وبالطبع، لم تكن فيها بعد مؤسسة ثانوية لاستقبال تلامذة المنطقة الذين كانوا يتوجهون إما إلى ثانويات مدينة فاس أو بلدتَي تاونات، وبامحمد.
وهكذا رأيتني بصحبته ذات صباح للالتحاق بثانوية المولى رشيد بفاس كتلميذ متأخر عن زملائه بما يقرب من ثلث سنة دراسية.
والآخر يسخر من لهجتي الجبلية ويقلدها بكثير من المبالغة لإضحاك أصدقائه. وزاد في الطين بلة أني كنت لا أقوى على رد أي فعل، نظرا لالتزامي بما أوصاني به والدي من انضباط ونأي عن إثارة المشاكل.
ـ أستاذ.. أستاذ.. تلميذ جديد.. جبيلو نازل من “الأرية” (القرية) بلكنة أهل فاس.
وحين كان يسألني، كانت لهجتي الجبلية مع تلعثمي يثيران في القسم ضجة صاخبة من الضحك..
فقلت في نفسي مستغربا: أي لَهو هذا الذي ينشغل به التلاميذ بدراسة عبثية حول الحيوانات ويتركون المواد العلمية الجدية؟
والكيمياء التي كانت زوجة الحارس العام السيد طالب، الجزائري الجنسية.
فمدني بأصبع طباشير وقال لي أكتب:
فكتبت بكل سذاجة:
فلم أشعر إلا وصفعة مدوية تلهب وجهي وتشعل نجوما أمام ناظري..
والحقيقة أن الأمور لم تنفرج إلا عند لقائي في الحصة الثانية بالسيدة أندرو، أستاذة العلوم الطبيعية التي كانت في منتهى الرقة واللطافة، وهي بالمناسبة زوجة أستاذ الفرنسية، حيث أفهمتني بأن علي أن أشتري كتابا ودفترا للعلوم الطبيعية وأن أنسخ كل الدروس التي فاتتني، كما أوكلتني إلى تلميذ اسمه اعبابو كي يساعدني على ذلك. وأعتقد أنها أوصت زوجها بي خيرا لأني في أول لقاء لي به وجدته طيبا متفهما، خصوصا عندما استحسن مستواي في مادته.
وفي المساء، هاتفت والدي واشتكيت له وضعيتي، فقدِم على الفور وصحبني عند الحارس العام، الذي عدد له كل ما أنا بحاجة إليه وطمأنه بأن الأمور ستكون على ما يرام وأني سأستدرك كل ما فاتني من دروس.
ـ أستاذ.. أستاذ.. “تلميذ جديد.. يَأول (يقول) بأنه هواد من أغية (قرية) با محمد..”.
كان ذاك هو الأستاذ الفاضل محمد السرغيني، الأديب الكبير الذي توفي قبل بضعة أيام، والذي كان لي شرف التتلمذ عليه في ثانوية المولى رشيد.
ولا زلت أذكر وكأن الحدث وقع بالأمس، أن درسه دار حول التفاؤل والتشاؤم.
كن بلسما إن كان دهرك أرقما وحلاوة إن صار غيرك علقما
وفي حصته الموالية، سلمته إنشائي بعدما عصرت ذهني واستعملت كل طاقتي كي لا أخيب ظنه.
كانت تلك أول رواية قرأتها في حياتي، فأبهرتني وشدتني إلى عالم سحري عجيب شعرت فيه بما يشعر به شخص يقدم لأول مرة على تناول مخدر قوي فرفعه إلى عالم سماوي بهيج ليس فيه إلا النشوة والجمال..
ثم اكتشفت فنا أدبيا آخر أرهف إحساسي وأضرم النار في جوانحي وجعلني أهيم في حب الحب، وذلك حين اطلعت بالصدفة على المراسلات التي كان يتبادلها شقيقي مع حبيبته التي كانت تستهل رسائلها المشبوبة إليه دائما ب:”إلهي المعبود”، قبل أن يتزوجها ويصبح بالنسبة إليها عدوا من أعداء الله…
وحين طلب مني أن أقرأ عليهم إنشائي، انفرطتْ ضحكات هازئة من هنا وهناك.. ولكن مع تقدمي في القراءة، ساد صمت مريب، أعقبه استغراب شديد شد إلي الانتباه حتى أكملت.
ثم التفت إلي مهنئا بحرارة، وسألني عن أستاذي في قسم الشهادة، فلما ذكرته له، هز رأسه قائلا: هذا الاسم ليس غريبا علي..
وبما أن مدينة فاس العريقة، لا تعدم ولن تعدم مواهب أدبية رفيعة، فقد اتصل بي منها كاتبان شابان هما الأستاذان مصطفى بوينيان وعبد الرحيم كمال وأهداني كل واحد منهما روايتين رائعتين وظفا فيهما ما عاناه المجتمع المغربي في سنوات الجمر والرصاص.
وبعد مدة، قرأت بالصدفة نصا حزينا نعى فيه الأديب الأستاذ عبد الرحمان الغندور أستاذنا محمد السرغيني، فتأسفت أسفا عميقا على رحيل هذا العلَم الشامخ الذي كان لي شرف التتلمذ عليه قبل 65 سنة.
وهنا تأكدت أن من مظاهر هذه الأزمنة الرديئة، عملقة الأقزام وتقزيم العمالقة..
فهل سنفرح يوما بتسمية شارع أو مؤسسة باسم هذا العلَم الذي أثرى الشعر العربي وشرّف الإبداع المغربي؟
رحل الأستاذ وبقي الدرس .. الشاعر السرغيني في ذاكرة التلميذ المرزوقي Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة رحل الأستاذ وبقي الدرس الشاعر السرغيني في ذاكرة التلميذ المرزوقي
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ رحل الأستاذ وبقي الدرس الشاعر السرغيني في ذاكرة التلميذ المرزوقي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، رحل الأستاذ وبقي الدرس .. الشاعر السرغيني في ذاكرة التلميذ المرزوقي.
في الموقع ايضا :