وقد أعادت الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا منذ أسابيع، وما رافقها من مطالب بتحسين ظروف التمدرس، وتوفير الموارد البشرية والتجهيزات الضرورية، إلى الواجهة نقاشا يتجاوز حدود تدبير المؤسسات التعليمية، إلى مساءلة اختيارات السياسة التعليمية نفسها.
ولا يعني الجمع بين التجربتين أن المدرسة المغربية والفرنسية تواجهان الأزمة نفسها، أو أن الاحتجاج في فرنسا يعادل الاعتراض على بعض اختيارات الإصلاح بالمغرب. كلا، فلكل منظومة سياقها وإكراهاتها ومواردها، غير أن الحالتين تلتقيان عند إشكالية مركزية: إلى أي حد يمكن الحكم على نجاح السياسات التعليمية اعتمادًا على المؤشرات الكمية وحدها، في غياب تقييم أشمل يأخذ بعين الاعتبار شروط التمدرس، والإنصاف وتكافؤ الفرص، ومكانة الأستاذ في الإصلاح، ومدى ثقة المجتمع في المدرسة العمومية؟
الاحتجاجات الفرنسية .. أزمة المدرسة تتجاوز مسألة التمويل
وتتمحور المطالب حول قضايا تبدو، للوهلة الأولى، مرتبطة بالتدبير اليومي للمؤسسات، مثل: الخصاص في الأساتذة، وعدم تعويض الحصص الدراسية الضائعة، والاكتظاظ، وتدهور البنيات التحتية والتجهيزات، فضلا عن الانتقادات الموجهة إلى نظام الولوج إلى التعليم العالي وتنظيم الزمن المدرسي.
وقد رافقت هذه الاحتجاجات مواجهات مع قوات الأمن، وأعمال عنف وتخريب في بعض المدن، ما أثار بدوره نقاشا حول تدبير الاحتجاجات الطلابية، وحدود التدخل الأمني، ومن الضروري هنا التمييز بين مشروعية المطالب التربوية، التي تستحق المعالجة والحوار، وبين الأفعال العنيفة التي لا يمكن تبريرها، أيًّا كان الطرف المسؤول عنها.
وهو معطى يطرح سؤالا لا يتعلق بحجم الموارد وحده، وإنما أيضا بكيفية توزيعها وتدبيرها، ومدى انعكاسها على ظروف التمدرس، وجودة التعلمات. فالاعتمادات المالية، مهما بلغت أهميتها، لا تتحول تلقائيا إلى حصص دراسية منتظمة، أو أقسام أقل اكتظاظا، أو تجهيزات تستجيب للحاجيات الفعلية للمؤسسات. وبين الميزانية المعلنة وما يلمسه التلميذ داخل القسم، توجد سلسلة من الاختيارات التنظيمية والتدبيرية التي قد تعزز فعالية الإنفاق أو تحد من أثره.
هنا تستعيد التحليلات السوسيولوجية لـ: بيير بورديو (Pierre Bourdieu) ، وجان كلود باسرون (Jean- Claude Passeron) حول إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية من خلال المدرسة راهنيتها، كما تكتسب أطروحات فرانسوا دوبيه (François Dubet) بشأن العدالة المدرسية أهمية خاصة. فالمدرسة قد تضمن الولوج الشكلي إلى التعليم، لكنها لا توفر بالضرورة شروطا متكافئة للنجاح، عندما يدخل المتعلمون إليها وهم يحملون تفاوتات اجتماعية وثقافية واقتصادية عميقة. [4]
إذا كانت الاحتجاجات الفرنسية قد سلطت الضوء على شروط التمدرس، فإن نتائج البرنامج الدولي لتقييم التلاميذ«PISA 2025»، المنشورة في 8 شتنبر2026، أعادت النقاش بالمغرب إلى مستوى التعلمات الأساسية ومردودية المنظومة التربوية.
فوفق نتائج التقييم، لم يتمكن من بلوغ المستوى الثاني على الأقل سوى نحو: 13 في المائة من التلاميذ المغاربة في القراءة، و16 في المائة في الرياضيات، و23 في المائة في العلوم. كما بلغت نسبة التلاميذ الذين يوجدون دون هذا المستوى في المجالات الثلاثة مجتمعة: 73.2 في المائة. [5]
وإذا كانت هذه النتائج تبرر القلق بشأن جودة التعلمات، فإن التعامل معها يقتضي قدرا من الحذر المنهجي، فقد شارك المغرب في دورة 2025 بعينة ضمت 6978 تلميذا، ينتمون إلى 179 مؤسسة تعليمية. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن عدد التلاميذ المؤهلين لاجتياز التقييم ارتفع بأكثر من 30 في المائة بين سنتي 2018 و2025، ارتباطا بتوسع التمدرس في صفوف فئات كانت أقل استفادة من التعليم الثانوي. [6]
لكن هذا التفسير، على أهميته، لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للتقليل من حجم التعثرات القائمة، فالتوسع في التمدرس يظل محدود الأثر إذا لم ترافقه قدرة حقيقية على ضمان التعلمات الأساسية. والواقع أن الإشكال المغربي لم يعد محصورا في إدماج الأطفال داخل المؤسسات التعليمية، وإنما أصبح يرتبط، بصورة أكثر إلحاحا، بما يتعلمونه فعليا خلال سنوات الدراسة.
الفضاء الفرنكفوني: أزمات مختلفة وأسئلة مشتركة
لم تبق الاحتجاجات المرتبطة بالتعليم محصورة في فرنسا، فقد شهدت مدينة لييج (Liège) البلجيكية، يوم 7 أكتوبر2026، احتجاجات تلاميذية وطلابية على خلفية تكاليف التعليم وشروط الدراسة وبعض الاختيارات المرتبطة بالسياسات التعليمية. ورغم تأثر بعض هذه الاحتجاجات بما يجري في فرنسا، فإن لكل حالة أسبابها المباشرة وخصوصياتها المؤسساتية والسياسية. [13]
وفي هذا الصدد، يقدم تقرير«PASEC 2019»، الذي شمل 14 بلدا إفريقيا ونُشرت نتائجه سنة: 2020، معطيات مهمة حول مستويات التعلمات في القراءة والرياضيات، وعلاقة هذه النتائج بخصائص المؤسسات التعليمية ومعارف المدرسين وكفاياتهم. [14]
كما تبرز المسألة اللغوية، بوصفها أحد الأبعاد التي لا يمكن إغفالها عند تحليل التعثرات المدرسية، فقد نبهت اليونسكو، في توجيهاتها المتعلقة بالتعليم متعدد اللغات الصادرة سنة: 2025، إلى أن نحو 40 في المائة من سكان العالم لا يستفيدون من تعليم بلغة يتحدثونها ويفهمونها بطلاقة. [15]
وتزداد هذه المسألة أهمية في السياق المغربي، بالنظر إلى التعدد اللغوي الذي يميز المجتمع والمدرسة، وإلى التحديات المرتبطة بالانتقال اللغوي بين الأسلاك التعليمية.
وهذه المعطيات تذكر بأن نجاح السياسات التعليمية لا يمكن فصله عن الاستثمار في العنصر البشري، وضمان شروط ممارسة المهنة، مهما بلغت أهمية الابتكارات البيداغوجية والتكنولوجية.
ففي فرنسا، لا يكفي رفع الاعتمادات المالية ما لم ينعكس ذلك على انتظام الدراسة وجودة التجهيزات وتقليص التفاوتات بين المؤسسات. وفي المغرب، لا يكفي الإعلان عن تحسن نتائج التقويمات، أو اتساع دائرة مؤسسات الريادة، ما لم يثبت الإصلاح قدرته على ضمان تعلمات مستدامة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين شروط العمل داخل المؤسسات.
ففي الحالة المغربية، ينبغي أن تشمل عملية التقييم تطور مكتسبات المتعلمين بحسب مستوياتهم الأولية، والوسطين القروي والحضري، والفوارق الاجتماعية، مع تتبع نتائجهم خلال السنوات اللاحقة وعند الانتقال بين الأسلاك.
ومن الأهمية بمكان أن تشمل عملية التقييم أيضًا آراء الأساتذة والمفتشين التربويين ومديري المؤسسات، باعتبارهم فاعلين يمتلكون معرفة مباشرة بالصعوبات اليومية التي تواجه تنزيل البرامج. ولا ينبغي أن يظل إشراكهم مقتصرًا على مرحلة التنفيذ، وإنما يجب أن يمتد إلى تشخيص الاختلالات، وتقييم الممارسات، واقتراح التعديلات الضرورية.
ويقتضي الأمر، كذلك، التمييز بين ثلاثة مستويات غالبًا ما يقع الخلط بينها في الخطاب المرتبط بالإصلاح: مستوى تنفيذ البرنامج، الذي يمكن قياسه بعدد المؤسسات المستفيدة والأنشطة المنجزة؛ ومستوى النتائج المباشرة، الذي يظهر في تطور مكتسبات المتعلمين؛ ومستوى الأثر البعيد، الذي يتعلق باستدامة التعلمات وتقليص الفوارق وتحسين المسارات الدراسية.
وإذا كان من المشروع أن تستند الوزارة الوصية إلى النتائج المشجعة للدفاع عن اختياراتها، فمن المشروع بالقدر نفسه أن يطالب الفاعلون التربويون والباحثون بمزيد من التوضيح والشفافية والتقييم المستقل.
وما تحتاجه المدرسة المغربية اليوم ليس اصطفافًا بين خطاب يعلن نجاح الإصلاح بصورة نهائية وخطاب مضاد ينفي عنه كل جدوى، وإنما نقاشًا تربويًا رصينًا يعترف بالمكتسبات، ويفحص حدودها، ويسائل كلفة الاختيارات ونتائجها على المدى المتوسط والبعيد.
من إصلاح المؤشرات إلى إصلاح العلاقة بالمدرسة
وتظل نتائج التقويم ضرورية لتشخيص التعثرات، وقياس فعالية التدخلات التربوية، لكنها لا تستوعب وحدها جميع أبعاد جودة المدرسة. فقد تتحسن نتائج المتعلمين في اختبارات محددة، دون أن يعني ذلك بالضرورة تحسنًا مماثلًا في جميع الكفايات أو في شروط التمدرس. وقد تتوسع البرامج الإصلاحية بوتيرة سريعة، بينما تظل بعض المؤسسات عاجزة عن الاستفادة منها بالشروط نفسها.
من هنا، فإن استعادة الثقة في المدرسة العمومية تقتضي تجاوز التعامل مع الإصلاح باعتباره سلسلة من المشاريع المتعاقبة، ذات آجال ومؤشرات منفصلة، نحو بناء سياسة تعليمية منسجمة، تتكامل فيها الجودة والإنصاف والموارد البشرية والحكامة والتقييم.
فالأستاذ الذي يُطلب منه إنجاح الإصلاح يحتاج إلى الثقة في خبرته، مثلما يحتاج إلى التكوين والمواكبة والمساءلة. والمتعلم الذي يُحتفى بتحسن نتائجه يحتاج، قبل ذلك وبعده، إلى مدرسة تضمن له تعلما حقيقيا وفرصا منصفة للنجاح. أما الأسرة، التي تتابع، عن قرب، أثر السياسات التعليمية على مستقبل أبنائها، فلا تنتظر من المدرسة مؤشرات مطمئنة فحسب، وإنما تنتظر أن تجد في تلك المؤشرات ما ينعكس فعلا على مستوى التعلمات وجودة التمدرس.
فالمدرسة التي تنجح في تحسين نقط الاختبارات تحقق مكسبا مهما، أما المدرسة التي تنجح في ضمان التعلم والإنصاف واستعادة ثقة المجتمع، فهي التي تحقق المعنى الحقيقي للإصلاح.
بيبلوغرافيا
[2] OECD، Education at a Glance 2025: France، قسم «Financial resources».
[3] OECD، PISA 2025 Results (Volume I): France. 8 septembre 2026.
[5] OECD، PISA 2025 Results (Volume I): Morocco، 8 شتنبر 2026، بيانات الأداء وعتبة المستوى الثاني؛ وانظر مؤشرات Education GPS.
[7] Banerjee et al.، «From Proof of Concept to Scalable Policies»، Journal of Economic Perspectives، 31(4)، 2017، ص 73–102؛ Barak Rosenshine، «Principles of Instruction»، American Educator، 2012.
[9] المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الهيئة الوطنية للتقييم، التقييم الخارجي للمرحلة التجريبية لمشروع المدارس الرائدة، يونيو 2025.
[11] Andy Hargreaves & Michael Fullan، Professional Capital: Transforming Teaching in Every School، Teachers College Press، 2012.
[13] Reuters، تغطية الاحتجاجات التعليمية ببلجيكا وفرنسا، 7–8 أكتوبر 2026؛ ينظر كذلك إلى التقرير الخاص باستمرار احتجاجات التلاميذ الفرنسيين.
[15] UNESCO، Languages Matter: Global Guidance on Multilingual Education، 2025؛ UNESCO، Global Report on Teachers، 2024
أزمة المدرسة Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
مشاهدة أزمة المدرسة
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أزمة المدرسة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على هسبريس ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أزمة المدرسة.
في الموقع ايضا :
- وزارة الاقتصاد الألمانية: الوزيرة كاثيرينا رايخه علقت في الرياض إثر هجوم استهدف المطار مما اضطرها الى البقاء في العاصمة السعودية حتى الثلاثاء عاجل
- هيئة التجارة البحرية البريطانية: طائرة مسيرة نفذت هجوما على ناقلة نفط قرب مرسى صحار في سلطنة عمان عاجل
- Fête nationale espagnole en Tunisie: un partenariat stratégique au-delà de la géographie et des messages de solidarité avec la Palestine