| د. إدريس هاني
يبدو أن الأثر التكويني لخيانة العرب لبعضهم البعض ردحا من الزمن، هو في حالة تحقق فعلي أقصى لا بداء فيه، ذلك لأن إصرارهم على الكبيرة وهرولتهم على طريق التدمير الذاتي زاد في تعميق الأزمة؛ فما العمل يا ترى؟
سؤال فرعي يسبقه سؤال أساسي: وهل العرب استوعبوا أزمتهم أم تراهم عاندوا في الهروب إلى الأمام والتحلل من مسؤوليتهم التاريخية؟
والظاهر من سياساتهم الملتبسة واستشرافاتهم البلهاء وتحليلاتهم الهوجاء، أنهم لم يستوعبوا أزمتهم بعد. إنها قناعة لا زلت أحتفظ بها لدمنذ ما يقارب 40 عاما، وهذا ما بدا لي منذ انفتحت على سؤال النهضة ومشكلة التقدم والتأخر في البيئة العربية. فلقد ذهبت السياسة في واد والعلم بيقظة الأمم في واد آخر ، ثم ما لبث أن تلوث المشهد، وغدا كل شيء يحيل إلى نقيضه؛ فقد انهار المعنى وانكمش المعقول، وتوقف مسار الرشد واستبدت الحماقة، وكان يا ما كان؛ فأي معجزة يا ترى، قادرة على إعادة المعقول إلى السياسة العربية، والصدق إلى القول العربي؟!
لقد نفذ العدو إلى أعماقهم، ورسم لهم خرائط ملغومة، وجعل بأسهم بينهم شديدا، أمما كانوا أم جماعات، حتى احترقت جغرافيتهم عن بكرة أبيها، وتمزق اجتماعهم واستطال أغبياؤهم واستضعف عقلاؤهم، ومع ذلك يتساءلون عن أسباب انحطاطهم، بل ومع ذلك يلوم بعضهم بعضا وهم في فلك واحد يسبحون.
لقد ولد الميثاق العربي مريضا، ففي البدء كانت النوايا مغرضة، وكان الغرب يذكي حماقة العرب ليسهل عليه السيطرة على مقدراتهم والامساك بناصيتهم، وقد فعل، وهو إذ فعل جعل المهمة أصعب على من أبى وتمنع. إن عصا الصراع لا تمسك من الوسط، فهي مسار متراكم من الأسباب والمسببات، فمن استوعب تاريخ الملة، أدرك من دون دهشة سبب انحطاطها اليوم.
البكاء على ما لم ينجز لن يفيد أمة بلغ فيها السيل الزبى؛ بل السؤال الذي يطرح باستمرار، ولكنه يطرح بلا جدوى ولا مصداقية، هو ما العمل؟ وما العمل هو نفسه سؤال خضع للتزييف، لأن نخبة العرب لا زالت هائمة تبحث عن حظوة؛ وما جدوى وقيمة الحظوة في ليل عربي اشتد حتى لم نعد نحسن رؤية بعضنا البعض؟! نعاند حد نكران واقعنا، نخشى أن نرى الأشياء كما هي، لأننا افتقدنا الشجاعة في الاعتراف، ولأننا افتقدنا الصدق مع أنفسنا.
ويقولون إنه جلد للذات؛ فليكن! ألا نستحق وجبة فلقة تاريخية جزاء وفاقا لما فعلته أيدينا؟ بلى؛ نحن أمة تهرب من التاريخ إلى المثالية الهجينة. ثم تملأ المشهد زعيقا، والأخطر من هذا كله، أنها تحسب أنها تحسن صنعا.
تحول واجب الكفاح الوطني إلى المزاد العلني، وتصدر البهلوان المشهد وأصبح الوضع أشبه بملهاة. طال أمد تحشيشة العرب، وربما ضاعفوا الكمية، فهم في حالة (Overdoze) من الهزيمة والتبعية.
هذا لا يخفي حسن بلاء أحرار العرب ممن أنجبتهم الفحولة من العرب؛ فهؤلاء كانوا على طول الخط في بلاء عظيم، ولست في موقع التراخي في التعريف المنطقي للأحرار، حدا تاما خاليا من الأحكام التصديقية، لأنها فرع التصور، تعريفا منطقيا صحيحا يتقوم بالجنس القريب والفصل القريب نظير: “الإنسان حيوان ناطق”. وعليه، فالرسم الناقص أو التعريف بالجنس البعيد والخاصة، هي من مهلكات المعنى، نظير القول: “الإنسان جسم زاعق”. إن الأحرار قبل أن يكونوا كذلك، يتعين أن يتحرروا من ذاكرة الحقارة وهواجس الحقد وما يدفع دفعا شديدا نحو حالة التعويض. فالتحرر صفة نبيلة هي جماع القيم الكبرى؛ فاحذر أن لا يكون التعريف جامعة مانعا، فلا يكوع إلا عبد، ولا ينط بين الأغصان إلا نسناس. الحر انسان ناطق بالفعل وليس بالقوة، ناطق مدرك للكليات. وليس القول كالزعيق، وليس اللوغوس كالخاووس.
لقد ترك المجال العربي خاليا من أي مشروع تربوي لملة تشكلت أكثر في أكثر من جيل على التعويض وحجب الواقع والإدمان على سكر السرديات الصبيانية. إنها حقا سيكولوجيا الإنسان العربي المقهور؛ والإقرار بذلك هو شرط العلاج، لأن الخشية اليوم هي من أن يصبح الجسد العربي ماديا ونفسيا غير قابل للعلاج، فوجب الإجلاس القسري على كرسي الصابر، لأن المشهد العربي بات عرضة لنشاط ميكروبي؛ كل الخشية من أن نصبح ذات صباح قطيعا زومبيا يمشي على قرف!
الوضع العربي فيما هو مرتهن له لا يبشر بخير، وهذه النكبة التي يصنعها العدو فتكا بشعوب عزلاء إن هو إلا نتيجة هذا التدهور التاريخي لمفهوم الأمة فضلا عن مفهوم الأمم المتحدة. عالم أكثر من فيه لا يعقلون!
كاتب مغربي
ماذا كان العرب يتوقعون بعد أن أطلقوا سيقانهم للتبعية؟! first appeared on الخبر اليمني.
مشاهدة ماذا كان العرب يتوقعون بعد أن أطلقوا سيقانهم للتبعية
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ ماذا كان العرب يتوقعون بعد أن أطلقوا سيقانهم للتبعية قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على الخبر اليمني ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، ماذا كان العرب يتوقعون بعد أن أطلقوا سيقانهم للتبعية؟!.
آخر تحديث :
في الموقع ايضا :