هل آن أوان التحرر من التعود والعجز؟ ...لبنان

اخبار عربية بواسطة : (بيروت تايمز) -

 رشيد ج. مينا

هل نحن بين العجز والتعود، أم أن عقولنا أصبحت أسيرة واقع طال أمده، وتعددت أشكاله، حتى بدأنا نتعامل مع غير الطبيعي وكأنه طبيعي، ومع ما يجب رفضه وكأنه قدر لا سبيل إلى تغييره؟

ماذا نسمي إنسانًا يقبل أن تكون حياته بلا كهرباء أو ماء، أو أن يواجه المرض ولا يستطيع تأمين الطبابة والعلاج إلا إذا لجأ إلى متبرع أو جمعية أو زعيم أو صاحب نفوذ، وقد يجد بينهم من يتاجر بحاجته ومعاناته؟

ماذا نسمي إنسانًا تُداس كرامته في العمل وفي سعيه إلى لقمة العيش، ويقبل أن يتحول حقه في الوظيفة والتعليم والطبابة والخدمة العامة إلى مِنّة عليه أن يشكر من وفرها له؟

هل هو التعود على الانحدار وعلى ما يُفرض من أساليب عيش وسلوك؟

أم هو العجز الذي صنعته المصائب والأزمات المتلاحقة؟

أم أننا أمام الاثنين معًا: تعود فرضه العجز، ثم عجز أعاد إنتاجه التعود؟ والسؤال يصبح أكثر إلحاحًا عندما نستعيد مسيرة الإنسان نفسه.

فالإنسان بطبيعته لم يستسلم للعجز. تمرد على واقعه، وتحدى الطبيعة، وابتكر الوسائل والأدوات لمواجهة عقبات الحياة وتطويرها. انتقل من الحرفة إلى الزراعة والصناعة، ومن وسائل العلاج البدائية إلى الطب الحديث، واكتشف الكهرباء واستخرج النفط وصنع الطائرة، ثم دخل عصر الاتصالات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، حتى بات التطور يسير بسرعة يصعب أحيانًا على الإنسان نفسه ملاحقتها.

فأين إنساننا من كل ذلك؟

ماذا أصابه؟ وماذا أصابنا؟

كيف وصل الإنسان إلى الفضاء، بينما لا يزال إنسان في أرضنا يبحث عمن يؤمّن له الكهرباء والماء والدواء؟

وكيف بلغ العالم هذا المستوى من المعرفة والتكنولوجيا، بينما لا يزال مواطن عندنا يحتاج إلى واسطة ليحصل على حق يفترض أن تكفله له الدولة والقانون؟

وليس ما أتحدث عنه شأنًا لبنانيًا خالصًا، وإن كان لبنان من أكثر النماذج وضوحًا في إظهار هذه الحالة. ففي كثير من مجتمعاتنا العربية، وباختلاف الأنظمة والظروف، عاش الإنسان أشكالًا متفاوتة من العجز والتعود: غياب المشاركة، أو ضعف المؤسسات، أو الخوف من السلطة، أو الارتهان للحاجة، أو قبول الواسطة بدل الحق، أو انتظار المكرمة بدل المطالبة بما يجب أن يكون حقًا.

تختلف الأشكال، لكن النتيجة تتقاطع عند نقطة خطيرة:

إنسان تتقلص قدرته على التأثير في الشأن العام، بينما تتسع المسافة بينه وبين الدولة التي يفترض أن يكون مصدر شرعيتها وغاية وجودها. ولا تكفي هنا الإجابة بأن السلطة وحدها هي المسؤولة.

ففي مراحل كثيرة، ظهرت قوى وتيارات وزعامات وأحزاب رفعت شعارات الثورة والتحرير ومواجهة الاستعمار والظلم والقهر، وكان يفترض أن تنظم الجماهير، وتنشر الوعي بينها، وتقنعها بحقوقها، وتقود نضالها السلمي والديمقراطي من أجل تغيير الواقع وإلزام الدولة ومؤسساتها بالقيام بواجباتها. لكن بعضها سلك طريقًا آخر.

بدل أن يقود الناس إلى المطالبة بحقهم في الدولة، بدأ يبني لهم بدائل عنها.

مستوصف هنا، مركز صحي هناك، مدرسة أو جمعية اجتماعية، نادٍ رياضي أو مركز ثقافي، ومؤسسات خدماتية متعددة.

وليس في أي من هذه الأعمال ما يُدان في ذاته. فبناء مستشفى أو مدرسة أو مركز ثقافي أو رياضي وخدمة المحتاجين أعمال لها قيمتها الإنسانية والاجتماعية، وخصوصًا عندما تعجز الدولة عن القيام بواجباتها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الخدمة بديلًا عن النضال من أجل الحق، وتتحول حاجة الناس إلى وسيلة لبناء الشعبية والنفوذ والولاء.

فالفرق كبير بين أن تعالج مريضًا، وبين أن تجعل حاجته إلى العلاج أساسًا لعلاقته بك. والفرق كبير بين أن تساعد طالبًا على التعلم، وبين أن تجعل مستقبله مرتبطًا بمرجعيتك.

والفرق كبير بين أن تنشئ مؤسسة اجتماعية تسد حاجة طارئة، وبين أن يتحول وجود هذه المؤسسة إلى بديل دائم عن مطالبة الدولة بأن تقوم بواجبها تجاه جميع مواطنيها.

وهنا تحدث المفارقة الأخطر: القوة التي كان يفترض أن تنظم الناس لتغيير الواقع تصبح مستفيدة، بصورة أو بأخرى، من استمرار الواقع الذي جاءت لتغييره. فبدل أن تتحول حاجة الناس إلى قوة ضغط لإصلاح الدولة، تتحول إلى رصيد سياسي لمن يدير تلك الحاجة.

وبدل أن يسأل المواطن: أين مستشفاي ومدرستي وعملي ومياهي وكهربائي وحقوقي؟ يصبح ممتنًا لمن وفر له جزءًا منها. وهكذا يتحول شيئًا فشيئًا من صاحب حق إلى طالب خدمة، ومن مواطن إلى تابع. وفي لبنان أخذ هذا المسار أشكالًا أكثر تعقيدًا.

فسلوك قوى وزعامات وأحزاب، وتغليب المصالح الطائفية والمذهبية والفئوية، والمحاصصة والصراع على السلطة والنفوذ، لم يؤد فقط إلى إضعاف العلاقة بين المواطن والدولة، بل ساهم في تعطيل استكمال مشروع الدولة وبناء مؤسساتها.

فنشأت مرجعيات موازية، لكل منها جمهورها وشبكة مصالحها وخدماتها وعلاقاتها، واتسعت المساحات التي تتحرك فيها القوى خارج مؤسسات الدولة.

ومع ضعف الدولة والانقسام الداخلي، شُرعت الأبواب أمام التدخلات الخارجية والوصايات ومشاريع النفوذ، ووجد الخارج في الداخل من يستند إليه، كما وجد بعض الداخل في الخارج من يستقوي به على شركائه في الوطن. وفي مراحل مختلفة أصبحنا أمام ما يشبه دويلات داخل الدولة:

قوى سياسية وطائفية تمتلك مؤسساتها ونفوذها، وقوى مسلحة خارج السلطة الكاملة للدولة، وعلاقات وارتباطات تتجاوز أحيانًا مؤسساتها وقرارها الوطني. وهكذا دخلنا دائرة يعيد كل طرف فيها إنتاج الآخر:

ضعف الدولة يقوي القوى الموازية، وقوة هذه القوى تزيد ضعف الدولة، والخارج يستثمر في الانقسام، والانقسام الداخلي يستقوي بالخارج.

لكنني لا أريد أن أقع في ظلم الإنسان البسيط.

فالذي يحتاج إلى دواء لابنه لن ينتظر اكتمال مشروع الدولة.

والذي يخشى فقدان عمله لا يمكن أن نطلب منه البطولة كل صباح.

والذي لا يستطيع دفع قسط المدرسة أو فاتورة المستشفى سيطرق الباب الذي يفتح له.

وهنا بالذات تكمن خطورة المسألة.

فالحاجة يمكن أن تصبح أداة لإنتاج التبعية.

في البداية يقبل الإنسان لأنه مضطر.

ثم يعتاد لأنه لا يرى بديلًا.

ثم يصبح ما اعتاده جزءًا من حياته.

ومع مرور الزمن قد يصل إلى مرحلة يدافع فيها عن النظام الذي يبقيه محتاجًا إليه، لأنه يخشى أن يفقد حتى القليل الذي يحصل عليه.

وهكذا يصبح السؤال الأول أكثر عمقًا: هل تعودنا لأننا عاجزون، أم أصبحنا عاجزين لأننا تعودنا؟ ولعل أخطر أنواع الاحتلال ليس دائمًا احتلال الأرض.

هناك أيضًا أسر العقل عندما يفقد قدرته على تصور البديل، ويقتنع الإنسان بأن الواقع المفروض عليه هو أقصى ما يستطيع الحصول عليه. وعندها لا يعود القهر بحاجة دائمًا إلى القوة كي يستمر.

يكفي أن يصبح مقبولًا. ولا يعود الحرمان بحاجة إلى من يبرره.

يكفي أن يصبح مألوفًا. ولا تعود الواسطة فضيحة.

تصبح «شطارة». ولا يصبح الحصول على الحق أمرًا طبيعيًا. بل يصبح صاحب الحق ممتنًا لمن أعاده إليه.

فكيف نخرج من هذا كله؟

لا يكفي أن نقول للناس:ثوروا. ولا أن نستبدل زعيمًا بزعيم، أو حزبًا بحزب، أو سلطة بسلطة. ولا تكون الثورة بإشعال الشارع لمجرد إشعاله، ثم العودة بعد سنوات إلى إنتاج المنظومة نفسها بأسماء ووجوه جديدة.

التحرر يبدأ بالوعي.

أن يعرف الإنسان أن الكهرباء والماء والتعليم والطبابة والعمل والأمن والقضاء ليست مِننًا. وأن كرامته ليست قابلة للمقايضة. وأن حقه السياسي لا يباع مقابل مساعدة أو وظيفة أو فاتورة مستشفى. وأن الطائفة تستطيع أن تكون انتماءً دينيًا واجتماعيًا محترمًا، لكنها ليست بديلًا عن الوطن. وأن الحزب ليس دولة. والزعيم ليس دولة. والجمعية ليست دولة.

وأن الاختلاف الديني والمذهبي والثقافي ليس مبررًا للتناحر، بل يمكن أن يكون تنوعًا إيجابيًا يغني المجتمع ويوحده حول المواطنة. والدولة نفسها ليست علمًا ونشيدًا ووزارات تجبي الضرائب وأجهزة أمن وسجونًا.

الدولة مؤسسات تعكس إرادة الشعب الحرة.

الدولة سيادة وقانون ومواطنة متساوية.

هي قضاء مستقل، وحريات عامة وشخصية، وحقوق وواجبات، ومؤسسات لا تسأل المواطن عن طائفته ومذهبه ومنطقته وزعيمه قبل أن تعطيه حقه.

هي ديمقراطية حقيقية تجعل الشعب مصدر السلطة، وتتيح تداولها ومحاسبة من يمارسها.

هي ثقافة وطنية وحدوية تشاركية، وإنسانية تحترم الإنسان وكرامته، وعروبة متجذرة لا تلغي الوطن وخصوصيته وسيادته، بل تضعه في فضائه الطبيعي متفاعلًا مع أشقائه من موقع الشراكة لا التبعية. وإذا كان هذا هو معنى الدولة، فإن تحرير الإنسان واستكمال بنائها لا يمكن فصلهما.

فلا دولة حقيقية من دون مواطن حر، ولا مواطن حر يستطيع حماية حريته وحقوقه من دون دولة عادلة قوية. ومن هنا فإن معركة التحرر من العجز والتعود ليست لبنانية وحدها. إنها، بأشكال مختلفة، سؤال عربي أيضًا: كيف نستعيد الإنسان المواطن بدل الإنسان التابع أو الخائف أو المحتاج؟

كيف نعيد إليه ثقته بقدرته على التغيير؟

كيف نحول الوعي إلى تنظيم، والتنظيم إلى مشاركة، والمشاركة إلى قوة سلمية ديمقراطية تفرض الإصلاح والمحاسبة وتداول السلطة؟ وكيف نبني دولة لا تطلب من شعبها الطاعة مقابل الحماية والخدمة، بل تستمد شرعيتها منه وتكون مسؤولة أمامه؟

الثورة الحقيقية على العجز لا تبدأ بالضرورة من شارع مشتعل.

قد تبدأ بعقل يرفض أن يعتبر الظلم قدرًا.

بمواطن يرفض بيع صوته.

بمعلم يزرع المواطنة في تلامذته.

بإعلام يرفض أن يكون بوقًا.

بقاضٍ يتمسك باستقلاله.

بمجموعة من الناس تنظم نفسها حول قضية عامة.

وبإنسان يكتشف أن الآخر المختلف عنه في الدين أو المذهب أو المنطقة ليس خصمه، بل شريكه في الحق نفسه، وفي المعاناة نفسها، وفي المستقبل نفسه.

عندها يبدأ جدار العجز بالتصدع.

وعندها فقط يمكن أن تتحول الجماهير من خزانات انتخابية وطائفية ومذهبية إلى شعب، وأن تتحول الجغرافيا من مساحة نتقاسمها إلى وطن، وأن تتحول السلطة إلى دولة.

ويبقى السؤال: هل آن أوان التحرر من التعود والعجز؟

أعتقد أن الأوان تأخر كثيرًا. ولذلك لم يعد السؤال متى.

السؤال: هل نمتلك الوعي والإرادة لنبدأ؟

فأخطر ما يمكن أن يصيب الإنسان ليس أن يُحرم من حقه مرة، ولا أن يعجز عن انتزاعه مرة أخرى.

الأخطر أن يطول حرمانه حتى يعتاده، وأن يطول عجزه حتى يقتنع بأنه قدره. وحين يستعيد الإنسان وعيه بأن ما سُلب منه حق وليس مِنّة، وأن واقعه قابل للتغيير وليس قدرًا مكتوبًا عليه، تكون أولى خطوات التحرر من العجز والتعود قد بدأت.

 

مشاهدة هل آن أوان التحرر من التعود والعجز

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ هل آن أوان التحرر من التعود والعجز قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على بيروت تايمز ( لبنان ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، هل آن أوان التحرر من التعود والعجز؟.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار