سيادة اليمن وأمن التنمية العربية.. ما وراء الصراع على باب المندب؟! ...اليمن

اخبار عربية بواسطة : (الاول _ من قلب الحدث) -

ما الكلفة الاقتصادية والمعيشية لتراجع سيطرة الدولة اليمنية على سواحلها وموانئها؟ وكيف يرتبط التصعيد الحوثي عند باب المندب بالضغط الإيراني عند هرمز، وكيف تنعكس اضطرابات الملاحة على حركة الشحن والمصالح الاقتصادية المشتركة لليمن والسعودية ومصر؟ وكيف تعزز قدرات المملكة الاقتصادية وتعدد خياراتها قدرتها على مواجهة هذه التحديات، وحماية منجزاتها التنموية ومواصلة دورها الإقليمي بقرار مستقل؟ وما حدود تأثير هذه الضغوط؟ وما الذي تتطلبه استعادة السيادة اليمنية وحماية الاقتصاد واحتياجات المواطنين ومنع تكرار انتكاسة المخا؟هذه الأسئلة تفتح قراءة تنطلق من المصلحة الوطنية اليمنية، وتربط استعادة سيادة الدولة بأمن السعودية ومصالح مصر، لفهم كيف يتحول الصراع على الممرات البحرية إلى ضغط على اقتصادات المنطقة وقراراتها، وما تتطلبه مواجهة هذه الضغوط من استجابة مشتركة.ما جرى في المخا ليس خسارة مدينة وميناء فحسب، فبخروجهما عن سيطرة الدولة، اتسع امتداد جماعة الحوثي على الساحل المقابل لباب المندب، الممر الذي عبره نحو 4.2 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يوميًا في النصف الأول من 2025 وفق إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، وانتقل جزء إضافي من القدرة على التأثير في الملاحة الدولية من يد الدولة اليمنية إلى يد جماعة مسلحة مرتبطة بإيران، في لحظة تخوض فيها طهران حربًا وتضغط عند هرمز. ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه المخا لا يتعلق بما خسرناه من إيرادات او مساحة ، بل بمن يملك قرار استخدام الجغرافيا اليمنية، ولخدمة أي مصالح.فالموانئ والجزر والممرات يمكن أن تكون أساسًا للتنمية والشراكة مع الجوار، ويمكن أن تتحول، خارج مؤسسات الدولة، إلى أدوات لتمويل الحرب وتهديد التجارة والضغط على قرارات دول أخرى. وما يجري عند باب المندب يكشف خطورة انتقال اليمن من بلد يملك موقعًا استراتيجيًا لى بلد توظّف المليشيات موقعه في صراعات لا تخدم شعبه، وتتجاوز تداعياتها حدوده لتطال أمن جيرانه ومصالحهم الاقتصادية. ومن هنا تلتقي استعادة الدولة اليمنية وحماية الأمن السعودي في مصلحة واحدة؛ فقيام يمن قادر على إدارة موارده وحماية أرضه ومياهه يفتح للبلدين أبواب التعاون، ويمنع تحويل الجوار إلى مصدر دائم للاستنزاف.وأول من يدفع ثمن توظيف السواحل والموانئ خارج سلطة الدولة هم اليمنيون أنفسهم؛ فكلما اتسعت سيطرة مليشيات الحوثي على هذه المنافذ، تقلّصت قدرة الدولة على إدارة التجارة وتحصيل الإيرادات وتمويل الخدمات. وتظهر هذه الخسارة في المخا رغم محدودية وزنه التجاري؛ فغاطس الميناء وتجهيزاته يقيّدان أحجام السفن التي يستقبلها، ويحدّان من قدرته على منافسة الموانئ الأكبر. لكن تشغيله تحت سيطرة الحوثيين برسوم مخفضة قد يستقطب نشاطًا يناسب قدراته، ويضيف منفذًا للتحصيل إلى شبكة الموانئ الخاضعة لهم على البحر الأحمر. ويتسع الأثر إذا شجعت الحوافز وفروق الإجراءات انتقال جزء من الواردات من موانئ الحكومة إلى تلك الشبكة، بما يحوّل إيرادات تحتاجها الدولة لتمويل الخدمات إلى موارد تعزز سلطة الجماعة. وهنا تكمن كلفة استمرار الوضع القائم  فالسيطرة الميدانية تتحول بمرور الوقت إلى علاقات تجارية ومسارات شحن ومصالح يصعب تغييرها.وبحسب تقدير الموقف الاقتصادي والإنساني الذي أعددته في 21 سبتمبر، تتراوح الخسائر المباشرة المحتملة بين 172 و280 مليون دولار، وتشمل الأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية والممتلكات الخاصة والمساكن والمرافق التعليمية والصحية، دون احتساب العتاد العسكري. أما الخسائر غير المباشرة فتتراوح بين 167 و276 مليون دولار، وتشمل تراجع الإيرادات ودخول الأسر، وارتفاع تكاليف الشحن والاستجابة الإنسانية، وفق سيناريوهات تمتد من ستة أشهر إلى سنة. وهذه تقديرات تحليلية وليست حصرًا نهائيًا للخسائر؛ فخروج الأصول عن سيطرة الدولة لا يعني بالضرورة تدميرها، كما أن تعطل المشاريع لا يعني خسارة كامل قيمتها.وتتجاوز الآثار المعيشية ما تعكسه هذه الأرقام؛ إذ تواجه الأسر تراجع الدخل بالتزامن مع ارتفاع كلفة الغذاء والوقود، بينما يؤدي اضطراب النقل إلى صعوبة الوصول إلى الأسواق والخدمات، ويزيد النزوح الأعباء على الأسر والمناطق المستقبلة للنازحين. وقد تؤخر السلع المخزنة ظهور بعض الزيادات في الأسعار، لكن تجدد الواردات بتكاليف أعلى قد ينقل هذه الزيادة إلى المستهلك. ولذلك فإن استقرار الأسعار مؤقتًا يمنح الحكومة فرصة للتحرك وتأمين الإمدادات، ولا يعني زوال الخطر على معيشة المواطنين.وإذا كانت هذه كلفة الداخل، فإن ما يجعل الساحل ثمينًا للجماعة ومن يقف خلفها هو ما يتيحه في الخارج. ففي تقديري، يمنح توظيف الحوثيين عند باب المندب طهران قدرة على توسيع نطاق الضغط على التجارة والطاقة، ونقل جزء من كلفة مواجهتها إلى اقتصادات أخرى، وإضافة أوراق تفاوض تتجاوز حدودها، مع إبقاء مساحة للتنصل من المسؤولية المباشرة عن قرارات الجماعة وعملياتها.ويكتمل أثر هذا الدور حين يُقرأ على خريطة الإمداد السعودية بدقة. فخط أنابيب شرق - غرب يتيح نقل النفط إلى ينبع دون المرور بهرمز، والشحنات المتجهة من ينبع شمالًا إلى قناة السويس لا تعبر باب المندب، بينما تتأثر بمخاطره الشحنات المتجهة جنوبًا نحو آسيا. ولذلك فإن تهديد المضيق، والاعتداء على خط الأنابيب، وتهديد الموانئ والسفن المرتبطة بالمملكة، تضغط على أجزاء مختلفة من منظومة واحدة، ويمنحها تزامنها أثرًا يتجاوز تعطيل منفذ بعينه، لأنه يرفع مخاطر البدائل نفسها وكلفة تشغيلها. ولا يحتاج هذا الضغط إلى إغلاق الممر؛ فاستمرار احتمال الهجوم يكفي لتغيير قرارات ملاك السفن وشركات التأمين والممولين، فتنتقل الكلفة إلى شروط التعاقد ومواعيد التسليم والأسعار. والأخطر أن تتحول القدرة على التعطيل إلى سلطة تمنح المرور الآمن لأطراف وتحجبه عن أخرى، فتصبح سلامة التجارة موضوع مساومة مع جماعة مسلحة.وتكشف سوق التأمين كيف تتحول تهديدات الملاحة إلى كلفة مباشرة على تجارة المملكة. فقد نقلت رويترز، في تقرير نشرته "إنشورنس جورنال" في 25 سبتمبر، أن عروض تأمين مخاطر الحرب للناقلات المرتبطة بالسعودية والمتجهة إلى ينبع بلغت نحو 3% من قيمة السفينة، مقابل أقل من 1% في مطلع يوليو، بينما تراوحت عروض الناقلات غير المرتبطة بالمملكة والعابرة للمنطقة بين 0.2% و0.3%. وتتفاوت هذه النسب بحسب المسار والارتباطات وشروط التغطية، لكنها توضح حجم الكلفة؛ فنسبة 3% تعني ثلاثة ملايين دولار لسفينة قيمتها مئة مليون، لفترة تغطية تبلغ عادة سبعة أيام، تضاف إلى تكاليف تشغيل الرحلة. وهكذا يمكن للتهديد البحري أن يرفع كلفة التجارة حتى حين تستمر حركة السفن.وتبرز هنا مفارقة سياسية تستحق التوقف تمتد هذه الضغوط إلى المملكة التي تتمسك بحق الشعب الفلسطيني في دولته، وترفض إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل دون قيامها، وفق ما نقلته رويترز. فالموقف السعودي يجعل الحقوق الفلسطينية أساسًا لأي تسوية أو تطبيع، ويمنحها وزنًا في علاقات المملكة وقرارها الدبلوماسي. ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا عن خطاب يرفع شعار نصرة فلسطين، بينما تفرض عملياته أعباء على تجارة المملكة وإيرادات مصر ومعيشة اليمنيين. وفي تقديري، فإن توظيف الحوثيين للضغط على الممرات يخدم توسيع أوراق المواجهة الإيرانية، فيما ينبغي قياس أي ادعاء بنصرة الفلسطينيين بما يحققه لحقوقهم، وبما يترتب عليه من نتائج فعلية على شعوب المنطقة.وبذلك تتضح حدود الضغط، يستطيع المهددون للملاحة زيادة الكلفة، لكن تحويل هذه الكلفة إلى تنازل سياسي يظل رهنًا بقدرة الدولة على التكيف وحماية مصالحها، فبحسب تقرير CNBC المنشور في 25 سبتمبر نقلًا عن بيانات "كبلر"، بلغت تقديرات صادرات النفط الخام السعودية خلال سبتمبر نحو ستة ملايين برميل يوميًا، وهو أعلى مستوى منذ بدء الحرب مع إيران، بزيادة تقارب 80% عن أغسطس، لتعود إلى متوسطها الشهري في 2025. ويكشف هذا التعافي قدرة المملكة على توظيف بنيتها النفطية وخبرتها التشغيلية وبدائل التصدير لاحتواء جانب كبير من التعطيل. وبذلك تتضح حدود الضغط يستطيع المهددون للملاحة زيادة الكلفة، لكن تحويل هذه الكلفة إلى تنازل سياسي يظل رهنًا بقدرة الدولة على التكيف وحماية مصالحها. والتعافي في الصادرات مؤشر على هذه القدرة، وإن لم يُلغِ أعباء التأمين والحماية واضطراب الشحن.وتكتسب هذه المرونة أهمية أوسع حين تُقرأ ضمن التحول الاقتصادي السعودي. فوفق التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025، نما الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 4.5%، والأنشطة غير النفطية بنسبة 4.9%، وارتفعت الصادرات غير النفطية، شاملة إعادة التصدير، من 85.4 مليار دولار في 2019 إلى 166.1 مليار في 2025، كما ارتفع عدد المقرات الإقليمية للشركات من 44 في 2021 إلى 700 في 2025. وهذه المؤشرات تعكس اتساع قاعدة النشاط الاقتصادي وشبكة الشراكات المرتبطة بالمملكة، بما يعزز قدرتها على تنويع الخيارات والتفاوض من موقع أقوى. وتمنح هذه القدرات المملكة أدوات أوسع لحماية مصالحها ومواصلة تنميتها، وتدعم قدرتها على التمسك بمواقفها المبدئية، وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني وقيام دولته المستقلة.ومن هذه الزاوية أقرأ العلاقة بين الصعود السعودي ومحاولات الضغط عليه. فانتقال الاستثمارات والشركات ومراكز التجارة إلى المملكة يعيد توزيع المصالح والنفوذ، وقد يثير قلق أطراف ترى فيه تراجعًا لمواقعها أو لقدرتها على التأثير في القرار الإقليمي. ويتداخل هذا التنافس مع الخلاف السياسي حول شروط التطبيع، ومع الصراع على الموانئ والممرات وخيارات الوصول إلى الأسواق. وفي تقديري، تسعى أطراف مناوئة للمملكة إلى توظيف تهديد التجارة ورفع تكلفتها لمحاولة إبطاء هذا الصعود أو التأثير في خياراتها. غير أن المملكة تمتلك من القدرات الاقتصادية والبنية التحتية وتنوع الشراكات والبدائل ما يعزز قدرتها على تجاوز هذه الضغوط ومواصلة مسيرتها؛ وقد أظهر تعافي صادراتها النفطية قدرتها على تحويل البدائل المتاحة إلى استجابة عملية تحدّ من أثر التعطيل. وهذه القدرة لا تلغي كلفة التحديات، لكنها تضيق هامش توظيفها للتأثير في القرار السعودي. ومن ثم، فإن قراءة محاولات الضغط تقتضي النظر أيضًا إلى عناصر القوة التي تواجهها، وإلى قدرة المملكة على حماية مصالحها والتمسك بمواقفها المبدئية، وفي مقدمتها حقوق الشعب الفلسطيني. ولهذا أرى في دعم أمن المملكة ومسيرتها التنموية واستقلال قرارها دعمًا لقدرة عربية تحتاجها المنطقة لحماية مصالحها وصياغة مستقبلها.وإذا كانت المملكة تواجه ارتفاع كلفة تصدير النفط وحماية بدائله، فإن مصر تتضرر من تحول حركة الشحن بعيدًا عن قناة السويس. فالمسار البديل الذي يوصل البضائع إلى وجهتها قد يبعدها عن قناة السويس، فتتحول خسارة الوقت والكلفة على الشاحن إلى خسارة إيرادات ونقد أجنبي على الاقتصاد المصري. وتقدم تجربة 2024 مقياسًا لما يمكن أن يتكرر؛ إذ تراجعت إيرادات القناة من نحو 10.25 مليار دولار في 2023 إلى 3.99 مليار في 2024، وفق أسوشيتد برس. ولا تقف الكلفة عند المنطقة؛ فقد أشار صندوق النقد الدولي في مارس 2024 إلى أن التحويل حول رأس الرجاء الصالح أضاف عشرة أيام أو أكثر إلى بعض الرحلات، بما يعنيه ذلك من وقود وتمويل ومخزون إضافي، فيما يظهر أثر تهديد باب المندب في تغيير المسارات وارتفاع الكلفة أكثر مما يظهر في نفط يختفي من السوق، ما لم تشتد التهديدات وتطول. وعلى هذه الخسائر المتباينة تقوم أرضية مشتركة لتنسيق يمني سعودي مصري، يرى في أمن باب المندب مصلحة لكل طرف بقدر ما يخسره من اضطرابه.وتعيد هذه الكلفة الإقليمية والدولية السؤال إلى نقطة البداية،كيف وقعت انتكاسة المخا، وكيف لا تتكرر؟ فتجاوز الانتكاسة لا يجوز أن يعني تجاوز المساءلة عنها. ينبغي كشف أسباب الانهيار، وكيف أُديرت الموارد والقرارات، ومن يتحمل مسؤولية ما يثبت من تقصير أو تواطؤ، وتتبع ما جرى فما أُخفي يجب أن يُكشف، حتى لا تبقى العوامل التي مهدت للانتكاسة قادرة على إنتاجها مجددًا.ولمنع تكرار انتكاسة المخا، يجب أن تمتد المعالجة من مساءلة المسؤولين إلى إصلاح بنية القرار داخل القوى المناهضة للحوثيين. فتعدد مراكز القيادة والتمويل والولاء يضعف القدرة على تنسيق الدفاع، ويجعل المكاسب الميدانية عرضة للتبدد عند اختلاف الحسابات. ومن هنا تأتي أهمية التنسيق بين المملكة العربية السعودية وشركائها في دعم الشرعية، بما يعزز قيادة يمنية موحدة وهدفًا سياسيًا واضحًا هو استعادة الدولة ومؤسساتها. وينبغي أن يشمل هذا التوافق إدارة المناطق والموانئ بعد استعادتها، وإخضاع مواردها للخزانة العامة؛ لأن وحدة القرار تحمي الأرض، ووحدة المؤسسات تحول استعادتها إلى أمن وخدمات وإيرادات ينتفع بها اليمنيون.لكن المساءلة وتوحيد القرار وسيلتان، والغاية التي تعالج أصل المشكلة هي استعادة الدولة للساحل الغربي كاملًا، من باب المندب وصولًا إلى الحديدة. فموانئ الحديدة ورأس عيسى والصليف هي المنفذ الرئيسي لواردات مناطق سيطرة الحوثيين من الوقود والسلع، ومنها تُحصَّل الجمارك والرسوم والجبايات التي تموّل الحرب، والساحل ذاته هو المنصة التي تنطلق منها تهديدات الملاحة. أي أن الجماعة تجمع على شريط ساحلي واحد بين مصدر المال ومنصة الابتزاز، واستعادة الدولة له تحد من مورد رئيسي لتمويل الجماعة وتقلص قدرتها على توظيف الساحل لتهديد الملاحة، وتضعف إحدى أدوات النفوذ الإيراني على أمن التجارة عند باب المندب. وهذا هدف يتطلب مسارًا سياسيًا وأمنيًا ومؤسسيًا متكاملًا؛ فالسيطرة على الموانئ وحدها لا تنهي كل مصادر التمويل أو قدرات التهديد.وتقدم تجربة الحديدة درسًا في كلفة التهدئة حين لا تقترن بمسار يعيد سلطة الدولة على الموانئ ومواردها. ففي تقديري، أخفق اتفاق ستوكهولم في معالجة هذا الخلل؛ فرغم ما تحقق من خفض للقتال، استمر بقاء الموانئ تحت سيطرة الحوثيين، بما أتاح للجماعة الاحتفاظ بقاعدة اقتصادية تعزز نفوذها وقدرتها على تمويل الحرب. وبمرور الوقت، تجاوزت تداعيات هذا الوضع اليمن، لتطال أمن المنطقة وحركة التجارة الدولية. ولذلك فإن معيار نجاح أي تسوية يجب أن يشمل قدرتها على إنهاء توظيف الموانئ ومواردها في الصراع، وإعادتها إلى مؤسسات تخدم السكان وتخضع للمساءلة.وفي ضوء هذه التجربة، أرى أن استعادة الساحل وموانئ الحديدة بالقوة تصبح الخيار الأرجح الذي ينبغي الاستعداد لتنفيذه إذا استمر الحوثيون في رفض إعادتها إلى سلطة الدولة وتوظيفها لتمويل الحرب وتهديد الملاحة. ويقتضي هذا الخيار قرارًا يمنيًا موحدًا وتنسيقًا مع المملكة العربية السعودية وشركاء دعم الشرعية، ضمن رؤية تربط استعادة الأرض بإدارة ما بعدها؛ حتى تخضع الموانئ للمؤسسات العامة، وتعود إيراداتها إلى خدمة اليمنيين، وتتقلص قدرة الجماعة على توظيف الساحل أداة للضغط الإقليمي.وتفرض أهمية الحديدة لإمدادات الغذاء والوقود أن تكون حماية المدنيين واستمرار الواردات جزءًا أصيلًا من هذه الرؤية. فأي مسار لاستعادتها يحتاج إلى ترتيبات تشغيل وإغاثة قابلة للتنفيذ بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، تكفل حماية السكان والعاملين ومرافق الموانئ وطرق توزيع السلع. وتتعزز قدرة الدولة على استعادة ثقة المواطنين حين تثبت أن عودتها تحمي معيشتهم وتؤمّن احتياجاتهم، وأن استعادة السيادة تقترن باستعادة الخدمات والأمان.ويبدأ الاستعداد لهذه المسؤولية من أداء الحكومة في المناطق والموانئ التي تديرها اليوم. فتقليص زمن الإفراج عن البضائع وكلفة التأخير، وتوحيد الرسوم ونشرها، وتحسين التحصيل وإخضاعه للرقابة، تحمي التجارة وتمنع سوء الإدارة من منح موانئ الحوثيين ميزة إضافية. وبالتوازي، تقتضي حماية المعيشة متابعة مخزون السلع الأساسية وكلفة وصولها، وتوجيه المساعدة إلى الأسر الأشد تضررًا، والتنسيق مع المستوردين والجهات الإنسانية لضمان استمرارية الإمدادات. كما ينبغي أن ينعكس تحسن الإيرادات على انتظام الرواتب والخدمات، مع ملاحقة شبكات التمويل والتهريب وفق القانون، حتى يرى المواطن أثر استعادة الدولة في حياته اليومية.وتمتد ضرورة الجمع بين السيادة وحسن الإدارة إلى منافذ بحر العرب في حضرموت والمهرة، التي يمنحها اتصالها بالمحيط الهندي دون المرور بهرمز أو باب المندب أهمية استراتيجية في تنويع طرق التجارة والوصول إلى الأسواق. وأقرأ أهمية الدور السعودي في إطار التحالف الداعم للشرعية من زاوية إسناد الدولة اليمنية وحماية أمنها واستقرارها. وفي تقديري، فإن أي ترتيبات تمنح قوى إقليمية أو تشكيلات محلية نفوذًا على هذه المنافذ خارج مؤسسات الدولة تحمل مخاطر مشتركة على اليمن والمملكة. ومن هنا تتضح الصلة الاستراتيجية بين التنافس على منافذ بحر العرب والضغط عند البحر الأحمر: فكلاهما يتعلق بالقدرة على تأمين الوصول إلى الأسواق أو تقييده، وإن اختلفت الأطراف ودوافعها. ويظل المعيار الذي يحكم المصلحة اليمنية واضحًا: سيادة مصونة، واتفاقات شفافة، واستثمارات توفر إيرادات ووظائف وتنمية محلية، وشراكات تحمي مصالح اليمن وجيرانه.وبذلك تصبح استعادة الدولة اليمنية قدرتها على إدارة سواحلها وموانئها أساسًا يجمع حماية المعيشة بأمن الملاحة واستقرار الجوار؛ فكلما استعادت مؤسساتها وسلطتها، تقلصت قدرة الجماعات المسلحة والقوى الخارجية على توظيف موقعها في الصراعات. ومن هذا المنطلق، أقف مع المملكة العربية السعودية في حماية أمنها واستقلال قرارها وطموحها التنموي ومواقفها المتمسكة بالحقوق الفلسطينية، وأرى في هذا الموقف امتدادًا لواجبي تجاه اليمن ومصالح شعبه. فالمصلحة المشتركة تقتضي أن يستعيد اليمن موارده ومؤسساته، وأن تصبح سواحله أبوابًا للعمل والتجارة والشراكة، وأن يسهم مع المملكة ومصر في بناء أمن إقليمي تحميه الدول وتستفيد منه الشعوب.الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي كاتبه.

*مستشار مكتب رئاسة الجمهورية للشؤون الاقتصادية

مشاهدة سيادة اليمن وأمن التنمية العربية ما وراء الصراع على باب المندب

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ سيادة اليمن وأمن التنمية العربية ما وراء الصراع على باب المندب قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الاول _ من قلب الحدث ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، سيادة اليمن وأمن التنمية العربية.. ما وراء الصراع على باب المندب؟!.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار