ويتجدد اللقاء مع إبداعات مواهب وأدباء أبناء أرض الكنانة وضيفتنا في هذه الحلقة الأديبة د.وداد معروف ،والتي أهدت بوابة الجمهورية والمساء أون لاين قصة “مُغادَرَة” من مجموعتها القصصية،”سر الولي” ،ننشرها عبر هذه السطور..
?
مُغادَرَة
توقفت السيارة أمام بيتنا، المسافة كانت طويلةً من دمياط الجديدة إلى مركز الباجور، انتحيت بطفلتي جانبًا حتى يخرج المحمل من البيت، إخوتي ورجالُ العائلة يحملونه ويخرجون به؛ فلا مكان أرتمي منه على جثمان أمي، أنتظر برهة حتى يخرجوا كي أوقفهم لأودعها، ركن زوجي السيارة وانتظر حتى يستووا على الطريق ليتبع المحمل، عندما مرت بي أمي صرَخْتُ وقلتُ انتظروا أودعها، حرمتني منها الغربة فلم أنعم بصحبتها كإخوتي، هنا توقفوا وضعوا المحمل لأقبل جبينها ويديها، لكنهم تراجعوا ومضَوْا خطوات بعيدا عني، لكن أخي ناصر رق لحالي وبكائي الذي انهمر من عيني، ونادى عليَّ:
– تعالَـيْ يا شيرين ودّعي الغالية.
سمعت همهمة اعتراض؛ لكن ناصر أمرهم بالتوقف، انكببت على المحمل أقبل رأسها وكفنها.
– قال ناصر لي: هل رضيتِ يا شيرين، دعينا ننقلها لترتاح من الدنيا وما فيها.
كأنما نظرت إليَّ أمي بإشفاق، رأيت الدموع في عينيها، ناشدَتْني أن أصبر على المكتوب، أن أهوِّن على نفسي ما وقعت فيه، سمعتُ عبارتها التي طالما ردَّدَتْها على مسامعي “التعيس من لا يملك شيئًا من الصبر”، نعم يا أمي صبرت كثيرًا حتى مل الصبر مني، واليوم أستجدي جبالَ الصبر لتهبط وتحملني ففراقك أليم، أليم يا أمي.
حملوها ومضوْا، ودخلت بيتنا، أحاط بي أخواتي وخالاتي وعماتي، كلهن يواسونني، بكت طفلتي من مشهد النساء المتشحات بالسواد، صرَخَتْ بهستريا، حملتُها وجلست، ناولتني أختي كوبًا من الماء لترتشف منه جرعة كي تهدأ، فعلتُ ونظرتُ لدارنا التي وسعت ضحكاتِنا وأحزانَنا وحكاياتِنا ومناسباتِنا، رأيت أمي تدخل علينا من باب الوسط الذي يفصل الصالة عن المطبخ والمنور ودورة المياه والصالة الصغيرة، حيث كنا ندير البيت من هذا الجزء من الدار، نلتف حول أمي وهي تطبخ، ولما كبرنا صرنا نحن من نطبخ وهي تجلس لتعطينا نصائحها، ثلاث بنات كلهن تعلمن في الجامعة، قضينا في هذا البيت سنوات؛ لم يأت علينا بعدها مثلُها في جمالها، تزوج إخوتي كلهم في مركزنا؛ إلا أنا تغربت وتزوجت في دمياط، الغربة قد تهون لو شعرت المرأة بالراحة مع شريك حياتها، أما لو كان الشريك قاسيًا كالغربة فهي ألم فوق الألم،
– سألتني أختي الكبرى: أظنك ستمكثين معنا ثلاثة أيام العزاء؟
– قلت لها: يومًان فقط هما ما أستطيع أن أستأذن فيهما إياد.
– أشارت أختي لحجرتنا أيام كنا بنات وقالت: ضعي حقائبك هنا، وإن أحببت أن تضعي ابنتك لتنام في الفراش فلك ذلك.
– هززت رأسي، وقمت أحمل ابنتي ووضعتها على السرير واستلقيت بجوارها لتهدأ وتنام.
جاءتني أختي لتخبرني أن زوجي قد عاد من المقابر بعد تشييع أمي، ويريد أن يتحدث إلـيَّ في أمر ما، نزعت نفسي من جوار ابنتي بهدوء، ذهبت إليه في حجرة الصالون، كان يجلس مع إخوتي وأبناء عمي، جلست بجواره أستفهم منه ماذا يريد.
– قال لي بنبرة آمرة: هيا احملي ابنتك وحاجياتك لأننا سنعود إلى بيتنا.
اندهشت وتلجم لساني، كيف أترك عزاء أمي بعد دفنها مباشرة كأنني امرأة غريبة جاءت للعزاء ومضت! إنها أمي وهؤلاء إخوتي وهذا بيتنا وهذا عزاؤها، فليمضِ هو ويتركْني في حضن إخوتي نواسي بعضنا في فقدها.
– قلت له بصوت هامس؛ اتركني يومين فقط، وسأعود وحدي للبيت.
– رفع صوته علي مقسما، إنني طالق منه إذا لم أتبعه حالًا إلى السيارة.
– انتبه إخوتي وأبناء عمي، وقالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، لماذا هذا القسم؟
– بعنجهيته التي تعودتها قال: زوجتي وتسمع كلامي.
– قال أخي الأكبر: تسمع كلامك نعم: لكن هذا ظرف يقدر ويحترم.
– رد عليه: وقد جئت بها إليكم وحضرت أمها قبل الدفن، وحضرت أنا الجنازة ألا يكفي؟
– قال إخوتي: يكفي يا أستاذ إياد، هيَّا يا شيرين مع زوجك.
قالوها وفي حلقهم غصة، أما أنا فلم أجد في فمي ريقًا لأبتلعه، زوجي وأعرفه، لو تكلمت بكلمة واحدة أو امتنعت عن العودة معه لوقع يمين الطلاق الثالث، إياد ألعوبة إخوته البنات، وحيد على ثلاث بنات، ما وصلنا لهذه الحال إلا بوسوستهن في رأسه، يتلو عليهن الورد اليومي لحكاياته مع شيرين، فيسمع عبر الهاتف رأيَهن في يومياتنا مضافا إليه رأي والده، وبذلك ليس لي إلا الامتثال لكلِّ أوامرِهن؛ التي عبرت على لسانه طلقات نافذة لسويداء قلبي، أُسَلِّي نفسي على حالي، أن الأيام قد تبتسم لي، وأن ابنتي لها الحق في أن تتمتع بوجودها مع أبيها، وأن وصية أمي بالصبر حتمًا سيكون لها العقبى الطيبة.
امتلكت نصيبًا وافرًا من الصبر يا أمي، هل تحقق لي شيءٌ من السعادة؟
حمَلْتُ ابنتي النائمة وحقيبةَ ملابسي التي لم تفتح، وحملت في قلبي قهرًا يفيض عن تحمل مدينة بكاملها، غادرت بيتَنا وسط ذهول كل النساء اللاتي يملأن غرفَ الدار.
***
ظهرت المقالة “مُغادَرَة”..إبداع متجدد للأديبة د.وداد معروف أولاً على جريدة المساء.
مشاهدة ldquo م غاد ر ة rdquo إبداع متجدد للأديبة د وداد معروف nbsp
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ م غاد ر ة إبداع متجدد للأديبة د وداد معروف قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على جريده المساء ( مصر ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، “مُغادَرَة”..إبداع متجدد للأديبة د.وداد معروف .
في الموقع ايضا :