انتهت انتخابات 23 شتنبر، وأعلنت نتائجها، وتصدّر حزب الأصالة والمعاصرة، وعُيّنت فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة، ثم انشغلنا منذ ذلك الحين بسؤال من سيشارك في الحكومة ومن سيبقى خارجها. لكن متابعة بسيطة لما كتبته الصحافة الإسرائيلية عن انتخاباتنا، قبل الاقتراع وبعده، تكشف أن هناك خيطا آخر رافق هذه الانتخابات من بدايتها إلى نهايتها، هو الخيط الإسرائيلي.
دعونا نوضح الأمر منذ البداية: لا أقصد لا تصريحا ولا تلميحا أن إسرائيل تدخلت في الانتخابات المغربية، ولا أعتقد أن مجرد اهتمام الصحافة الإسرائيلية بنتائجها يسمح ببناء استنتاج من هذا النوع. كما أن تهنئة رئيس دولة لرئيسة حكومة دولة تقيم معها علاقات دبلوماسية لا تعني بالضرورة أنه كان يدعمها قبل انتخابها، ولا أن ما يكتبه صحافي إسرائيلي عن حزب مغربي يتحول تلقائيا إلى موقف رسمي للدولة الإسرائيلية.
لكن هذا الاحتراز الضروري لا ينبغي أن يحجب عنا شيئا آخر، هو أن إسرائيل كانت حاضرة بقوة في انتخابات 23 شتنبر، موضوعا في البرامج، وخلافا في الحملة، وحدثا دبلوماسيا قبل الاقتراع بأيام، ثم معيارا من المعايير التي قرأت بها الصحافة الإسرائيلية نتائجنا.
لم تبدأ القصة، كما قد يبدو، يوم 16 شتنبر، عندما اجتمع وزير الخارجية ناصر بوريطة بنظيره الإسرائيلي جدعون ساعر والسفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة مايك والتز في نيويورك، واتفقوا على رفع مستوى مكاتب الاتصال بين المغرب وإسرائيل إلى سفارتين وتبادل السفراء، إلى جانب توسيع مجالات التعاون الاقتصادي والاستثماري والجوي.
فقبل ذلك بتسعة أيام، كان حزب العدالة والتنمية قد قدّم برنامجه الانتخابي، واضعا ضمن التزاماته في السياسة الخارجية “دعما قويا ولا مشروطا للقضية الفلسطينية ورفض ومناهضة التطبيع”. ولم يكن الأمر صيغة فضفاضة قابلة لكل التأويلات، بل تضمّن البرنامج رفض العلاقات والاتفاقيات ومكتب الاتصال ولجنة الصداقة البرلمانية…
ولم يكن العدالة والتنمية وحيدا في ذلك. ففي البرنامج الانتخابي لتحالف اليسار، نجد فصلا كاملا يحمل عنوان “وقف التطبيع واتفاقياته والانتصار المطلق لفلسطين”، أي أن إسرائيل لم تدخل إلى انتخاباتنا عندما أعلنت الصحافة الأجنبية خبر السفارتين، بل كانت موجودة قبل ذلك في البرامج الانتخابية نفسها، وفي الخلاف السياسي بين قوى تعتبر العلاقة معها خيارا دبلوماسيا قائما ينبغي تدبيره، وأخرى تعد إنهاءه جزءا من مشروعها الانتخابي.
والجديد الذي فعله اتفاق 16 شتنبر هو أنه نقل القضية من صفحات البرامج، التي لا يقرأها في الغالب إلا أصحابها وبعض الصحافيين والباحثين، إلى قلب الحملة الانتخابية نفسها.
أن تعلن قبل سبعة أيام من الاقتراع خطوة دبلوماسية بهذا الحجم، في موضوع بالغ الحساسية داخل المجتمع المغربي، وفي لحظة ما تزال فيها حرب غزة وما خلفته من صور ومآس حاضرة بقوة، يكفي لكي يتحول التطبيع من بند في السياسة الخارجية إلى مادة في الصراع الانتخابي.
لهذا لم يكن غريبا أن تعقد الأمانة العامة لحزب العدالة والتنمية في اليوم التالي اجتماعا استثنائيا، وتعيد التأكيد على الموقف الذي كان موجودا أصلا في برنامجها، وطلبت من أعضائها عدم الانجرار إلى النقاش الدائر حول الخبر والتركيز على الحملة الانتخابية. كأن الحزب كان يريد أن يقول إن مناهضة التطبيع واحد من أوضح مواقفنا، لكننا لا نريد أن يبتلع موضوع إسرائيل بقية حملتنا.
بعد أيام قليلة، دخل أحمد الشرع، صاحب مجموعة إعلامية مغربية والمشتغل في مجال التأثير في الأوساط الإعلامية والسياسية الأمريكية والإسرائيلية، على الخط، وأعلن دعمه لمنسقة حزب الأصالة والمعاصرة، وتحدث عن منح امرأة فرصة قيادة الحكومة، وهو ما جعل عبد الإله ابن كيران ينقل النقاش إلى سؤال علاقة هذا الدعم بإسرائيل، على اعتبار أن الشرعي هو صاحب مقال “كلّنا أسرائيليون” الذي نشر أياما قليلة بعد هجوم 7 أكتوبر الذي قامت به المقاومة الفلسطينية ضد إسرائيل، ونُشر أولا في صحيفة “The Jerusalem Strategic Tribune” الأمريكية، والتي تقدّم نفسها كتعبير عن المواقف الأمريكية-الإسرائيلية.
طالب ابن كيران المنصوري بموقف واضح، وربط صمتها بما سماه احتمال أن تكون “مرشحة إسرائيل”. ومن جانبه المنصوري لم تتجاهل الأمر، مستعينة في ذلك بنصائح قالت مصادر موثوقة إنها تلقتها من جهات عديدة بما فيها أسماء سبقتها إلى قيادة حزب الجرار.
خرجت المنصوري لتقول إنها لا تعرف أحمد الشرعي ولا تتبنى مواقفه، وإن مواقف حزبها من القضية الفلسطينية “واضحة ومعروفة”، كأنها تذكّر بكون فريق الأصالة والمعاصرة البرلماني كان قد وقّع مقترح قانون يجرّم التطبيع قبل سنوات، وإنها وحزبها يخدمان المغرب وحده.
بعد أيام قليلة فقط، ستتصدر المنصوري الانتخابات مع حزبها، وسيعيّنها الملك رئيسة للحكومة، لتأتيها تهنئة رسمية من الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الذي أشاد بالتعيين وبعلاقات البلدين، وتمنى لها النجاح وتحدث عن مواصلة توسيع “دائرة السلام والتسامح”.
أما إذا انتقلنا إلى الصحافة الإسرائيلية، فسنكتشف صورة أكثر وضوحا. ففي إسرائيل، لم تكن نتيجة الانتخابات المغربية مجرد فوز للبام بـ97 مقعدا، وتراجع الأحرار إلى 66، وبقاء الاستقلال في حدود 65، وعودة العدالة والتنمية إلى 54… بل كانت إحدى أهم زوايا قراءة الانتخابات هي المواقف المرتبطة بالعلاقة مع إسرائيل.
موقع “واي نت” (Ynet)الذي يعتبر منصة إخبارية رقمية تابعة لصحيفة يديعوت أحرونوت؛ اختار عنوانا أبرز “إنجاز الإسلاميين” وانتخاب ناشط سبق أن داس على العلم الإسرائيلي، في إشارة إلى عزيز هناوي. وقالت المنصة إن عودة العدالة والتنمية جاءت في الشهر نفسه الذي رفع فيه المغرب مستوى علاقاته مع إسرائيل، وقدمت حملته من خلال تركيز واضح على مطلب إنهاء التطبيع.
والأكثر دلالة أن الصحيفة عادت في التقرير نفسه إلى الجدل الذي أحاط بفاطمة الزهراء المنصوري وموقفها من إسرائيل، ونقلت ردها الذي قالت فيه إن مواقف حزبها من فلسطين معلنة وإنها تخدم وطنها وحده.
صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” ذهبت في الاتجاه نفسه تقريبا.، ووضعت انتخاب هناوي في عنوان تغطيتها للنتائج، وذكّرت بأنه سبق أن داس العلم الإسرائيلي، بينما أبرزت صعود “المعارضة الإسلامية” بعد الانتخابات.
حتى “جيروزاليم بوست”، التي قدمت تغطية أوسع للانتخابات ولم تختزلها في هذه الزاوية، خصصت حيزا مهما للعلاقات المغربية الإسرائيلية، وذكّرت بأن العدالة والتنمية كان يقود الحكومة عندما استؤنفت العلاقات سنة 2020، ثم أصبح يعارض تعميقها، قبل أن تستعرض قرار رفع التمثيل الدبلوماسي إلى مستوى السفارات قبل الانتخابات بأسبوع.
المثير في كل هذا هو أن الصحافة الإسرائيلية فعلت بالانتخابات المغربية ما تفعله كل صحافة محلية تقريبا عندما تنظر إلى انتخابات تقع خارج حدودها، فتبحث فيها عما يعني بلدها.
نحن بدورنا، عندما تجري انتخابات في فرنسا أو إسبانيا أو الولايات المتحدة، نبحث عن موقف اليمين واليسار من المغرب، وعن الصحراء والهجرة والتأشيرات والعلاقات الاقتصادية. وبالتالي ليس غريبا أن تنظر الصحافة الإسرائيلية إلى انتخاباتنا من النافذة الإسرائيلية. لكن أهمية هذه المرآة تكمن فيما كشفته لنا.
لقد كشفت أن إسرائيل، في السياسة المغربية، لم تعد مجرد ملف دبلوماسي، ولا مجرد قضية خارجية يختلف حولها المغاربة. بل صارت علامة سياسية داخلية.
قد لا تكمن أهمية ما كتبته الصحافة الإسرائيلية عن انتخاباتنا في أن نكتشف كيف تنظر إسرائيل إلى المغرب. الأهم أن ننظر نحن إلى انتخاباتنا في تلك المرآة.
عندها سنجد حزبا إسلاميا عاد بقوة، فكان أول ما استوقف الإسرائيليين فيه موقفه من التطبيع. ونائبا انتخبه المغاربة، فكان أهم ما رأوه فيه قدما داست علمهم. ورئيسة حكومة جديدة، بحثوا في تاريخ علاقتها بالجالية اليهودية وموقفها من إسرائيل. وليس في ذلك ما يدعو إلى الغضب.
كل مرآة تكشف زاوية معيّنة، حسب زاوية انعكاس الأضواء.
حكومة المنصوري في مرآة إسرائيل صوت المغرب.
مشاهدة حكومة المنصوري في مرآة إسرائيل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حكومة المنصوري في مرآة إسرائيل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حكومة المنصوري في مرآة إسرائيل.
في الموقع ايضا :
- عاجل: الخارجية المصرية: اعتبار مستشار سفارة إثيوبيا بالقاهرة غير مرغوب فيه وإمهاله 48 ساعة للمغادرة كمعاملة بالمثل
- عاجل: وكالة شهاب: سلسلة غارات جوية تستهدف المناطق الشرقية لمدينة غزة بالتزامن مع استمرار إطلاق قنابل متفجرة من طائرات “كواد كابتر” وتحليق مكثف لطائرات الاستطلاع في أجواء القطاع
- العراقي زين العابدين المرشدي والمغربي أبو بكر المليتي يتقاسمان جائزة بلند الحيدري للشعراء العرب الشباب