على مواقع التواصل الاجتماعي، تناولت سيرة البروفسور شمعون شطريت، ابن عائلة يهودية هاجرت من المغرب إلى إسرائيل.

ولد شطريت في المغرب عام 1946، ووصل إلى إسرائيل مع أسرته وهو في الثالثة من عمره. نشأ في ظروف متواضعة، ثم برز في سن مبكرة عندما فاز عام 1959 بمسابقة الكتاب المقدس للشباب، قبل أن يشق طريقه في الجامعة العبرية، ويصبح أستاذًا للقانون، ثم عضوًا في الكنيست ووزيرًا في حكومات إسرائيل.

ولم تكن قصته، بطبيعة الحال، مجرد رحلة فردية من الهجرة والفقر إلى الجامعة والسياسة. إنها واحدة من القصص الكثيرة التي تعكس التحولات الاجتماعية التي شهدها المجتمع الإسرائيلي مع وصول يهود من بلدان عربية مختلفة.

لكن ما جعل هذه السيرة تلامسني شخصيًا هو أنها أعادت إلى ذهني حكاية رواها لي أبي الحبيب، جمال دملج، عن إحدى محطات حياته المهنية في لندن خلال تسعينيات القرن الماضي.

الوزير الإسرائيلي… وأبي اللبناني

كان ذلك عام 1994، في زمنٍ كانت فيه العملية السلمية بين الإسرائيليين والفلسطينيين تشهد انتعاشًا على وقع اتفاق أوسلو، وكانت المنطقة تعيش أيضًا أجواء التفاؤل التي رافقت الحديث عن التعاون الاقتصادي و”قطف ثمار السلام”.

كان والدي يومها يعمل محررًا مسؤولًا عن إعداد النشرة المالية في “بي بي سي – عربي” في لندن، وتلقى اتصالًا من رام أفيرام، الملحق الصحفي في السفارة الإسرائيلية، يسأله عما إذا كان مهتمًا بإجراء مقابلة تلفزيونية مع وزير الاقتصاد والتخطيط الإسرائيلي الموجود في العاصمة البريطانية.

وافق والدي، وتحدّد الموعد في صباح اليوم التالي. ثم تطورت المقابلة إلى أكثر من ذلك. فبعد أن قرأ المنتجون والمحررون الإشعار الذي وضعه والدي في غرفة الأخبار، طلبوا منه الاستفسار عما إذا كان الوزير مستعدًا لإجراء مقابلتين إضافيتين، إحداهما لخدمة الأخبار العالمية والأخرى لخدمة الأخبار العربية… وتمت الموافقة.

بين الإنجليزية والعربية

يتذكر والدي أنه توجه في اليوم التالي إلى المقابلة برفقة زميليه جوناثان روث وعدنان الشريف وأحد المصورين البريطانيين.

أجرى جوناثان مقابلته باللغة الإنجليزية، ثم تلاه عدنان باللغة نفسها. وعندما جاء دور والدي، كان يعرف أن شطريت من مواليد المغرب، وأنه وصل إلى إسرائيل طفلًا، فقرر أن يبدأ من هذه النقطة تحديدًا.

قال له، بحسب روايته: “قرأت قبل قليل سيرتك الشخصية، وعلمت أنك من مواليد المغرب وهاجرت مع والديك إلى إسرائيل وأنت لا تزال طفلًا”.

أجاب الوزير: “نعم، هذا صحيح”.

فسأله والدي: “هل يعني ذلك أنك تتحدث العربية؟”.

أجاب: “نعم، ولكن ليس بطلاقة”.

فقال له والدي: “هذا الإيقاع الجميل يصلح فعلًا لإجراء المقابلة بالعربية، طالما أننا سنتحدث عن قطف ثمار السلام”.

وافق شطريت. وهكذا جرت المقابلة بالعربية. وكانت، على حد علم والدي، من أوائل المقابلات التي أجراها مسؤول إسرائيلي رسمي باللغة العربية أمام وسيلة إعلام عربية في ذلك السياق.

مصافحة ردّ الجميل

بعد عدة أشهر، عاد الوزير شمعون شطريت إلى لندن، وزار مبنى الـ”بي بي سي” في وايت سيتي للمشاركة في برنامج حواري مباشر حول آفاق السلام في الشرق الأوسط، جمعه مع الكاتب الفلسطيني بكر عويضة، وقدمه الإعلامي الأردني الراحل سامي حداد.

ولدى انتهاء البرنامج، وبينما كان الوزير يغادر الاستديو برفقة الملحق الصحفي الجديد في السفارة الإسرائيلية، رون بروسور، خرج والدي من غرفة الأخبار إلى أحد ممرات الطابق السابع للترحيب بهما. فإذا بشطريت يبادره إلى المصافحة بحرارة، ويقول له، بحسب رواية والدي: “لقد تحسّن كثيرًا أدائي باللغة العربية، وهذا كله بفضلك، لأنك أنت من شجّعني على ذلك”.

قد تبدو هذه الجملة صغيرة أمام كل ما كان يجري في الشرق الأوسط آنذاك. لكن بعض الجمل الصغيرة تعيش أطول من الأحداث الكبيرة.

العقل… حين يعبر الحدود

ربما لا تعدو هذه الواقعة أن تكون نقطة ضوء صغيرة في بحر العلاقات العربية–الإسرائيلية المضطرب، لكنها تطرح سؤالًا أكبر من حدود المقابلة التلفزيونية نفسها.

ماذا يحدث عندما تتحول اللغة من أداة للتواصل إلى جسر بين تجربتين مختلفتين؟ وماذا يحدث عندما يستطيع رجل إسرائيلي أن يتحدث إلى جمهور عربي بلغته، ويستطيع صحافي لبناني أن يصغي إليه ويسأله بلغته، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن أحدهما تخلى عن هويته أو مواقفه؟

لقد شهدت المنطقة، منذ تسعينيات القرن الماضي، حروبًا وانتفاضات وصراعات وانهيارات وصعود قوى جديدة. وتداخلت فيها القضية الفلسطينية مع صراعات إقليمية أوسع، من إيران إلى سوريا والعراق واليمن ولبنان، حتى أصبحت لغة السلاح في كثير من الأحيان أعلى من لغة السياسة.

من إسرائيل إلى لبنان

ربما لهذا السبب تحديدًا استوقفتني دراسة مؤسسة “عقل إسرائيل”. فاللافت فيها أنها لا تتحدث فقط عن الأخطار الخارجية، بل تضع إلى جانبها مسائل داخلية تتعلق بالحوكمة، والمناعة الوطنية، والديموغرافيا، ورأس المال البشري، والاقتصاد، والعلاقة مع الولايات المتحدة. أي أنها تنظر إلى قوة الدولة باعتبارها حصيلة مجموعة عوامل داخلية وخارجية، لا مجرد تفوق عسكري.

وهنا يصبح الانتقال إلى لبنان طبيعيًا. فلبنان يعرف، أكثر من أي بلد آخر ربما، كيف يمكن للصراع الخارجي أن يتداخل مع الانقسام الداخلي، وكيف يمكن أن تتحول قضايا السياسة الخارجية إلى خطوط تماس داخل المجتمع نفسه.

ولعل السؤال اللبناني الأكثر إلحاحًا اليوم لا يتعلق فقط بكيفية النظر إلى إسرائيل، بل بكيفية استعادة “لغة الدولة” في التعامل مع القضايا التي تتجاوز حدودها الداخلية. فالاختلاف في الموقف السياسي أمر طبيعي. والاختلاف في النظرة إلى إسرائيل أمر مفهوم في بلد عاش عقودًا من الحروب والاحتلالات والمواجهات.

لكن تحويل مجرد التحية إلى تهمة، أو الحوار إلى خيانة، أو التواصل إلى جريمة، يعني أن المشكلة لم تعد في الموقف السياسي نفسه، وإنما في قدرتنا على تقبّل فكرة أن الإنسان يستطيع أن يتحدث مع من يختلف معه.

تحية… في مواجهة التخوين

قبل نحو ثلاثة أعوام، أُتيح لوالدي أن يشارك، عبر الأقمار الاصطناعية من بيروت، في نشرة إخبارية جمعته بالبروفسور شمعون شطريت من القدس، بضيافة الإعلامية فضيلة السويسي من أبو ظبي.

تبادل الرجلان التحية، ثم أجاب كل منهما عن أسئلة المذيعة حول الأسباب التي قادت إلى “طوفان الأقصى”، وفق ما يمليه عليه ضميره وموقفه.

لكن ما حدث بعد ذلك كان أكثر دلالة بالنسبة إليّ من المقابلة نفسها. فقد نشرت “سكاي نيوز – عربية” التسجيل على صفحتها في يوتيوب، فكتب أحد المتابعين اللبنانيين تعليقًا يقول: “يجب التبليغ عن دملج لأنه وجّه تحية إلى العدو”.

قد تبدو الجملة، للوهلة الأولى، مجرد تعليق عابر على وسائل التواصل الاجتماعي. لكنها في الحقيقة تختصر مشكلة أعمق.

فإذا كانت التحية نفسها تحتاج إلى “تبليغ”، فكيف يمكن أن نصل إلى الحوار؟ وإذا كان الحوار يُفهم باعتباره تنازلًا، فكيف يمكن أن تبدأ السياسة؟

ليست المسألة في التحية

لا أعتقد أن قصة والدي مع شمعون شطريت يمكن أن تحل الصراع العربي–الإسرائيلي، ولا أن مقابلة باللغة العربية تستطيع أن تمحو تاريخًا طويلًا من النزاعات والحروب والآلام.

لكنها تذكّرني بشيء بسيط: أن الإنسان يستطيع أن يتحدث إلى الإنسان، حتى عندما يختلف معه. وهذا لا يعني أن نتخلى عن ذاكرتنا، ولا أن نتجاهل حقوقنا، ولا أن نساوي بين المواقف المتناقضة. بل يعني فقط أن نترك للغة العقل مساحة لا تستطيع لغة التخوين أن تحتلها بالكامل.

ربما كان هذا هو الدرس الذي أعادته إلى ذهني سيرة شمعون شطريت، ثم أعاد والدي تأكيده من تجربته الشخصية: من خيمة مهاجر في طبريا إلى الجامعة والكنيست والحكومة. ومن صحافي لبناني في غرفة أخبار لندن إلى مقابلة وزير إسرائيلي باللغة العربية. ومن مصافحة عابرة في ممر داخل “بي بي سي” إلى اتهام صحافي لبناني لأنه قال “مرحبًا” لرجل إسرائيلي على شاشة التلفزيون.

بين هذه المشاهد جميعًا، ثمة سؤال واحد يستحق أن يبقى مفتوحًا: هل نريد أن نبني مستقبلنا على الخوف من الآخر، أم على القدرة على التحدث معه؟ ربما يبدأ العقل، في النهاية، من كلمة. وربما تكون تلك الكلمة، أحيانًا، مجرد تحية.

* إعلامية وكاتبة لبنانية – روسية مقيمة في واشنطن

مشاهدة حين يتكلم العقل الإسرائيلي بالعربية hellip من شمعون شطريت إلى لبنان

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين يتكلم العقل الإسرائيلي بالعربية من شمعون شطريت إلى لبنان قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على بيروت تايمز ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حين يتكلم العقل الإسرائيلي بالعربية… من شمعون شطريت إلى لبنان.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار