«التواصل بالنسبة إلى الفعل هو بمثابة الطيران بالنسبة إلى المشاة، يجب أن يمهّد الطيران الطريق حتى يتمكن المشاة من التقدم. فعندما نكسب معركة التواصل، يمكننا أن نبدأ في الفعل.»
فالسياسة في زمن الاتصال الفوري (مواقع التواصل الاجتماعي) لم تعد تبدأ من القرار، وإنما من الصورة التي تسبق القرار. وقبل أن تشكل الحكومة، تكون صورتها قد بدأت في التشكل لدى المواطنين. وقبل أن يخرج برنامجها إلى الوجود، تكون الرواية المحيطة بها قد بدأت في فرض نفسها.
اختارت المنصوري في البداية سياسة انفتاح واضحة على الإعلام والرأي العام، كان الهدف، على ما يبدو، منح المشاورات زخما سياسيا وشعبيا، وإخراجها من صورة التفاوض الحزبي المغلق إلى فضاء أكثر انفتاحا على المجتمع.
وفي الجهة المقابلة، دخل حزب العدالة والتنمية، باعتباره مكونا أساسيا في المعارضة، إلى هذا المجال بخطاب سياسي وأخلاقي حاد، استثمر حالة الاهتمام الشعبي بالمشاورات ورفع منسوب الضغط الإعلامي على المنصوري ومحيطها السياسي.
وهبي… الواجهة التي تتحمل الصدام
في هذا السياق، برز عبد اللطيف وهبي كأحد أبرز الوجوه التي تولت مساحة واسعة من الاشتباك السياسي والإعلامي.
وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد تصريح أو حوار. إنها تتعلق بتوزيع الوظائف التواصلية داخل الفريق السياسي.
بمعنى آخر، ليس ضروريا أن تدخل رئيسة الحكومة كل المعارك حتى تنتصر فيها سياسيا. أحيانا يكون نجاح القيادة في أن تختار المعارك التي تخوضها، وتترك لآخرين معارك أخرى.
فالاجتماعات مع قيادات الأحزاب أصبحت أكثر انغلاقا، وحضور الزعماء إلى مقر حزب الأصالة والمعاصرة في صيغ فردية قلل من فرص التسريب، ومنح المفاوضات مساحة أوسع للتحرك بعيدا عن ضغط الكاميرات والأسئلة والتأويلات.
فالمنصوري لم تمنع الصحافة من الحضور، ولم تغلق المجال أمام الإعلام، لكنها قلصت عمليا مصادر المعلومات غير الرسمية. والنتيجة كانت طبيعية: عندما تتراجع المعلومة الرسمية، تتقدم التخمينات.
وهذه الأسئلة، في حد ذاتها، تكشف نجاحا نسبيا في التحكم في جوهر المفاوضات، لكنها تكشف أيضا مخاطرة معروفة في إدارة الاتصال: إذا لم تنتج المؤسسة الرواية، فإن المجال العمومي سينتج رواياته الخاصة.
عندما ينتقل الضغط إلى معسكر الخصم
في هذه النقطة تحديدا، جاء خروج عبد اللطيف وهبي بتصريحات حادة حول تدبير ملفات ثقيلة خلال تجربة حكومة العدالة والتنمية في نسختها الثانية برئاسة سعد الدين العثماني، ليفتح جبهة سياسية وإعلامية جديدة.
فبدلا من استمرار التركيز على كل خطوة تقوم بها المنصوري في مشاوراتها، انتقل جزء كبير من النقاش إلى داخل العدالة والتنمية نفسه، وإلى تقييم تجربته الحكومية السابقة، وإلى العلاقة بين مرحلتي عبد الإله ابن كيران وسعد الدين العثماني.
ومن منظور التواصل السياسي، هذه نقطة مهمة: المعركة الإعلامية لا تُحسم دائما بكثرة التصريحات، وإنما أحيانا بنجاحك في تغيير الموضوع الذي يتحدث عنه الجميع.
فبنسعيد فتح مساحة أخرى للاشتباك السياسي، هذه المرة مع جمال العسري ممثل للتحالف اليسار في نقاش لم يلغ الخلاف بين الطرفين، لكنه نقل الاختلاف إلى فضاء الحوار السياسي المباشر.
وهبي في مواجهة مباشرة مع خصوم سياسيين، بنسعيد في النقاش مع اليسار، والمنصوري في قلب المشاورات والتفاوض.
وهذه ليست بالضرورة مصادفة في إدارة المشهد، بل يمكن قراءتها باعتبارها نموذجا للتواصل السياسي متعدد الواجهات، حيث لا يحمل شخص واحد كل الرسائل، ولا تتحول رئيسة الحكومة المعينة إلى طرف مباشر في كل مواجهة.
من أخطاء أخنوش إلى درس التواصل الحكومي
وهنا تبرز تجربة عزيز أخنوش باعتبارها حالة تستحق التأمل من الزاوية التواصلية. فقد ساهمت الكثير من الهفوات التواصلية خلال الولاية السابقة في توسيع المسافة بين الخطاب الحكومي والصورة التي تشكلت لدى جزء من الرأي العام عن الأداء الحكومي.
وإذا تركت المؤسسة هذه المساحة فارغة، فإن المعارضة والإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي سيملؤونها كل بطريقته.
المفارقة أن الحكومة المقبلة بدأت، عمليا، في بناء صورتها قبل أن تبدأ عملها، وهذا هو جوهر المسألة.
من هذه الزاوية، تبدو إستراتيجية المنصوري أقرب إلى محاولة بناء نظام تواصل سياسي مسبق، يقوم على الانفتاح عندما يكون الانفتاح مفيدا، وعلى التحفظ عندما تصبح المعلومة عبئا على المفاوضات، وعلى توزيع الأدوار عندما تفرض المواجهة نفسها.
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد تشكيل الحكومة
لكن كل ما سبق سيظل، في النهاية، مجرد مقدمة للاختبار الأصعب.
لن يكون كافيا أن تنجح رئيسة الحكومة في إدارة المشاورات أو في التحكم في إيقاع الأخبار. فالحكومة، بمجرد تنصيبها، ستحتاج إلى فريق حكومي قوي تواصليا وسياسيا، قادرا على الدفاع عن السياسات العمومية، وشرح القرارات، والرد على الانتقادات، واحتواء الأزمات، وتحويل الأرقام والبرامج إلى رسائل يفهمها المواطن.
لذلك، فإن التحدي المقبل أمام المنصوري لن يكون فقط من ستختار لحكومتها، وإنما من ستختار ليكون قادرا على الحديث باسمها والدفاع عنها عندما تبدأ المعركة الحقيقية.
وبذلك، فإن المعركة التي بدأت اليوم كمعركة تشكيل حكومة، قد تتحول غدا إلى معركة إدارة رواية الحكومة.
فالطيران قد يمهّد الطريق للمشاة، لكن المعركة الحقيقية تبدأ عندما ينزل المشاة إلى الأرض.
-مستشار في التواصل
المنصوري ومعركة التواصل Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة المنصوري ومعركة التواصل
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ المنصوري ومعركة التواصل قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، المنصوري ومعركة التواصل.
في الموقع ايضا :