ترك برس
في تحليل نشره موقع «إندبندنت تركية»، يتناول غورسيل توكماك أوغلو، الرئيس السابق لدائرة الاستخبارات في القوات الجوية التركية، مفهوم «قيادة الحرب الذاتية» بوصفه تحولاً جوهرياً في هيكل القيادة العسكرية. ويرى الكاتب أن تاريخ الحرب شهد سعياً مستمراً لتقصير سلسلة الربط بين المراقبة وإصدار الأوامر، عبر التلغراف واللاسلكي والأقمار الصناعية والعمليات الشبكية، لكن القرار ظل يتجمع دائماً على طاولة مقر قيادة. أما قيادة الحرب الذاتية فتقسم هذه العادة إلى شطرين: يضع الإنسان المقصد والأولوية وحدود الصلاحية، بينما تنفذ الآلة المسار وتوزيع المهام ودمج أجهزة الاستشعار وإعادة التخطيط بعد الخسائر، ولا يتدخل الإنسان إلا عند العتبة الحرجة. ويضيف أن ما يُكتسب هو السرعة، وما يُفقد هو احتمال انتشار نموذج خاطئ في السرب بأكمله دفعة واحدة.
ويشير توكماك أوغلو إلى أن هذا التمييز اتخذ طابعاً مؤسسياً في 30 أيلول/سبتمبر 2026، حين أعلن وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث في خطابه بمدينة كوانتيكو عن قيادة الحرب الذاتية ذات الأربع نجوم، على أن يكون موعد تأسيسها المستهدف في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2027. ويوضح أن هذه القيادة مصممة بصفة قيادة قتالية، لكنها تتمتع بصلاحيات شبيهة بالقوة: ميزانية خاصة، وتوريد، وقوة بشرية، ومسارات مهنية. وتشمل محفظتها الطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي (الذي بدأ الأمريكيون يسمونه الآن «الذكاء الفائق») والقيادة والسيطرة. ويذكر أن المرحلة الانتقالية تُدعى «مشروع أجينكورت»، وأن المذكرة الموقعة في اليوم نفسه تطالب برموز مهنية ومسارات وظيفية منفصلة للأنظمة غير المأهولة والذاتية. ويستند التبرير، بحسب الكاتب، إلى درس أوكرانيا: ليس طائرة مسيرة واحدة مثالية، بل بناء نظام يغير البرمجيات والتكتيك والإنتاج كلما تغير الطرف المقابل.
ويؤكد توكماك أوغلو ضرورة تصحيح سوء فهم شائع: فقياة الحرب الذاتية ليست «نزع الطابع البشري» عن الجيش، بل سحب القوة البشرية (الجندي) من أعمال المقر نحو «عقدة النية». ومن هنا يتضح، في رأيه، أن صورة النصر الكلاسيكية تصبح ضبابية؛ إذ لم يعد الهدف حماية المنصة الباهظة، بل إبقاء سرعة تكيف الخصم أدنى من دورة الإنتاج والبرمجيات الخاصة بك. وما يُرى في الميدان ليس رفع علم، بل تغيير في الوضع الاستراتيجي.
وينتقل الكاتب إلى مفهوم انتهاء «الخط» وبقاء «عقدة النية والمقصد». ويوضح أن الخط هنا ليس خطاً جغرافياً، بل عادة تنظيمية وتخطيطية في الحرب الكلاسيكية، حيث يتجمع التماس في خط أمامي واحد، ويُعد ما خلفه آمناً، وتستقر فيه مهام المقر. وفي المخطط الكلاسيكي ثلاث حلقات: خط التماس في الأمام، ثم الوحدات، ثم المقر والمستودع والاحتياط في الخلف. يُسأل الأمر من الأمام إلى الخلف، ويُدفع النار من الخلف إلى الأمام، والخط متصل؛ وانقطاعه أزمة لأن القيادة واللوجستيات تجريان من خلفه. أما في كتيبة المهام الذاتية فيتحلل هذا التقسيم: لا يتجمع التماس في خط واحد بل ينتشر على شبكة، وتكون عقدة النية داخل التماس نفسه، وتقف الكتلة في الحلقة القابلة للاستهلاك، بينما تبقى البصمة الباهظة قدر الإمكان في الحلقة الثانية. وإذا انقطع الاتصال لا تنسحب الوحدة إلى الخط، بل تواصل شريحة الصلاحية الممنوحة مسبقاً، وتتوقف عند انتهائها. وهكذا يخرج الانقطاع من كونه أزمة ليصبح الحالة الافتراضية. ويشدد توكماك أوغلو على أنه حين يقول «ينتهي الخط» فهو لا يقصد انتهاء الأرض، بل انتهاء نموذج القيادة القائم على خط تماس مستمر، ليحل محله عقدة النية: النواة البشرية (القائد العسكري) التي تُقفل فيها المقاصد والأولويات وقواعد الاشتباك.
ويستعرض الكاتب ما تفقده الحرب وما تكسبه. فالقيادة الكلاسيكية تجمع التماس في خط وتسأل المقر خلفه، بينما تنشر القيادة الذاتية التماس على شبكة. وفي كل مربع ثلاثة عناصر: الإنسان (القائد العسكري) الذي يمسك النية والمقصد، والعقدة غير المأهولة التي تحمل المستشعر والفضاء والتأثير، والاستقلالية المحلية التي تواصل الشريحة المصرح بها مسبقاً عند انقطاع الاتصال ثم تتوقف. ولا يختفي الصورة العملياتية المشتركة المركزية، لكن الصورة الحقيقية تصبح هامشية وقصيرة العمر ومحلية. ويعدد أربع نتائج لهذا التحول: الأولى هي الإيقاع، حيث تهبط المدة من المراقبة إلى الاشتباك من إيقاع اجتماعات المقر إلى سرعة الآلة؛ والثانية هي الكتلة، إذ تُبنى الدفاعات لضرب أهداف قليلة وباهظة، فيفسده الأداة الرخيصة والمتجددة، وما يُثبت ميدانياً اليوم ليس ذكاءً جماعياً بلا قائد بل موجة إشباع وفرقاً ذاتية صغيرة تحت إشراف بشري؛ والثالثة هي تحمل الاستنزاف، حيث تتحول الخسارة من مسألة معنوية وسياسية إلى مسألة مخزون وإنتاج؛ والرابعة هي الضعف الجديد، إذ يحل الحرب الإلكترونية والتزييف وتسميم البيانات محل نيران المدفعية الكلاسيكية، والسرعة تُضاعف النموذج الخاطئ بالسرعة ذاتها. ويشير إلى أن الطائرة الصينية المزدوجة القمرة J-20S ومزاوجتها غير المأهولة، وطائرات الولايات المتحدة ذات الطيران الجماعي، ودراسة تركيا لتشكيل ذاتي بين «كان» و«عنقا-3»، كلها مستويات نضج مختلفة للمنطق نفسه: تحافظ المنصة المأهولة على بصمتها الباهظة، وتحمل الجناح غير المأهول المستشعر والفخ والذخيرة، ويتحول الطيار من مقاتل منفرد إلى مدير قتال لشبكة تأثير.
ويصف توكماك أوغلو خريطة القيادة الجديدة بأنها ثلاثية الطبقات. الطبقة الاستراتيجية وظيفية وليست مالكة جغرافياً: تكتب قيادة الحرب الذاتية الحاجة المشتركة، وتضع المعايير، وتؤسس التوريد ومسار المهنة، بينما تقدم القوات الإنسان والمنصة، وتدفع القيادة الجغرافية الحزمة إلى الميدان. ويصبح عقدة الصناعة والبرمجيات داخل الخريطة لا خلفها، وتحديث النموذج سطراً عملياتياً بقدر ما هو إمداد الذخيرة. والطبقة العملياتية ليست منطقة فيلق ثابتة بل حزمة مهام: استطلاع-ضرب، وكتلة تُشبع الدفاع الجوي، وخلية روبوت برية وبحرية، وحزام مضاد للاستقلالية، لا تُصف كوحدة كادر تحت سقف واحد بل تندمج عند الحاجة وتتفرق عند الخسارة. وتحت كل حزمة عقدة نية بشرية تحمل المقصد والأولوية وقاعدة الاشتباك، لا المسار. أما الطبقة التكتيكية فليست خطاً؛ ففي المخطط القديم كان المقر في الخلف والوحدة في الأمام وخط التماس في أقصى الأمام، بينما في المخطط الجديد تكون عقدة النية-المقصد داخل التماس، والكتلة في الحلقة القابلة للاستهلاك، والاستهلاك الباهظ قدر الإمكان في الحلقة الثانية. والسؤال عند قراءة المخطط ليس «أين الخط؟» بل «في أي عقدة أُقفل المقصد والنية؟ ومن أي عقدة يُنتج التأثير؟ وأي مربع يستطيع البقاء بمفرده عند انقطاع الاتصال؟».
وينتقل الكاتب إلى كيفية بناء كتيبة وفق هذه الخريطة. فهي ليست كتيبة منصات بل كتيبة تأثير، يمكن تسميتها «كتيبة مهام الحرب الذاتية»، قوامها نحو 220 فرداً بشرياً وأكثر من 600 عنصر غير مأهول في التأسيس السلمي، تتجدد هذه الكتلة يومياً في القتال بالإمداد. في حين تحمل الكتيبة الميكانيكية الكلاسيكية 600-800 جندي، هنا يتخلخل العنصر البشري ويتضاعف التأثير. ولا تحتل الكتيبة موقعاً بمفردها، بل تُلحق أمام كتيبة ميكانيكية أو مجموعة مهام ساحلية أو عنصر جوي. ويبلغ مقر وعقدة النية-المقصد (أو الخلية البرية) نحو 28 فرداً: القائد والعمليات والاستخبارات ودعم النيران والحرب السيبرانية-الإلكترونية وضابط برمجيات، ومهمتهم ليست إنتاج صورة مشتركة بل إقفال شريحة الصلاحية. وتبقى العتبة القاتلة الحرجة في هذه الخلية أو في حلقة نية السرية. أما سلاسل الهجوم الذاتية الكاملة فتُناقش تقنياً لكنها تُنزل إلى الميدان بشكل محدود لأسباب المساءلة.
ويضيف أن هناك سريتين للاستطلاع-الضرب تزاوجان العمود البشري بالجناح غير المأهول: نحو 32 جندياً و8-12 طائرة مسيرة شبه ذاتية و40-60 ذخيرة جوالة وبضعة مركبات مراقبة برية لكل سرية، مهمتها العثور على الهدف وتأكيده وإنتاج التأثير ضمن الصلاحية، وعند انقطاع الاتصال تواصل الشريحة المحددة ثم توقف النار. وسرية الكتلة بـ24 جندياً تحمل مخزون الطائرات المسيرة الرخيصة والفخاخ وطائرات الرؤية الأولى، ومهمتها ليست الضرب بل تشتيت الدفاع الجوي والانتباه، بمعدل إطلاق يومي يصل إلى مئات، فقيمتها في إيقاع الإطلاق لا في الهيكل. وبدونها يتحول الاستطلاع-الضرب إلى هدف باهظ. وسرية الروبوتات البرية بـ36 جندياً و12-16 مركبة برية غير مأهولة تفتح التحصينات وتنظف الفخاخ وتنقل الذخيرة وتستكشف التضاريس الأخيرة، تُدفع أمام المدرعة المأهولة دون أن تحل محلها. وسرية مضادة للاستقلالية بـ30 جندياً تحمل أنظمة مكافحة المسيرات والحرب الإلكترونية المحمولة وأجهزة الاستشعار قصيرة المدى، وتقف كحزام أمام الكتيبة. وفريق الإدامة والبرمجيات بـ22 جندياً يجمع البطاريات والهياكل ووصلة البيانات الاحتياطية ورقعة النموذج الميدانية تحت سقف واحد؛ فإذا انفصل مخزن الذخيرة عن مخزن البرمجيات تحولت الكتيبة عند أول تشويش جدي إلى هدف يُتحكم فيه عن بعد. أما عمود الجناح-الرفيق فليس تابعاً للكتيبة بل يُربط من العنصر الجوي: منصة مأهولة واحدة مع جناحين إلى أربعة غير مأهولة، يعطي قائد الكتيبة المقصد ويتولى العنصر الجوي خطة الطلعات. وتبلغ نسبة القوة البشرية تقريباً ثلاث إلى خمس عقد غير مأهولة لكل نواة (فصيلة)، وتنهار هذه النسبة إذا ضعف العمق الصناعي، فتتحول الكتيبة إلى صورة عرض. وشرط التأسيس الحقيقي ليس جدول الكادر بل قدرة تجديد الهيكل والنموذج في اليوم نفسه.
وبالنسبة إلى تركيا، يرى توكماك أوغلو أنها دخلت هذا النقاش بقوة. فتنوع الطائرات المسيرة وممارسة الحرب الإلكترونية والمسيرات المسلحة تراكم السنوات العشر الماضية، والذخائر المصغرة بما فيها الجوالة فعالة جداً. والنقص ليس في عدد المنصات، بل في الخريطة القيادية الجديدة التي تربط المنصة بدورة نية-تأثير-إدامة. فكل هيكل جديد إذا لم يُربط في آن واحد بنظام القيادة المشتركة وقاعدة الاشتباك ورقعة البرمجيات الميدانية يكبر الركام ولا يكبر الحرب. ويبرز ثلاثة أعمال بدأت بالفعل: أولاً، تحويل مشغل الأنظمة غير المأهولة من مهمة مؤقتة إلى رمز مهني، كما تطالب المذكرة الأمريكية صراحة؛ وثانياً، اعتبار المضاد للاستقلالية شرطاً لبقاء كل حزمة لا هامشاً منفصلاً؛ وثالثاً، إدخال الإنتاج داخل العملية، فإذا سبق إيقاع الإطلاق إيقاع المخزن بقيت أفضل المخططات حبراً على ورق.
ويخلص توكماك أوغلو إلى أن قيادة الحرب الذاتية لا تجعل الحرب أكثر خلواً من البشر، بل تجعلها أسرع وأكثر قابلية للاستهلاك وأكثر قدرة على التكيف. ينتهي الخط وتبقى عقدة النية. والرابح ليس صاحب أذكى منصة منفردة، بل من يمسك النية والمقصد في الإنسان ويجدد إنتاج التأثير بسرعة الآلة. فالسرعة أصبحت أهم من كثير من الأشياء.
مشاهدة قيادة الحرب الذاتية مراجعة للوحدة والقوة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ قيادة الحرب الذاتية مراجعة للوحدة والقوة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على ترك برس ( الشرق الأوسط ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، قيادة الحرب الذاتية: مراجعة للوحدة والقوة.
في الموقع ايضا :