تونس : تملك الأجانب للعقارات وحماية القدرة الشرائية للمواطن ..اخبار محلية

اخبار محلية بواسطة : (أنباء تونس) -

إن المتابعة المستمرة لنبض الشارع التونسي واهتماماته تُظهر رغبة متزايدة في إيجاد معادلة تشريعية حكيمة ترتقي بالقدرات الاستثمارية للبلاد، وفي ذات الوقت، تؤمن الحقوق الأساسية للمواطنين في السكن والعيش الكريم وتصون حرمة السيادة الترابية والوطنية. مقاربات مقترحة لتنظيم الملكية العقارية للأجانب وحماية القدرة الشرائية للمواطن والسيادة الوطنية.

إلياس القصري *

قد يكون من الفائدة فتح الباب أمام نقاش هادئ ورصين ومسؤول. نقاش يستهدف قراءة التحولات العقارية الحالية والنظر في بدائل قانونية مرنة تدعم الاستثمار العقاري والسكني دون الإخلال بالتوازنات الديمغرافية أو الضغط على القدرة الشرائية للتونسيين.

أسباب ومظاهر الأزمة العقارية الراهنة:

في ضوء التحولات الاقتصادية المتسارعة، يستحسن التفكير في الأبعاد العميقة للبلبلة الواسعة التي تلت تنامي ظاهرة تملك الأجانب للعقارات، والوقوف بدقة عند مضاعفاتها الاجتماعية والتضخمية والسيادية الخطيرة التي باتت تلقي بظلالها على التوازن العام للبلاد:

– المضاعفات التضخمية وطرد المواطن: شهدت السوق العقارية قفزات صاروخية وغير طبيعية في أسعار الأراضي والمسكن بالضواحي الفاخرة والراقية بتونس الكبرى وفي مدن ساحلية أخرى. هذا التضخم المسجل أحدث نوعاً من التهجير الاقتصادي الصامت للطبقة الوسطى والإطارات التونسية الشابة، التي وجدت نفسها عاجزة تماماً عن مجاراة أسعار مقومة بسيولة نقدية ضخمة وافدة من الخارج، مما دفع بأبناء الوطن نحو الهوامش البعيدة.

– المضاعفات الاجتماعية والبلبلة الإقليمية: يثير التمدد العقاري غير المنظم للأجانب في مناطق سياحية ذات طبيعة جغرافية وثقافية حساسة، وعلى رأسها جزيرة جربة، بلبلة واسعة وقلقاً متزايداً في صفوف الرأي العام. إن ترك الأمور بلا ضوابط زمنية واضحة يهدد بنشوء كانتونات مغلقة، مما يفرز مخاطر التغيير الديمغرافي والاجتماعي وتآكل السلم الأهلي والخصوصية المحلية للمنطقة.

– المضاعفات السيادية بعيدة المدى: إن التملك المطلق والأبدي للأجنبي يخلق بمرور العقود “حقوقاً مكتسبة عابرة للأجيال”. هذه الوضعية قد تتحول مستقبلاً إلى ذريعة للتدخل الإقليمي أو الدولي تحت غطاء رعاية رعايا الدول المالكة، وهو ما يمس مباشرة بالسيادة الترابية والوطنية لجمهورية مستقلة.

مقاربة العدالة الجبائية واستدامة البنية التحتية:

من الجوانب الجوهرية المفتوحة للنقاش هي العلاقة التلازمية بين الإنفاق العمومي والقيمة العقارية. إن المناطق الفاخرة والضواحي الراقية ما كانت لتكتسب جاذبيتها الاستثمارية الدولية لولا البنية التحتية المتقدمة التي توفرها الدولة.

– تضحيات دافع الضرائب المحلي: إن الطرقات، الجسور، قنوات التطهير، والمرافق العامة تم تمويل تشييدها وصيانتها بالكامل من خزينة الدولة التونسية وبأموال دافعي الضرائب من المواطنين والجماعات المحلية.

– البحث عن التوازن الأخلاقي: من هنا تبرز فكرة إيجاد آليات تضمن عدم إقصاء المواطن التونسي (الممول الأصلي لهذه المرافق) من حق الاستفادة والسكن في هذه المناطق. وفي حين أن التدفقات المالية للأجنبي تساهم مؤقتاً في دعم توازنات الصرف، إلا أنها تمثل عائداً مقبوضاً لمرة واحدة، بينما يتطلب الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطن حلولاً مستدامة تضمن ألا يتحول الاستثمار إلى عامل طرد اقتصادي لأبناء البلد.

البُعد السيادي والتشريعي العام – مبدأ الشمولية بلا استثناءات:

عند التفكير في أي تطوير تشريعي مستقبلي، تُطرح فكرة سيادة النص القانوني وشموليته كقاعدة ذهبية. فالتنظيم العقاري يقتضي تجنب الاستثناءات الخاصة أو التمييز بين الجنسيات، وتطبيق المعايير بحزم لحماية الأمن القومي والاقتصادي.

تكتسي هذه الشمولية أهمية بالغة عند التعامل مع التدفقات المالية الضخمة، وخاصة تلك المتأتية من اقتصادات ريعية عابرة للحدود أو أموال غير خاضعة للرقابة الصارمة. إن تحصين التراب التونسي يتطلب وضع كوابح قانونية واضحة تضمن أن يكون الاستثمار العقاري موجهاً لخدمة التنمية الحقيقية، بعيداً عن أي نزعات أو طموحات استحواذية قد تسعى للاستفادة من الظروف الاقتصادية المؤقتة لتغيير المعطيات الديمغرافية أو فرض النفوذ على القرار الوطني.

أفكار ومقترحات برسم النقاش البرلماني:

في إطار البحث عن حلول تشجع الاستثمار العقاري السكني وتحفظ في الآن ذاته حقوق التونسيين وسيادة الدولة، يستحسن طرح أفكاراً عملية قابلة للدراسة والتطوير من قبل نواب الشعب واللجان المختصة:

أ- اعتماد صيغة الملكية الزمنية المحدودة (50 سنة كحد أقصى): بخصوص تملك الأشخاص الطبيعيين والمعنويين الأجانب، المقترح مناقشة إمكانية إدخال نظام الفصل بين ملكية الأرض (حق الرقبة) التي تظل ملكاً أزلياً للدولة أو للمجموعة الوطنية، وبين حق الاستغلال والتشييد (حق السطحية/الانتفاع) المحدد بفترة زمنية لا تتجاوز 50 سنة للجميع دون استثناء. هذه الصيغة مستوحاة من تجارب دولية عريقة وناجحة:

نظام الـ Leasehold في بريطانيا (لندن): يتيح للأجانب الانتفاع بالعقارات لمدد محددة، تعود بعدها العين تلقائياً لمالك الأرض الأصلي.

نظام حق الانتفاع والمساطحة في دبي: تبلغ ملكية حق المساطحة بدبي 35 عانا كجد أقصى للمدة الأولى ويجوز تمديدها لتصل الى 50 عاما كجد أقصى اجمالي. ويحمي هذا النظام التركيبة الديمغرافية والسيادية للدولة مع الحفاظ على وتيرة استثمارية قياسية.

تجارب فيتنام وتايلاند: تقيد تملك الأجانب للأرض بمدد تتراوح بين 30 و50 سنة لمنع حدوث فقاعات عقارية تطرد المواطنين المحليين من مدنهم.

ب- تطوير حوافز استثمارية مرنة وآمنة: إن تحديد المدة بـ 50 سنة لا يعني التضييق على الاستثمار، بل يمكن موازنته بتقديم تسهيلات إدارية كبرى وسرعة قياسية في التسجيل العقاري، مع منح المستثمر الأجنبي حقوقاً قانونية كاملة (كحق الرهن البنكي لتمويل المشاريع) وضمانات واضحة لإعادة تقييم المنشآت أو تجديد العقود بناءً على معايير اقتصادية شفافة تراعي المصلحة المشتركة عند انتهاء المدة.

ج- إرساء آليات رقابية رادعة ضد العقود الصورية: لضمان شفافية السوق العقارية، يُقترح التفكير في أطر قانونية صارمة تمنع الالتفاف على القوانين عبر ظاهرة “الواجهات التونسية” أو العقود الصورية المستترة لشراء أصول دائمة. ويمكن الاعتماد على:

-المصادرة القانونية الآلية: إقرار بطلان أي عقد تحايلي ومصادرة العقار لفائدة أملاك الدولة.

– عقوبات مالية وجنائية متوازنة: فرض غرامات قاسية وعقوبات زجرية على الأطراف المتحايلة لحماية المنظومة المالية الوطنية من تبييض الأموال والاقتصاد الموازي.

التدابير والأحكام الانتقالية (تنظيم وضعية العقود المبرمة سابقاً):

إن صياغة أي قانون جديد تقتضي احترام مبدأ استقرار المعاملات والاتفاقيات التي تمت في ظل التشريعات السابقة. ولتجنب الفراغ القانوني أو التسبب في هزات فجائية في السوق العقارية، يستحسن التفكير في إقرار “إجراءات انتقالية” متوازنة تسري على عقود تملك الأجانب المبرمة قبل صدور التشريع الجديد، وتتوزع على الآليات التالية:

أ-. آلية “التحويل التدريجي” لعقود الملكية المطلقة (تسوية المدة): المقترح: بالنسبة للأجانب الذين يمتلكون عقارات سكنية أو تجارية بصفة “ملكية مطلقة للأبد” (Freehold) وتحصلوا سابقاً على “رخصة الوالي” قانونياً، لا يتم إلغاء ملكيتهم فجأة. بدلاً من ذلك، يتم تجميد ملكية الرقبة الأبدية وتحويلها آلياً إلى “حق انتفاع ومساطحة” محدد بـ 50 سنة تبدأ سريانها من تاريخ صدور القانون الجديد.

التعليل: هذه الفترة (نصف قرن إضافي) تمنح الملاك الحاليين وقتاً كافياً جداً لاستغلال أصولهم أو التفويت فيها بالبيع لتونسيين إذا رغبوا في ذلك، مما يحمي حقوقهم ويحقق هدف الدولة طويل المدى في استعادة الرقبة.

ب- الفرز والتدقيق الرجعي في شرعية الأموال (التسوية المشروطة): المقترح: تشترط الإجراءات الانتقالية على جميع الأجانب الحاملين لعقود تملك سابقة إعادة تسجيل عقاراتهم في “دفتر عقاري سيادي خاص” خلال فترة سماح مدتها سنتان (24 شهراً) من تاريخ صدور القانون.

الرقابة الجبائية: يُلزم المالك الأجنبي بتقديم إثباتات بنكية رسمية تفيد بأن الشراء السابق تم عبر قنوات مالية شفافة وخاضعة لرقابة البنك المركزي التونسي. وفي حال ثبوت أن العقار تم شراؤه عبر أموال مهربة، أو سيولة نقدية موازية (مال فاسد)، أو دون رخصة والٍي قانونية، يسقط الحق المكتسب فوراً ويصادر العقار لفائدة الدولة.

ج- حق الأولوية في الشراء للدولة التونسية (شفعة السيادة): المقترح: خلال الفترة الانتقالية، إذا رغب أي أجنبي يمتلك عقاراً (مبرماً قبل القانون الجديد) في بيع عقاره، يُمنح حق الشفعة القانوني الأول للدولة التونسية (عبر وزارة أملاك الدولة أو البلديات المحلية) لشراء العقار بقيمته المرجعية الحقيقية لإعادة إدماجه في الرصيد العقاري الوطني أو السكني للشباب.

البديل الثاني: إذا تعذر على الدولة الشراء، يُلزم الأجنبي ببيع العقار لمواطن تونسي حصراً، ولا يجوز إعادة بيعه لأجنبي آخر إلا تحت طائلة القانون الجديد (نظام الـ 50 سنة فقط).

د- تنظيم وضعية الورثة الأجانب: المقترح: في حال وفاة الأجنبي الذي يمتلك عقاراً قديماً خلال الفترة الانتقالية، ينتقل العقار إلى ورثته الأجانب كـ “حق انتفاع مؤقت” يستكمل ما تبقى من فترة الـ 50 سنة التسوية، ولا ينتقل كملكية مطلقة، لقطع الطريق أمام التملك الأبدي العابر للأجيال.

الأثر الاستراتيجي لهذه التدابير:

تضمن هذه الأحكام الانتقالية رداً حاسماً على البلبلة والمخاطر السيادية، حيث تفرز السوق وتطهرها من “المال المهرب والمشبوه” الذي دخل قطاع العقارات سابقاً دون رقابة صارمة، وفي ذات الوقت، تعطي رسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن تونس تحترم التزاماتها القانونية ولكنها تحمي مستقبل أجيالها وترابها الوطني وفق جدول زمني محكم ومدروس.

إن هذا المقترح لا يمثل صك اتهام أو أداة ضغط، بل هي دعوة صادقة للتفكير المشترك وفتح قنوات الحوار بين المجتمع، الخبراء، وممثلي الشعب. أن الحكمة التشريعية التونسية قادرة على صياغة قانون متوازن وعادل؛ قانون يرحب بالاستثمار الأجنبي الحقيقي والمنظم الذي يحترم سيادة الدولة، وفي ذات الوقت يحمي حق التونسي في أرضه وأمنه السكني، ويضمن للأجيال القادمة بقاء تونس وطناً مستقراً ومزدهراً لأبنائه ومتمتعا بسيادة ترابية غير منقوصة.

* سفير سابق.

ظهرت المقالة تونس : تملك الأجانب للعقارات وحماية القدرة الشرائية للمواطن أولاً على أنباء تونس.

مشاهدة تونس تملك الأجانب للعقارات وحماية القدرة الشرائية للمواطن

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ تونس تملك الأجانب للعقارات وحماية القدرة الشرائية للمواطن قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على أنباء تونس ( تونس ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، تونس : تملك الأجانب للعقارات وحماية القدرة الشرائية للمواطن.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار محلية
جديد الاخبار