yemenat
يمنات
محمد المخلافي
هناك بعض الكتّاب، كلما حاولت الاقتراب منهم، اكتشفت أن المسافة ما زالت بعيدة. تقرأ لهم، وتعود إلى سيرتهم، وتحاول أن تعرف عنهم أكثر، لكنك في كل مرة تشعر أن هناك شيئًا لم تصل إليه بعد.
ومن هؤلاء الكتّاب والأديب والروائي والباحث السعودي خالد اليوسف. حاولت الاقتراب منه من خلال قراءة بعض أعماله والكتابة عنه أكثر من مرة. ومع ذلك ما زلت أشعر أنني لم أكتب عنه شيئا يوازي ما قدمه طوال هذه السنوات.
وأنا أقرأ سيرته الآن وأتتبع مسيرته التي تمتد لأكثر من نصف قرن، أجد أمامي تجربة طويلة تنقلت بين القصة والرواية والبحث والتوثيق والعمل الثقافي. وما زال يكتب ويعمل، أطال الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية.
ولد خالد اليوسف عام 1958 في حي دخنة بالرياض، في أسرة تهتم بالتعليم. كان من الطلاب المتميزين، وبعد الثانوية درس المكتبات والمعلومات في جامعة الإمام محمد بن سعود، وحصل على درجة البكالوريوس عام 1983.
بعد تخرجه عمل في مكتبة هيئة الخبراء، وتدرج في العمل حتى أصبح مديرًا لها عام 1986م. وفي الوقت نفسه كان قريبًا من الصحافة والمجلات الثقافية، فعمل محررًا في مجلة (عالم الكتب) بين عامي 1980 و1984م، ثم في (المجلة العربية) بين عامي 1983 و1985م، وعمل أيضًا محررًا مشاركًا وفاحصًا للمواد في مجلة (التوباد).
وفي (المجلة العربية) طلب منه أستاذه حمد القاضي التعاون معه في إجراء حوارات ولقاءات مع عدد من الكاتبات السعوديات، بعد تجربة مشابهة له في الصفحات الأدبية والثقافية في جريدة الرياض.
أما القصة، فقد دخل إليها مبكرًا. كتب أول قصة قصيرة له بعنوان (وهم المطر) وهو في العشرين من عمره، ونُشرت في دورية مدرسية، ثم أعيد نشرها في أكثر من موقع ومساحة أدبية.
ولم يكن يدري وقتها إلى أين ستأخذه تلك القصة، لكنه عاد إليها بعد ذلك وقال: (لم أتوقع أنها ستستدعي أخواتها الأخريات، وأنها ستكون بداية لطريق طويل وطويل، ومتفرع لطرق أخرى!).
كتب القصة، لكنه لم يتوقف عند الكتابة وحدها، بل أخذ يقرأ ما يكتبه الآخرون ويتابع القاصين ويرصد إصداراتهم ويجمع المعلومات عنهم.
وخلال عمله في (عالم الكتب) شارك مع آخرين في إعداد عدد خاص عن القصة القصيرة في السعودية، ومن خلال الصحافة والملاحق الأدبية تعرف أكثر إلى جيل من الرواد والكتاب السعوديين.
ثم تولى مسؤولية ملحق وصفحات الأدب في جريدة (المسائية) بين عامي 1985 و1987، وفي عام 1407هـ/1987م عُيّن سكرتيرًا لنادي القصة السعودي في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.
وكان وجوده في النادي نقطة مهمة في مسيرته؛ فمن هناك بدأ يجمع المعلومات عن القصة القصيرة السعودية وكتابها، ووسع علاقاته بالقاصين السعوديين والعرب، وتواصل مع أندية وجهات تهتم بالقصة القصيرة، منها نادي القصة في القاهرة ونادي القصة في تونس.
وأصدر النادي دورية (الواحات المشمسة)، ونُشرت فيها النصوص والدراسات، وأقيمت أمسيات وندوات ولقاءات ومسابقات، وصدرت أكثر من ثلاثين مجموعة قصصية ورواية، إلى جانب تسعة أعداد من الدورية.
وفي تلك الفترة بدأ أيضًا في تكوين مركز معلومات عن القاصين السعوديين: أسماء، أعمال، إصدارات، تواريخ. أشياء قد تبدو صغيرة، لكنها تصبح مهمة عندما تبحث بعد سنوات عن تاريخ القصة في بلد كامل.
في نهاية عام 1410هـ/1990م أصدر (الراصد)، وهو كتاب ببليوجرافي متخصص بالقصة القصيرة.
أما في الكتابة القصصية، فقد صدرت له (مقاطع من حديث البنفسج) عام 1984م، و(أزمة الحلم الزجاجي) عام 1987م، و(إليك بعض أنحائي) عام 1994م، و(امرأة لا تنام) عام 1999م، و(الأصدقاء) عام 2004م، و(المنتهى.. رائحة الأنثى) عام 2008م، ثم (يمسك بيدها… ويغني) عام 2010م.
وفي عام 1997 التقى الدكتور عبدالعزيز السبيل، الذي كان يعمل على إصدار دورية متخصصة بالقصة القصيرة في الجزيرة العربية، وخرج العدد الأول من مجلة (الراوي) عام 1998.
ومع انتشار الإنترنت، وجد اليوسف فيه مجالًا جديدًا لمواصلة عمله. فأطلق عام 2001 موقع (الراصد)، المتخصص في المكتبات والمعلومات والسرد العربي، ونشر فيه الأخبار والمقالات والبحوث والرسائل الجامعية
وفي عام 2003 انضم إلى طاقم (الراوي)، وواصل العمل والتحرير فيها حتى أصبح رئيسًا لتحريرها عام 2020.
ثم بدأ يدخل أكثر في مشاريع توثيق القصة السعودية. في عام 2006 بدأ العمل على مشروع (أنطولوجيا القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية)، وبعد سنوات صدر الكتاب عام 2009 في 864 صفحة، وضم 192 قاصًا وقاصة مع سيرهم.
ثم صدر الجزء الثاني عام 2022، في 680 صفحة، وضم 140 قاصًا وقاصة. لكن عمله في هذا الجانب لم يتوقف عند الأنطولوجيا. صدر له (دهشة القص: القصة القصيرة جدًا في المملكة العربية السعودية) عام 2017م، و(مرآة السرد. وصدى الحكاية: قصص عربية من نادي القصة السعودي) في جزئه الثاني عام 2018م.
كما صدر له (معجم الإبداع الأدبي في المملكة العربية السعودية – الرواية) عام 2010م، و(نقاء الطين الأبيض: سيرة ثقافية) عام 2021م، ومن أعماله البحثية أيضًا (حركة التأليف والنشر الأدبي في المملكة العربية السعودية خلال عشرين عامًا 2000-2020م)، و(الترجمة في الأدب السعودي من وإلى اللغات الأخرى: دراسة تاريخية ببليوجرافية ببليومترية).
وفي عام 2012 أنشأ صفحة (نادي القصة السعودي) على فيسبوك. تحولت الصفحة إلى مساحة نشطة للقصة، وتجاوز عدد أعضائها ألفًا وستمائة عضو، ونُشرت فيها أكثر من ثلاثة آلاف قصة، إلى جانب بالإصدارات والنشاط القصصي.
ثم بدأ في عام 2014 العمل على مشروع أكبر، هو (معجم الأدباء السعوديين)، الذي صدر عام 2025، وضم 1544 أديبًا على مدى نحو 150 عامًا.
ومن خلال منهجه في إعداد المعجم، لم يكن يريد كتابة نصوص مديح عن الأدباء، وإنما جمع معلومات محددة عن كل شخصية: الاسم، واسم الشهرة، ومكان الميلاد وتاريخه، والمؤهل والتخصص، والنشاط الأدبي، وعدد من المؤلفات.
هذا النوع من العمل يحتاج إلى وقت طويل وصبر. أسماء وتواريخ، عناوين كتب، طبعات وإصدارات، ومعلومات قد لا تجدها في مكان واحد.
وربما يفسر هذا جانبًا من شخصية اليوسف؛ فهو لا يكتفي بأن يكتب، بل يريد أن يعرف ماذا كتب الآخرون، ومتى كتبوا، وما الذي بقي من أعمالهم.
ومع كل هذا الانشغال بالبحث والتوثيق، لم تبتعد القصة عنه.
وبعيدًا عن القصة، كتب الرواية أيضًا. صدرت له (في وديان الإبريزي) عام 2009م، و(نساء البخور) عام 2012م، و(وحشة النهار) عام 2013م، ثم (سيرة حمى) عام 2021م، و(ارتحالات يعقوب النجدي) عام 2023م، و( قبل أن تعزف موسيقاها بقليل) عام 2026، وله أيضا كتاب نقدي بعنوان (السيرة لسيرة حمى) عام 2026، يضم بحوثا ودراسات وكتابات ومقالات عن رواية (سيرة حمى)، شارك فيها نخبة من الكتاب العرب.
كما حُوّلت مجموعة من قصصه القصيرة إلى سهرات وتمثيليات إذاعية، ونوقشت بعض أعماله ودُرست في الجامعات السعودية.
ولم يكن اهتمامه بالقصة السعودية محصورًا داخل السعودية. ففي بداية التسعينيات تعاون مع الدكتور أحمد قطرية، أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعة الملك سعود، الذي كان مهتمًا بترجمة القصص السعودية إلى الإنجليزية.
ساعده اليوسف في اختيار النصوص والتواصل مع أصحابها، وكان المشروع يتجه إلى إصدار أكثر من خمسين قصة قصيرة سعودية باللغة الإنجليزية، لكن وفاة الدكتور قطرية حالت دون اكتماله بالشكل الذي كانا يعملان عليه.
وبعد صدور (أنطولوجيا القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية) عام 2009، أبدى الدكتور مرتضى سيد عمروف من أوزبكستان رغبته في اختيار عدد من النصوص وترجمتها إلى الروسية، وصدرت الترجمة عام 2016 بمشاركة الدكتورة ألكسندرا سيمونوفا.
وكانت هناك أيضًا محاولات لترجمة (مرآة السرد وصدى الحكاية) إلى الفرنسية، ومشروع للقصص السعودية باللغة الأوكرانية، لكنه لم يكتمل بسبب الحرب.
ووصلت بعض القصص السعودية إلى لغات أخرى، منها الأوردية والبوسنية والكردية والصينية والإيطالية.
في عام 2021 بادر بإقامة (ملتقى السرد العربي: القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية)، واستضاف الملتقى أكثر من تسعين قاصًا وقاصة عبر برنامج (زووم)، وأدار اليوسف جلساته عن بُعد خلال ظروف جائحة كورونا.
وخلال هذه السنوات شارك في ندوات ولقاءات وأمسيات قصصية وأدبية في مناطق مختلفة من المملكة وفي عدد من الدول العربية، وأشرف على النشاط المنبري في الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون.
كما نظم وأشرف على عدد من معارض الكتاب، ومن أبرزها معرض الكتاب السعودي في لندن عام 1995م، وشارك في تحكيم مسابقات للقصة القصيرة والكتابات الموجهة للأطفال.
وظلت المكتبات والمعلومات قريبة منه، فكان عضوًا في لجنة تطوير مكتبة نادي الرياض الأدبي بين عامي 2003 و2006.
حصل على جائزة أبها الثقافية في مجال القصة القصيرة عام 2000م. وفي عام 2017 كرمه نادي الرياض الأدبي تقديرًا لجهوده في خدمة المشهد القصصي، من خلال مجموعاته القصصية ورواياته وأعماله في توثيق الإنتاج الأدبي والقصصي.
وفي يناير 2020م كرمه نادي الباحة الأدبي، وصدرت عن تجربته مجموعة من الدراسات والكتابات، من بينها كتاب (سرديات خالد اليوسف: بحوث ودراسات وكتابات نقدية في إنتاجه القصصي والروائي والبحثي)، وكتاب (خالد اليوسف: ذاكرة الوطن الثقافية). وفي عام 2020 أقيمت ندوة حول تجربته شارك فيها عدد من النقاد والكتاب.
وأنا أقرأ كل هذه التفاصيل، أتمنى لو سنحت لي فرصة أن أتعرف عليه عن قرب. أريد أن أعرف كيف يقضي يومه، وكيف يعمل عندما يكون في مكتبه، وكيف يستطيع أن يجلس أمام كل هذه الأسماء والتواريخ والإصدارات دون أن يمل.
يبدو لي أنه حريص جدًا على التفاصيل، وأن هذا النوع من العمل يحتاج إلى طول بال وصبر. وفي الوقت نفسه لديه خيال سردي واضح، وهذا يظهر في قصصه ورواياته.
حصلت خلال قراءتي على معلومات كثيرة عنه، لكنني كلما قرأت أكثر شعرت أنني لم أصل بعد إلى خالد اليوسف الذي أبحث عنه.
إنه كاتب وقاص وروائي، وفي الوقت نفسه باحث وموثق. عمل في الصحافة والمجلات والنوادي الأدبية، واشتغل على الكتب والمكتبات، وقضى سنوات في جمع ذاكرة القصة والأدب السعودي.
وربما لهذا السبب ما زلت أشعر أن ما كتبته عنه هنا ناقص.
كلما قرأت أكثر عن خالد اليوسف، وجدت أن الاقتراب منه لا يعني بالضرورة الوصول إليه.
رغم كل هذه المعلومات والتفاصيل التي وجدتها في السيرة المنشورة عن خالد اليوسف في جائزة كتارا للرواية العربية، وفي عدد من الحوارات والتقارير والتغطيات الصحفية، إلى جانب بعض المواد المنشورة عن تجربته الأدبية والبحثية والتوثيقية، وموسوعة ويكيبيديا، ما زلت أشعر أنني لم أكتب كل ما أريد.
لذلك سأكتفي بما بدأت به، (ما زلت ألمحه من بعيد).
yemenat
مشاهدة ما زلت ألمحه من بعيد خالد اليوسف والذاكرة الأدبية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ما زلت ألمحه من بعيد خالد اليوسف والذاكرة الأدبية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ما زلت ألمحه من بعيد .. خالد اليوسف والذاكرة الأدبية.
في الموقع ايضا :
- عاجل: مراسل المنار: تحرك قوة معادية عند الأطراف الغربية لبلدة ميس الجبل في حي المفيلحة بالتزامن مع إضرام النيران في ممتلكات الأهالي بالمنطقة
- الصدر: حل لواء "اليوم الموعود" وتحويل جيش الإمام المهدي لمؤسسة أنصار المهدي
- مقتدى الصدر يصدر قرارات ويوجه رسائل لدول الجوار إثر إعلان انتهاء التواجد الأمريكي في العراق