قراءة عرضانية في نتائج انتخابات 2026 ودلالاتها السياسية ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (صوت المغرب) -

تكشف الانتخابات التشريعية المغربية ليوم الأربعاء 23 شتنبر2026 عن تحولات جوهرية في الخريطة السياسية والبرلمانية، حيث تغيرت موازين القوى مقارنة بانتخابات 2021. وفي هذا الصدد، تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج ب 97 مقعدا، متبوعا بحزب التجمع الوطني للأحرار ب 66 مقعدا، ثم حصد حزب الاستقلال 65 مقعدا، بينما حل حزب العدالة والتنمية رابعا ب 54 مقعدا.

وتكتسي عودة حزب العدالة والتنمية أهمية خاصة بالنظر إلى حجم التحول مقارنة بانتخابات 2021. فقد انتقل الحزب من 13 إلى 54 مقعدا بزيادة قدرها 41 مقعدا. غير أن قراءة هذه الزيادة باعتبارها مجرد استعادة للموقع الذي كان يشغله قبل سنة 2021 يعتبر قراءة قاصرة، فالأمر يتعلق أساسا بإعادة بناء حضور برلماني مهم داخل خريطة انتخابية جديدة وفي سياق اتسم بانخفاض المشاركة السياسية.

وفي هذا السياق، بلغت نسبة المشاركة الوطنية 38.08 في المئة، مقابل 50.86 في المئة سنة 2021، و42.27 في المئة سنة 2016. وتعتبر هذه النسبة أدنى نسبة مسجلة في الانتخابات التشريعية منذ دخول دستور 2011 حيز التنفيذ. ويمكن ربط هذا التراجع بأزمة الثقة في العمل السياسي خاصة في صفوف الشباب. فحين لا يجد المواطن في السياسات العمومية ما يترجم الوعود الانتخابية الوردية إلى نتائج ملموسة تنعكس إيجابا على حياته اليومية، يفضل الانزواء فتتسع الهوة بينه وبين المؤسسات السياسية، ويصبح العزوف عن التصويت أحد مؤشرات تراجع الثقة في جدوى المشاركة السياسية.

الجغرافيا الانتخابية لانتخابات 2026: عودة حضرية للعدالة والتنمية واستمرار الوزن القروي للأحزاب المتصدرة

تستدعي النتائج التي حققها حزب العدالة والتنمية التوقف عندها، وقراءتها بعناية بالنظر إلى ما تحمله من دلالات تستحق الاهتمام. فالانتقال من 13 مقعدا سنة 2021 إلى 54 مقعدا سنة 2026 لا يمثل تحسنا ملحوظا فحسب، بل هو انتقال من حضور برلماني في إطار مجموعة برلمانية إلى فريق برلماني قادر على المبادرة والتأثير في العمل الرقابي والتشريعي.

ومن المعلوم أن مجلس النواب يضم 395 مقعدا، منها 305 مقاعد بطابع محلي، و90 مقعدا بطابع جهوي محض. ووفق المعطيات المتوفرة على حزب العدالة والتنمية، فلقد توزعت مجموع مقاعده 54 بين 44 مقعدا محليا، و10 مقاعد جهوية.

وهذا يعني أن الجزء الأكبر من عودة الحزب جاء عبر الدوائر المحلية وليس فقط عبر اللوائح الجهوية؛ فالتنافس المحلي يضع الحزب ومرشحيه أمام اختبار مباشر داخل الدوائر ويجعل العودة مرتبطة بالخريطة الانتخابية المحلية بدل اختزالها في صورة الحزب على المستوى الوطني.

ولكن المعطى الأكثر دلالة يظهر عند إدخال البعد المجالي في التحليل، ف 43 مقعدا من أصل 54 مقعدا للعدالة والتنمية جاء من المدن والحواضر، مقابل 11 مقعد فقط من العالم القروي. وهذا يعني أن المقاعد الحضرية تمثل نحو 79.6 بالمئة من مجموع مقاعد الحزب. وهذا يميز خريطة عودة العدالة والتنمية عن خريطة الأحزاب الثلاثة التي تصدرت الانتخابات. فلقد حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 63 مقعدا في العالم القروي مقابل 34 في العالم الحضري، وحصل حزب التجمع الوطني للأحرار على 40 مقعدا في العالم القروي مقابل 26 في العالم الحضري، وحصد حزب الاستقلال 36 مقعدا في القرى والبوادي مقابل 29 مقعدا في المدن. وتكتسي هذه الأرقام أهمية خاصة لأنها تكشف أن الأحزاب الثلاثة الأولى اعتمدت، بدرجات متفاوتة، على ثقل انتخابي واضح في المجال القروي، في حين تميزت عودة العدالة والتنمية بطابع حضري.

جدول 1 التوزيع المجالي لمقاعد الأحزاب بين الدوائر الحضرية والقروية في انتخابات 2026

الحزب

المقاعد الإجمالية

المجال القروي المجال الحضري نسبة المقاعد القروية من رصيد الحزب الأصالة والمعاصرة 97 63 34 64.9% التجمع الوطني للأحرار 66 40 26 60.6% الاستقلال 65 36 29 55.4% العدالة والتنمية 54 11 43

20.4%

وتبرز معطيات الجدول أعلاه حضورا لافتا للأحزاب الثلاثة المتصدرة للانتخابات، إذ أن 64.9 في المئة من مقاعد حزب الأصالة والمعاصرة مصنفة ضمن المجال القروي، مقابل 60.6 في المئة من مقاعد حزب التجمع الوطني للأحرار، و55.4 في المئة من مقاعد حزب الاستقلال.

وتستدعي هذه الأرقام قراءة في ضوء المعطيات الرسمية التي نشرتها وزارة الداخلية والمندوبية السامية للتخطيط. فمن جهة، بلغ عدد المسجلين في اللوائح الانتخابية العامة لسنة 2026 15.801.162 ناخبا، يتوزعون بنسبة 55 في المئة في الوسط الحضري، و45 في المئة في الوسط القروي. ومن جهة ثانية، شهد المغرب خلال العقود الأخيرة تحولا ديمغرافيا مهما نحو المدن، فحسب نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى سنة 2024، بلغ عدد سكان المغرب 36.828.330 نسمة، منهم 23.110.108 في الوسط الحضري، و13.718.222 في الوسط القروي، ووصل معدل التمدن إلى 62.8 في المئة. ويكتسي هذا المعطى الديمغرافي أهمية خاصة عند قراءة التوزيع المجالي للمقاعد التي حصلت عليها الأحزاب الثلاثة، إذ يكشف عن استمرار وزن انتخابي مهم في المجال القروي، رغم التحول الديمغرافي المتزايد نحو المجال الحضري.

لذلك من الضروري استدعاء التحليل الكلاسيكي لريمي لوفو في كتابه الفلاح المدافع على العرش، ولسيما حول تأثير النخب المحلية والوساطة السياسية وشبكات النفوذ في تشكيل العلاقة بين المجال القروي والنظام السياسي. فقد درس لوفو كيف أمكن لشبكات الأعيان والنخب المحلية أن تستمر داخل المؤسسات السياسية الحديثة، وكيف يتقاطع التوزيع الجغرافي للمجال مع آليات التمثيل والوساطة الانتخابية. فرغم اختلاف السياقات التاريخية والاجتماعية والمؤسساتية بين المغرب الذي درسه لوفو والمغرب المعاصر، إلا أن نتائج انتخابات 2026 تعيد إلى الواجهة بعض الفرضيات المركزية في تحليله، فالوزن السياسي الانتخابي للمجال القروي لا يزال حاضرا ويفرض نفسه بقوة.

مراقبو مكاتب التصويت: حلقة أساسية في حماية النتائج الانتخابية

يتضح لنا مما سبق أن توزيع المقاعد يكشف تفاوتات مجالية واضحة بين الأحزاب السياسية، لذلك من الضروري الانتقال من منطق تحليل النتائج إلى منطق التنظيم السياسي. فالعملية الانتخابية لا تقوم فقط على عدد الأصوات التي يحصل عليها الحزب على المستوي الوطني، وإنما على قدرته على بناء حضور ميداني حقيقي داخل أكبر عدد ممكن من الدوائر، وتقديم مرشحين قادرين على التنافس بشرف، وتعبئة الموارد التنظيمية، والوصول إلى الناخبين عبر التواصل المباشر والرقمي، ومراقبة العملية الانتخابية بتفاصيلها الصغيرة والكبيرة.

وتكتسي هذه العملية أهمية بالغة بالنظر إلى اتساع الخريطة الانتخابية، فقد بلغ عدد مكاتب التصويت في انتخابات 2026 40.694 مكتبا، مؤطرة ب 3931 مكتبا مركزيا، أي بمعدل يقارب 11 مكتب تصويت لكل مكتب مركزي، وهو انتشار مكاني واسع يجعل التغطية الكاملة لمكاتب التصويت تحديا تنظيميا للأحزاب السياسية، ولسيما الأحزاب التي لا تتوفر على شبكة بشرية قادرة على تغطية مختلف الدوائر والمكاتب عبر ربوع المملكة. وفي هذا الصدد، أعلن جامع المعتصم، رئيس اللجنة المركزية لإدارة الحملة الانتخابية لحزب العدالة والتنمية، أن الحزب تمكن من توفير نحو 26.000 مراقب، وأكد كذلك أن حماية النتائج تمر عبر ضمان حضور المراقبين داخل مكاتب التصويت، وأن الحزب واصل بعد الاقتراع جمع المحاضر ومقارنتها بالنتائج المعلنة. كما أشار، في نفس السياق، أن المكاتب التي لم يكن الحزب ممثلا فيها أفرزت نتائج وصفها بأنها غير مفهومة وتثير علامات استفهام كثيرة. وأورد في هذا الصدد، مثالا لمكتب قال إن عدد المسجلين فيه بلغ 480 ناخبا، حيث أدلوا جميعا بأصواتهم، بما يعني بلوغ نسبة مشاركة قدرها 100 في المئة، وهو ما أثار العديد من علامات الاستفهام ويدعو إلى التساؤل حول مدى اتساق هذه النتائج مع المعطيات الانتخابية المسجلة. وبالتالي تتضح لنا الأهمية البالغة التي يضطلع بها مراقبو مكاتب التصويت في فهم الخريطة الانتخابية وتفسير نتائجها في السياق الانتخابي المغربي.

 

الاستثناء المغربي في سياق إقليمي متغير

وتكتسب عودة حزب العدالة والتنمية إلى المؤسسة التشريعية في انتخابات 2026 دلالة إضافية إذا وضعت في السياق الإقليمي الذي اتسم خلال السنوات الأخيرة بتضييق الخناق على عدد من التيارات الإسلامية، سواءً من خلال الحظر القانوني أو تقييد النشاط السياسي أو الملاحقات القضائية. وفي مقابل هذا الاتجاه الإقليمي، تقدم التجربة المغربية مسارا مختلفا تماما، حيث ظل حزب العدالة والتنمية، باعتباره حزبا ذي مرجعية إسلامية، جزءً من الحياة الحزبية والمؤسساتية وواصل مشاركته في الانتخابات بعد ولايتين حكوميتين. ليعود الحزب من جديد وينتقل من 13 مقعد في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدا في انتخابات 2026، مستعيدا بذلك موقعا بارزا بمجلس النواب. وفي هذا الإطار، لا تكمن خصوصية الحالة المغربية في مجرد استمرار حزب إسلامي في المشاركة السياسية، وإنما في قدرة هذا الحزب، بعد كبوة انتخابية سنة 2021، على إعادة بناء حضوره البرلماني من داخل الآليات الانتخابية والمؤسساتية القائمة.

التصويت العقابي: حين تحاسب الحكومة على حصيلتها

تسمح النتائج النهائية لانتخابات 2026 التي تم تعميمها من طرف وزارة الداخلية يوم السبت 26 شتنبر 2026، بقراءة التراجع الكبير الذي سجله حزب التجمع الوطني للأحرار، وهو ما يمكن تفسيره بتصويت عقابي اتجاه الحزب الذي قاد الحكومة خلال ولاية حكومية كاملة. فقد انتقل رصيد الحزب من أكثر من مليوني صوت في كل من الدوائر المحلية والجهوية سنة 2021 إلى 718.630 صوتا محليا و640.468 صوتا جهويا سنة 2026، أي بتراجع بلغ على التوالي 65.8 قي المئة و69.3 في المئة. وبهذا، يعتبر تراجع أصوات التجمع الوطني للأحرار أكثر حدة بكثير من التراجع العام في حجم التصويت. ولا يمكن، في هذه الحالة، فصل هذه النتيجة عن الحصيلة السياسية والاجتماعية للولاية السابقة، في ظل الانتقادات المرتبطة بالفجوة بين عدد من الوعود والالتزامات الانتخابية وبين ما تحقق فعليا، دون أن ننسى الضغوط التي واجهت القدرة الشرائية للأسر وارتفاع تكاليف المعيشة، فضلا عن استمرار أعطاب التشغيل والخدمات العمومية. ومن الضروري إعادة التذكير بالمعطيات الرسمية للمندوبية السامية للتخطيط، فالبطالة بلغت 13.3 في المئة سنة 2024، وارتفعت إلى 36.7 في المئة لدى الشباب بيم 15 و24 سنة، كما سجلت الأسعار ارتفاعات متتالية خلال السنوات السابقة، فيما ظل مؤشر ثقة الأسر عند مستويات تعكس استمرار القلق بشأن الأوضاع الاقتصادية والمعيشية. دون أن ننسى أن البرنامج الانتخابي الجديد للتجمع الوطني للأحرار لسنة 2026 جاء ليراهن للمرة الثانية على التوالي على القدرة الشرائية والتشغيل والخدمات العمومية، وهي القضايا التي كانت حاضرة في تقييم الولاية السابقة. ولذلك، فإن فرضية التصويت العقابي تبدو منسجمة جدا مع اتجاهات النتائج. وبالتالي، يمكن اعتبار انتخابات 2026 مزيجا من تصويت عقابي، وإعادة تموقع انتخابي، واستمرار خطير للعزوف السياسي.

خلاصة القول

 

لا تقدم انتخابات 2026 خريطة حزبية جديدة فحسب، بل كشفت النقاب عن تحولات مهمة في بنية التنافس السياسي المغربي: عودة حزب بقوة كان قد تعرض لانكماش انتخابي ولكن بقاعدة جغرافية حضرية بامتياز؛ واستمرار الوزن الانتخابي للمجال القروي لدى الأحزاب المتصدرة للانتخابات رغم ارتفاع نسبة تحضر المجتمع المغربي؛ وأهمية القدرة التنظيمية والمراقبة الميدانية في حماية صناديق الاقتراع؛ واستمرار خصوصية إدماج الحزب السياسي ذي المرجعية الإسلامية في المجال المؤسساتي المغربي؛ وقراءة التراجع الكبير للحزب الذي ترأس الحكومة السابقة من زاوية التصويت العقابي، في سياق اتسم في الوقت نفسه بمشاركة انتخابية محدودة. وبالتالي، فالتحول الذي أفرزته انتخابات 2026 لا يكمن فقط في تغيير ترتيب الأحزاب السياسية وعدد المقاعد، وإنما في الأسئلة الجوهرية التي تطرحها هذه النتائج حول العلاقة بين المواطن والعملية الانتخابية برمتها، وبين الجغرافيا السياسية والتمثيل، وبين التنظيم الحزبي المحكم والثقة السياسية، وحول مدى قدرة المؤسسات الانتخابية على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية والديمغرافية التي يعرفها المغرب.

قراءة عرضانية في نتائج انتخابات 2026 ودلالاتها السياسية صوت المغرب.

مشاهدة قراءة عرضانية في نتائج انتخابات 2026 ودلالاتها السياسية

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ قراءة عرضانية في نتائج انتخابات 2026 ودلالاتها السياسية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، قراءة عرضانية في نتائج انتخابات 2026 ودلالاتها السياسية.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار