أكان الحياني يحدّث الزمن أم يحدّثنا نحنُ الذين صرنا نعيش الأيام لا كما نحبّها، وإنما كما يَفرضُ علينا القدرُ أن نحياها؟ كلّما تسلَّلت نبراتُ صوته إلى سُكُوني، شعرتُ أن السؤال الأكبر ليس عن الأيام التي مضت، وإنّما عن قدرتنا نحن على أن نُحبّ الزّمن كما كان يفعل هوَ، أن نراه في سرعته وقلقه، وأيضا فيما يختبئ خلف بُطئه من حنانٍ وصبرٍ وسرّ حياةٍ كان الغناء وحده قادراً على إيقاظه.
أكتبُ عن محمد الحياني، لأن أغنية قديمة اختارتني، وأيقظتْ في داخلي سؤالًا: أين ذهب الذين كانوا يُغنّون لشيء أعمق من الشّهرة؟ شيء يشبه الحياة حين يتمّ قولها بلحنٍ صادق يستعيدُ نبرةً كانت تُطبطب على الوجدان بصوت رجلٍ لم يخُن الإحساسَ يومًا.
بعض الفنانين لا يرحلون بالموت، بيد أنهم يبدّلون صيغة الحضور، ويتحوّلون من كينونة إلى أثرٍ مقيم في الذاكرة. كنت، وما زلتُ مثل الكثيرين، مُعجبًا بصوته كما يُعجَب المرء بظلّ شجرة يعود إليها كلما تعب الضوء من الانكسار.
لم تكن أناقة الحياني مجرّد مظهر، كانت انعكاسًا لذوقٍ داخلي أصيل، جعل من كلّ إطلالة له فعلًا جماليًا واعيًا، والتزامًا رفيعًا بمعْنى الجَمال.
لم يكن صوته، بالنسبة إليّ، مجردَ ذكرى فنّية، كان تجربةً وجدانيةً، زمنًا يستعيد أنفاسه كلما صدح بـ”راحلة” أو “من بعد الغربة”.
وأمام هذا الطوفان الصوتي الذي يصنعه الاستهلاك ويغذّيه التكرار، يحضر الحياني صوتًا يوقظ فينا معنى الموسيقى حين كانت مرآةً للوجدان، لا نغمةً عابرة يستهلكها الناس لملء فراغٍ مؤقّت. الكتابة عن الحياني ليست تحنّناً على ماضٍ جميل، ولا محاولة لاستحضار ذكرى عابرة، إنها صرخة في وجه زمن تم اختزاله إلى مجرد سيل من الأصوات الفارغة.
الذي لم يُغنِّ لنا فقط… وإنما غنّى عنّا
كان ذلك في زمن كانت فيه الأغنية المغربية تبحث عن هويتها خارج التقليد، وداخل الإبداع. أما حين غنّى “بارد وسخون”، فقد كان يصف تقلّبات الهوى، وفي الآن ذاته مزاجًا وطنيًّا مركّبًا، يجمع بين الشجن والفرح، وبين انتظار متوتر ورضى عميق، بين كبرياء العاشق ونعومة الإذعان.
أما “وقتاش تغني يا قلبي” فهي مرآة داخلية، لذاتٍ صمتت طويلًا، وتنتظر لحظة استعادة النغمة التي يمكنها أن تعيد تعريف الوجود.
كان سهلًا ممتنعًا، عذبًا دون ابتذال، طربيًّا دون تفخيم. لم تكن شهرته نتيجة إعلام أو صناعة ترفيه، كانت ثمرة موهبة تشكّلت بصبر ونزاهة. فقد عاش بأناقة داخلية، ومات على نبرة شريفة.
لم يَصْعَدْ إلى الشُّهْرة… وإنَّما نزلَ إلى القَلْب
وحين تتردّد “راحلة”، يكتسحنا وعيٌ بأن زمنًا مضى لمْ نُحسن وَدَاعَهُ.
لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.
محمد الحيّاني Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة محمد الحي اني
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ محمد الحي اني قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، محمد الحيّاني.
في الموقع ايضا :