يُشكل تعيين امرأة رئيسة حكومة مغربية حدثًا كثيفا من حيث رمزيته، ودلالاته، وانعكاساته على الصعد الاجتماعية، والنفسية، والثقافية، والدينية. وإذا كان الدستور يتيح للملك إمكانية متعددة في اختيار الشخص الذي يمثل الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات، فإن قرار تعيين السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، مهما كانت المواقف السياسية إزاء الحزب الذي تُمثله، يُعتبَر خلخلة فعلية لتصورات عتيقة عن المرأة، وانتصارا على أشكال المقاومات الدفينة، والمتسترة، أو حتى المُعلنة التي ما يزال أصحابها رهائن أحكام تنتقص من قدرات المرأة على القيادة السياسية، وتحمل المسؤولية، وإدارة الشأن العام، على أن تخضع قراراتها للمساءلة والمحاسبة، كما هو شأن أي مسؤول عمومي.
لقد حصل هذا التعيين في ظرفية وطنية واجتماعية صعبة التوصيف أو التكهن بما تحمله المشكلات الكبرى التي تصطرع داخل المجتمع المغربي، وما يمكن أن تحمله من مفاجآت. فما جرى في سبتة من أحداث، وما تشهده بعض جبال وقرى المغرب المنسي من تململات ومسيرات تعبر، في الواقع، عن حجم الاختلالات البنيوية التي يعاني منها المغرب، بسبب السياسات العمومية التي عملت موضوعيا على مفاقمة هذه المشكلات طيلة العقدين الماضيين. وإذا كان من الممكن اعتبار أحداث سبتة شكلت مناسبة لتجديد تشبث المغرب بحقوقه في استرجاع مدنه وجزره المحتلة، أو فرصة للتنبيه إلى ما يتعرض له من أسباب التضييق من طرف إسبانيا وأوروبا اللذان يريدان منه أن يلعب دور “دركي” لترضية حساباتهم الأمنية؛ أو يمكن اعتبار هذه الأحداث فصلا جديدا من فصول الحرب النسقية، المباشرة والهجينة، ضد المغرب الممتدة منذ أكثر من خمسة عقود تقترفها الطغمة العسكرية المتداولة على حكم الجزائر منذ هواري بومدين إلى العدوانية المُعلنة للجنرال شنكريحة؛ فإن هذه الاعتبارات، وغيرها، لا يمكن وحدها أن تغطي على كون أحداث سبتة ومسيرات واحتجاجات مناطق بأكملها تُحركها مشكلات مجتمعية واقتصادية وسياسية داخلية تعود إلى فشل “النموذج التنموي” الذي تم تجريبه منذ أكثر من عقدين، وما ترتب عن ذلك من تدهور للخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية والمجالية، ومن فوضى في التعمير، وتغوُّل للفساد؛ وما نجَم عن المزج بين المسؤولية السياسية العمومية والاستثمارات الشخصية والعائلية من مخاطر واختلالات في السياسة والاقتصاد والأخلاق.
لم تفلح الدولة المغربية في تصحيح الاختلالات البنيوية والمؤسسية التي أدت ب”النموذج التنموي” إلى “حدوده القصوى”؛ بل على العكس من ذلك شاهدنا تحكَّم لوبيات مصلحية في دواليب العديد من المؤسسات والوزارات، وتمكُّن ما ينعته البعض ب”أوليغارشية” عرفت كيف تُوظف مقدرات الدولة لتوجيهها لمصالحها الخاصة، وشراء وسائل إعلام مؤثرة ومحاربة المنابر المُعارضة، مستفيدة في ذلك من إجراءات ردعية تحدُّ من حرية القول والتعبير، ومن ضبط أمني واضح للمكان والإنسان والحركة والاحتجاج. أمام هذه المعطيات العنيدة، والنقص المتزايد لفرص الاندماج في الشغل والمجتمع والحياة، ولانسداد الآفاق لم تجد شرائح واسعة من الجيل الجديد من الشباب المغربي، المتعلم والناقص التعلُّم، من خيار آخر سوى التفكير في الهجرة طمعا في العثور على إمكانيات عمل مناسب، ودخْل معقول بالنسبة لغير المتعلمين، أو إيجاد بيئة تعترف لهم بكفاءاتهم وخبرتهم وكرامتهم، كما هو حال المهندسين والأطباء والتقنيين والباحثين.
“النموذج التنموي الجديد”: الأفق الوحيد للمغرب الممكن
لا يعاني المغرب من التفاوتات الاجتماعية والمجالية بسبب السياسات العمومية التي انتهجت طيلة الربع القرن الأخير فقط، أو كون البلاد تسير بسرعتين أو أكثر؛ بل يتجلى التفاوت، وبشكل صارخ، في الخطاب السياسي المغربي، في مستوياته كافة، وفي غياب الانسجام المطلوب بين الرواية المُعلنة وما يتم اعتماده من سياسات مالية، واجتماعية، واقتصادية، وثقافية. لقد عجزت النخب والقيادات السياسية، طيلة أكثر من عقدين، على الالتزام بتوصيات “تقرير الخمسينية” سنة 2005 الذي وضع حينها، وبوضوح شديد، سيناريو “المغرب الممكن”، وسيناريو الكارثة. علما أن النخبة التي حررت هذا التقرير اشتغلت في مناخ من التفاؤل الكبير بالتغيير وإعادة البناء، وفي سياق تميَّز بتوسيع دائرة الحريات والحقوق، ورغبة في استنبات “المفهوم الجديد للسلطة”، وفي الارتقاء بعمل المؤسسات. كما أن هذه القيادات لم تبذل أي مجهود يذكر من أجل تطبيق ما تمخض عن تقرير “الثروة الإجمالية” سنة 2016، وما كان منتظرا منه لرسم سياسات عمومية جديدة كفيلة بتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية المتنامية. ولم تُخفِ الخطب الملكية نقدها لأوجه التقصير، وتعبيرها عن مرارة واضحة وهي تشير إلى الفارق الكبير بين المجهودات التي تبذل والمشاريع التي تطلق وبين محدودية الثمار التي تجنى والمشاكل التي تتفاقم. بل الأدهى من ذلك، وبعد سنوات قليلة من ذلك لم تعمل هذه القيادات على تقدير التوجُّهات التي رسمها “النموذج التنموي الجديد” سنة 2021، حيث انحرفت عنها كل “قوانين المالية” التي وُضعت بعد المطالبة بتنفيذها، وهي القوانين التي تتم المصادقة عليها على أكثر من مستوى سياسي وتشريعي. وتأكد أن ما استثمرته النخب الفكرية والعلمية الوطنية من جهد وتفكير، وما بلورته من مقترحات تعرَّضت، مرة أخرى، للتبديد والتحريف والمحاصرة، بل وللاستخفاف؛ حتى أن كل من تحمل المسؤولية التنفيذية في حكومة 2021 حرص على إلغاء كل إحالة على مقترحات “النموذج التنموي” من خطاباته، وعمل على استبعاد كل من يُذكِّرهم به.
ويتعين استحضار أن الحزب الذي تصدر الانتخابات الأخيرة كان قد جعل من “تقرير الخمسينية” مرجعا رئيسيا بما كان يعرضه على المغرب من مخرجات لإقرار سياسات عمومية جديدة تراعي مبادئ العدالة الاجتماعية، وكرامة الإنسان المغربي، وتحفز على قيم التضامن، والحرية، والإنصاف. لكن مكر السياسة في المغرب ومساوماتها، وتمكُّن فئات جديدة من إعادة توجيه اختيارات الحزب، دفع كل ذلك إلى نسيان مرتكزات هذا التقرير من أجل مغرب كان من المتوقع أن يكون “ممكنا”. وإذا كان الأمر قد تعرض للهدر، عمليا، فإن أوضاع المغرب الحالية تستوجب، العودة إلى خارطة الطريق الشاملة التي عرضها تقرير “النموذج التنموي الجديد” لإيجاد حلول مواتية للمشكلات الاقتصادية، والاجتماعية، والتعليمية، والصحية، والثقافية، وللانسدادات والمآزق التي وصلت إليها السياسات العمومية. هذا إذا كان ما يزال من الممكن تخيُّل منسوبٍ ما من الجدية والالتزام في الفعل السياسي.
من جهة أخرى تمَّ نسيان مقترحات “الإنصاف والمصالحة” بشكل تام، والتي كانت قد شكلت مرجعا عند تأسيس الحزب؛ ولكن شعارات الحملة الانتخابية، ولا خطابات الذين تزعموا المشهد الكلامي لم تتضمن أي حديث عن الحريات، وقيم حقوق الإنسان، والإنصاف بمعانيه الشاملة. وهو دليل واضح يؤكد تردد، إن لم نقل تخلي القيادات القديمة والجديدة، منذ أكثر من عقد ونصف، عن إنجاز “انتقال ديمقراطي” سلس، وترجمة “الاختيار الديمقراطي” الدستوري إلى سياسات عمومية يحترم من يتحمل مسؤولية تدبيرها مقتضيات المصلحة العامة وخدمة الشرائح الاجتماعية كافة؛ بل إنها لم تتوفق في إنتاج آليات استثمار كفيلة بإدماج الشباب في الحياة، والاقتصاد، والمجتمع من أجل خلق ما يلزم من شروط التماسك الاجتماعي الذي يتعرض، من كل جانب، لمخاطر التفكُّك وما ينجم عنه من بؤر توتُّر، وإنتاج جيل جديد من مظاهر الضياع والعنف والرغبة في الهروب.
مخاوف من فقدان الأمل
ما جرى في سبتة ليس حدثا عاديًا يدخل في إطار الخلاف مع إسبانيا وسياسات الاتحاد الأوروبي حول الهجرة فقط؛ وستكشف الأيام بلا شك عن الخيوط التي ساهمت، بشكل من الأشكال، في حصولها. وسيكون من المؤلم، حقا، أن يتعود الناس على المحاولات المتكررة للهجرة الجماعية والاكتفاء بمواكبة فصولها وكأنها مسلسل تراجيدي يعرض، في كل مرة، على شاشات الهواتف والتلفزيونات. فما وقع يشكل مرآة عاكسة عمَّا فشل المسؤولون في المغرب على إنجازه. يطَّلع السياسيون على التقارير والدراسات التي تنجزها مؤسسات دستورية لتشخيص أعطاب القطاعات التي تحتاج إلى إصلاحات فعلية قبل تجريب توجهات “النموذج التنموي الجديد”، بما فيها الظواهر المرتبطة بنسبة الفساد المستشري، وما تؤديه الدولة والمجتمع من أثمان تزداد ثقلا. وبدل محاصرة أسبابه وإطلاق جيل من الإصلاحات العملية في إطار احترام روح الدستور وتطبيق القانون، فوجئ الرأي العام بإعفاء المسؤول عن تحرير التقرير، وكأن الحقائق التي كشف عنها ستُنسى بمجرد تغييره. كما أن مسؤولين يعرفون ما يُبَينه باروميتر الهجرة العربي في كل تقاريره، ومنها تقرير سنتي 2023 2024- الذي استخلص أن ثلث سكان المغرب (35 في المئة) يفكرون في الهجرة؛ وفي أوساط الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18و29 سنة تصل النسبة إلى 55 بالمئة، و90 في المئة منهم يُرجع السبب الرئيسي للهجرة إلى ثالوث البطالة، وضعف الدخل، وغلاء المعيشة.
اعتبارا لذلك، يبدو أن القيادات السياسية، وخصوصا الفريق الحكومي الذي يتشكل لإدارة الفترة المقبلة مُطالب بالتوقف عن اختزال التحديث والتنمية في تجلياتها المظهرية والسطحية، أو عن حصرها في “الإقلاع” الاقتصادي وفي تحصيل “النمو وتراكم الرأسمال” الذي لا أثر كبير له في حياة الفئات الاجتماعية المختلفة. فالصعوبات المتراكبة التي يواجها المغرب في حاجة إلى يقظة فكرية وسياسية فعلية وإلى تنمية ترتقي بعيش “المواطنين”، يكون لها وقع في الوعي والذوق والتمدن والحياة، ونتائج على صعيد التوزيع المُنصف لخيرات البلاد. وهو أمر يستوجب تغييرا فعليا للاختيارات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتبنِّي أخرى أكثر تضامنية؛ ما دامت مصداقية كل سياسة اقتصادية واجتماعية أو ثقافية تتمثل في احترام كرامة الإنسان، وتلبي حاجاته الأساسية، وتوفر له شروط التعبير عن إبداعيته وملكاته. والجواب العملي للدولة على هذه الشروط، هو الذي يقيس إنسانية سياستها، ويبرز الأبعاد الثقافية والحضارية لاختياراتها، أو على العكس يفضح ادعاءاتها وشعاراتها.
لقد غطت “الحملة الانتخابية”، مؤقتا، على مناقشة ما جرى في سبتة، لكن بحجمها، وأسبابها، وتركيبة الفئات التي شاركت فيها، وما عبَّرت عنه من مرارة في خطاباتها، بيَّنت إلى أي حد ثمة استعداد صادم لدى فئات من الشباب لترك كل شيء وراءهم طمعا فيما يتصورونه أنه سبيل الخلاص من وضع صعب يتميز بكل أشكال الانسداد وأسباب اليأس. وما حصل يتضمن، في تصوري، أكثر من رسالة تنبيه لكل صاحب قرار حاضر ومُقبل على تخطيط وتدبير المرحلة القادمة، للاهتمام بما يمكن لليأس أن يُولِّده من توترات، وانزلاقات، وأمراض، وانحرافات. ولعل انتباها سياسيا حاسما سيكون أكثر من مُتعيَّن حتى لا يصير اليأس عبارة عن “فقدان الأمل فحسب، بل فقدان القدرة على تخيُّل إمكان آخر”، كما تقول القولة المأثورة.
“النموذج التنموي الجديد”.. مشروع إنقاذ وطني صوت المغرب.
مشاهدة ldquo النموذج التنموي الجديد rdquo مشروع إنقاذ وطني
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ النموذج التنموي الجديد مشروع إنقاذ وطني قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، “النموذج التنموي الجديد”.. مشروع إنقاذ وطني.
في الموقع ايضا :