تحولات السلوك الانتخابي ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (هسبريس) -

تمهيد: نحو قراءة سوسيولوجية للسلوك الانتخابي القروي

فالمواطن القروي لا يصوت بالضرورة خارج السياسة، بل قد يمارس السياسة انطلاقًا من شروط اجتماعية مختلفة، ومن سلم أولويات يرتبط بصورة مباشرة بالحياة اليومية: الماء، الصحة، التعليم، الطرق، النقل، فرص الشغل، الدعم الفلاحي والحماية الاجتماعية. ومن ثم، فإن فهم التصويت القروي يقتضي الانتقال من سؤال: لماذا يصوت سكان القرى بطريقة مختلفة؟ إلى سؤال أكثر تركيبًا: كيف تتشكل الاختيارات السياسية في سياق اجتماعي ومجالي تختلف فيه الموارد وشبكات النفوذ وفرص الوصول إلى المؤسسات؟

وبالمثل، يسمح مفهوم الحقل السياسي عند Pierre Bourdieu بفهم الانتخابات باعتبارها مجالًا يتنافس داخله فاعلون يمتلكون موارد متفاوتة: اقتصادية، اجتماعية، رمزية وتنظيمية. فالمرشح لا يعتمد فقط على برنامجه الحزبي، وإنما يستند كذلك إلى شبكة علاقاته ومكانته الاجتماعية وقدرته على إنتاج الثقة والاعتراف.

1- الأولويات التنموية المباشرة

تحتل الخدمات الأساسية موقعًا مركزيًا في علاقة المواطن القروي بالسياسة. فالماء الصالح للشرب، والمسالك والطرق، والمستوصفات، والمدارس، والنقل المدرسي، والكهرباء، والاتصال الرقمي، كلها قضايا يمكن للمواطن أن يقيس أثرها بصورة مباشرة.

تؤدي العلاقات الشخصية والاجتماعية دورًا مهمًا في بعض المناطق القروية. ويستطيع المرشح الذي يمتلك شبكة واسعة من العلاقات أن يحول رأس ماله الاجتماعي إلى مورد انتخابي.

3- الشخص والحزب والبرنامج

في بعض السياقات القروية قد يحتل المرشح وشخصيته ومكانته المحلية موقعًا بارزًا في الاختيار، بينما يحتل البرنامج الحزبي موقعًا أكبر في سياقات أخرى. لذلك من الأدق الحديث عن تداخل التصويت الشخصاني والتصويت الحزبي والتصويت البراغماتي، بدل إقامة ثنائية صارمة بين القرية التي “تصوت للأشخاص” والمدينة التي “تصوت للبرامج”.

لا يعبّر التصويت فقط عن تقييم الماضي؛ فقد يكون أيضًا رهانًا على المستقبل. فالناخب قد يمنح صوته لمن يعتقد أنه قادر على جلب مشروع أو خدمة أو استثمار إلى المنطقة. ومن هنا يمكن فهم التصويت باعتباره تبادلًا سياسيًا للثقة والتوقعات، وليس مجرد استجابة عاطفية أو قبلية.

ثانيًا: الأعيان والوساطة المحلية: من النفوذ التقليدي إلى إعادة التشكل

غير أن مفهوم “الاعيان” نفسه يحتاج إلى تحديث. فالعين المعاصر ليس بالضرورة فقط مالكًا كبيرًا للأرض أو زعيمًا عائليًا؛ فقد يكون رجل أعمال محليًا، أو فاعلًا جمعويًا، أو منتخبًا سابقًا، أو شخصًا يمتلك شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. ومن منظور Max Weber، يمكن فهم هذا النفوذ من خلال تداخل أنماط مختلفة من الشرعية: التقليدية، والشخصية، والقانونية-العقلانية.

يبدو من الصعب اليوم تفسير السلوك الانتخابي القروي اعتمادًا على النموذج التقليدي وحده. فالمجال القروي المغربي عرف تحولات عميقة خلال العقود الأخيرة:

-توسع الهجرة القروية؛

-انتشار الهاتف الذكي ووسائل التواصل الاجتماعي؛

-تطور العلاقة مع الجماعات الترابية؛

وتزايد الاهتمام بقضايا الماء والمناخ والهجرة والتشغيل.

وبذلك، فإن العزوف عن التصويت لا يعني بالضرورة العزوف عن السياسة. فقد يكون المواطن غير منخرط انتخابيًا، لكنه حاضر في النقاشات المحلية أو الجمعيات أو الاحتجاجات أو المطالب الاجتماعية.

رابعًا: انتخابات 2026 والعزوف الانتخابي في العالم القروي

لكن التقارير الميدانية السابقة والمواكبة الإعلامية لانتخابات 2026 تشير إلى أن مسألة فتور المشاركة لم تعد مقتصرة على المجال الحضري، وأن جزءًا من سكان القرى بات أكثر تشككًا في قدرة الانتخابات على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية. وهذا التحول يستحق أن يُقرأ سوسيولوجيًا باعتباره احتمالًا لانتقال العلاقة من التعبئة الانتخابية التقليدية إلى المساءلة والانتقائية والعزوف.

-ضعف الثقة في المؤسسات؛

-ضعف حضور الأحزاب خارج الفترات الانتخابية؛

-تغير أولويات الشباب؛

أو عدم العثور على مرشح يُنظر إليه باعتباره ممثلًا حقيقيًا للمصالح المحلية.

وتسمح أعمال Pierre Bourdieu حول التمثيل السياسي بفهم العلاقة بين من يمتلكون القدرة على الكلام والتمثيل داخل الحقل السياسي وبين المواطنين الذين يُفترض أن يمثلهم هؤلاء الفاعلون. كما أن أدبيات المشاركة السياسية الحديثة تؤكد أن المشاركة الانتخابية تتأثر بالانقسامات الاجتماعية والسياسية وبالتحولات في أشكال الاندماج السياسي.

سادسًا: الجفاف والماء وتحول علاقة المواطن القروي بالسياسة

فكلما أصبحت قضايا الماء أكثر ارتباطًا بسياسات وطنية كبرى، مثل تدبير الموارد المائية، وتحلية مياه البحر، وربط الأحواض، والسدود، ودعم الفلاحة، تقلصت قدرة الفاعل المحلي على تقديم نفسه باعتباره الوسيط الوحيد القادر على حل المشكلة. وبالتالي، يمكن أن يؤدي الإجهاد المائي إلى إعادة توزيع الموارد السياسية للفاعلين المحليين. فالمرشح الذي كان يستطيع أن يربط شعبيته بقدرته على التدخل في قضية محلية محددة يجد نفسه أمام مشاكل تتجاوز قدراته الفردية، وتحتاج إلى سياسات عمومية وطنية ومؤسساتية.

إذا كانت الانتخابات تكشف عن تغير العلاقة بين المواطن القروي والفاعل السياسي، فإن الأحزاب مطالبة بإعادة صياغة حضورها في المجال القروي على أساس برامج قابلة للقياس. يمكن تحديد خمسة مجالات رئيسية:

1) الأمن المائي

-دعم تقنيات الري المقتصدة للماء؛

-ضمان الماء الصالح للشرب؛

-الطرق والمسالك القروية؛

-الكهرباء والتطهير؛

-تحسين الربط بين الدواوير والمراكز الحضرية.

3) الصحة والتعليم

-تعزيز الموارد البشرية الصحية؛

-دعم المدارس الجماعاتية؛

-دعم تمدرس الفتيات في المناطق النائية.

-دعم التعاونيات؛

-السياحة القروية والبيئية؛

-دعم التشغيل الذاتي للشباب؛

5) تحديث الفلاحة ومواجهة التغير المناخي

يتطلب ذلك تطوير الإرشاد الفلاحي، وتوفير حلول تمويل أكثر ملاءمة لدورات الإنتاج، وتشجيع الزراعات المقاومة للجفاف، وتعزيز التكوين في التقنيات الزراعية الجديدة. وبذلك يصبح المطلوب من الأحزاب ليس فقط الحضور أثناء الحملة الانتخابية، بل بناء علاقة مستمرة مع المواطن قبل الانتخابات وبعدها.

من التعبئة إلى المشاركة،

ومن الوعود إلى التعاقد،

ومن الشخص إلى البرنامج،

ولا يعني ذلك اختفاء شبكات الأعيان أو العلاقات الشخصية، بل يعني أن هذه الشبكات نفسها تدخل في عملية إعادة تشكيل.

خاتمة: أصوات القرى ليست خارج السياسة

كما أن ارتفاع العزوف لا ينبغي أن يُفسر تلقائيًا باعتباره نهاية السياسة أو انعدام الاهتمام بالشأن العام. فقد يعكس أحيانًا تغيرًا في أشكال المشاركة وفي علاقة المواطن بالمؤسسات السياسية. والتحدي الحقيقي الذي تطرحه انتخابات 2026 لا يتمثل فقط في كيفية استعادة الناخب إلى صندوق الاقتراع، وإنما في كيفية استعادة الثقة في معنى التمثيل السياسي نفسه.

إن أصوات القرى، بهذا المعنى، ليست أصواتًا هامشية أو أقل وعيًا؛ إنها تعبير عن علاقة اجتماعية وسياسية مخصوصة بالدولة والمجال والموارد والتمثيل. ودراسة هذه العلاقة يمكن أن تفتح أفقًا أوسع لفهم التحولات الجارية في الثقافة السياسية المغربية.

المراجع في علم الاجتماع السياسي والسلوك الانتخابي:

– مرجع أساسي لفهم العالم القروي المغربي، النخب المحلية، الوساطة والعلاقة بين المجال الريفي والسياسة.

Tozy, Mohamed (2008). “Morocco’s Elections: Islamists, Technocrats, and the Palace.” Journal of Democracy, 19(1), 34–41.

Bennani-Chraïbi, Mounia (2008). « Hommes d’affaires versus profs de fac. La notabilisation parlementaire d’un parti de militants au Maroc ». Revue internationale de politique comparée, 15(2), 205–219.

– مرجع نظري أساسي لتحليل الحقل السياسي والتمثيل والرأسمال السياسي.

– للاستفادة من مفاهيم الهابيتوس والرأسمال الاجتماعي والرمزي ومنطق الممارسة.

– خصوصًا تصنيفه لأنماط الشرعية: التقليدية، والكاريزمية، والقانونية-العقلانية.

– مرجع تأسيسي لفهم أثر الانقسامات الاجتماعية والمجالية في السلوك الانتخابي.

– يفيد في ربط المؤسسات الانتخابية بالسلوك السياسي والانقسامات الاجتماعية.

– مرجع حديث لفهم العلاقة بين الانقسامات الاجتماعية والمشاركة السياسية والامتناع الانتخابي.

– من المراجع الكلاسيكية في دراسة النخب السياسية المغربية وبنية العلاقات السياسية.

تحولات السلوك الانتخابي Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

مشاهدة تحولات السلوك الانتخابي

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تحولات السلوك الانتخابي قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تحولات السلوك الانتخابي.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار