yemenat
يمنات
حسين السياب*
من الصعب أن تكتب عن نصوصٍ تشبه أصحابها، وعن شعرٍ لا يُكتب بالحبر، وإنما بما تبقّى من ذاكرة حين تنطفئ المصابيح، وبما ينجو من القلب بعد مرور الكثير من الشجن عليه.
ومن الصعب أيضاً أن تكتب عن شاعرةٍ تعرفها خارج النص؛ في شوارع بغداد، في ضحكةٍ عابرة، وفي لحظاتٍ كان فيها الشعر أقل من أن يُقال وأكثر من أن يُحتمل.
أنسام جعفر الدباس اسمٌ يُستعاد أكثر مما يُقدَّم. هي من أولئك الذين يكتبون الشعر بوصفه شكلاً من أشكال النجاة؛ نجاة هشّة، جميلة، ومرهقة في آن. في هذه المجموعة، نصغي إلى طبقات صوتية متراكبة:
صوت الذاكرة، صوت الفقد، صوت الحب حين يتكسّر، وصوت الذات وهي تحاول أن تُعيد تسمية العالم من جديد. ولهذا يأتي النداء المبكر:
“أيها العالم… كأن كل الشجعان ماتوا”
كإعلان عن عالم مكسور بإنسانيته، لا يُعاد بناؤه إلا باللغة. عنوان المجموعة (بِكَ أَنجُو.. لكنْ لا شَيءَ يَبقى)، يقدّم مفتاحاً دلالياً عميقاً يقوم على مفارقةٍ وجودية بين النجاة والتحول، فــ “بِكَ أَنجُو” تبدو للوهلة الأولى إعلاناً عن خلاصٍ يتحقق عبر الآخر، كأن وجوده يصبح ملاذاً للذات، ونافذةً تعبر منها إلى النجاة من عتمةٍ داخلية أو من ثقل العالم.
غير أن الاستدراك في “لكنْ لا شَيءَ يَبقى” يقلب هذا المعنى من اليقين إلى القلق؛ إذ لا تمنح النجاة نفسها ضماناً للأستمرار. فالآخر الذي ننجو به قد يكون هو ذاته جزءاً من هشاشة هذه النجاة، وما يبدو خلاصاً مؤقتاً قد ينتهي إلى التحليق أو الغياب.
بهذا المعنى، لا يُحيل العنوان إلى نجاةٍ مكتملة، بل إلى نجاةٍ مؤجلة ومهددة بالسقوط؛ نجاةٍ تعرف منذ لحظتها الأولى أن الأشياء، مهما بلغت من الحضور والحميمية، محكومةٌ بالتحوّل و ربما الزوال.
وتنبني دلالة العنوان على مفارقة واضحة: (بِكَ) تمنح الذات سبباً للحياة والاحتمال، بينما (لا شَيءَ يَبقى) تستعيد أمامها حقيقة التغير والأنقلاب. وبينهما تتحرك التجربة الشعرية للمجموعة، حيث يصبح الحبّ ملاذًا، لكنه ليس ملاذًا أبدياً، ويصبح الحضور أكثر كثافةً لأنه محكومٌ بالغياب.
لذلك يمكن قراءة العنوان بوصفه خلاصةً شعرية لتجربة إنسانية تتأرجح بين الرغبة في التشبث بما ينقذنا، والوعي العميق بأن كل ما نحبّه قابلٌ للرحيل. فالنجاة هنا ليست انتصاراً على الفقد، وإنما وعيٌ به ومحاولةٌ للعبور من خلاله.
“يدك كل بلادي” “أنت هويتي”
حيث لا يعود الآخر مكمّلاً، وإنما يصبح بديلاً عن العالم كله.
إذا أردنا الإمساك بالمفاتيح المركزية لهذه التجربة، فإن أربع قصائد تشكّل بنيتها العميقة:
1– رسائل الفراشات: مفتاح الحياة الإنسانية وروحها
في هذه القصيدة تتجلى العلاقة بوصفها حالة عدم استقرار دائم. الفراشات، بما تحمله من خفة وجمال، تقابلها هشاشتها وانكسارها الممكن، وهذا التوتر ينعكس على طبيعة العلاقة نفسها. تقول:
“وعد قديم في الحرب… وكل الخسارات التي لا تتغير”
فنحن أمام علاقة تُبنى داخل سياق الحياة بإنسانيتها، لا خارجه. الوعد هنا يحمل ذاكرة خسارة متكررة. يتحوّل “الأنت” إلى حارس للفقد، وكأن العلاقة لا تحمي من الانكسار، بل تنظّمه وتعيد إنتاجه. وهذا ما يجعل الحب في هذه القصيدة اختباراً دائماً للقدرة على الاحتمال.
2– مدن بـ(لا) بيضاء: مفتاح الوعي بالإرادة
هذه القصيدة تمثّل لحظة وعي حادّة، حيث تنكشف الذات على حقيقتها بعد زوال الأوهام.
“أنا الآن كل الغياب”
جملة تعيد تعريف الذات بنفسها. فلم تعد تعيش الفقد، بل أصبحت هي الارادة الحرة. المدن هنا حالات شعورية معتمة، تمتزج بالنقاء، مشوبة بذاكرة الحرب والانكسار. البياض المنفي في العنوان (بلا بيضاء) يشير إلى غياب السقوط، إلى عالم يجب أن يتجلى بقدرته على البداية من جديد. إنها قصيدة تُعلن أن ما تبقى ليس ما نملك، بل واقعيتنا.
3– مقهى آخر الطريق: مفتاح المكان والذاكرة
في هذه القصيدة يتحول المكان إلى كائن حيّ، يتنفس ويشارك في تشكيل التجربة.
“الشاي في مقهى أم كلثوم يشربني قبل أن أشربه”
هنا تنقلب العلاقة بين الذات والشيء؛ لم تعد الشاعرة هي الفاعل، وإنما تصبح موضوعاً لفعل الذاكرة.
التفاصيل اليومية: “شارع الرشيد”، “كراسي الخشب”، “المذياع” تخرج من سياقها العادي وتتحول إلى حوامل لذاكرة جماعية، تختزن تاريخاً من الحنين والأيام السابقة. بغداد في هذه القصيدة حالة شعورية مركبة: أمّ، حبيبة، جرح، ومرآة للذات في آن. المكان هنا يُكتب من الداخل، من التجربة، لا من الوصف.
4– أنا هي ــ أنت: مفتاح الذوبان الوجودي
تمثّل هذه القصيدة ذروة التماهي بين الذات والآخر.
“أنا هي أنت… لكن بروحين يفصلهما محيط غريب”
هذا التوتر بين الاتحاد والانفصال هو جوهر التجربة. هناك رغبة كاملة في الذوبان، يقابلها وعي حاد بالمسافة. المحيط هنا وجودي: مسافة لا تُختصر مهما اقتربت الذات من الآخر. الحب في هذا السياق يصبح محاولة مستمرة لإلغاء هذه المسافة، مع إدراك استحالة ذلك. وهنا تكمن مأساة النص وجماله معاً. من خلال هذه المفاتيح، تتضح البنية العميقة للمجموعة.
“الأنت” كيان متحوّل: حبيب، وطن، ذاكرة، حرب. مركز جاذبية عاطفي تعيد اللغة تشكيل نفسها حوله، فتفقد توازنها أحياناً، وتتوتر، وتتشظى، لكنها تظل صادقة ومستمرة. اللغة في هذه النصوص حالة شعورية قائمة بذاتها. هي لغة مشحونة، متوترة، تتقدم أحياناً بالتكرار، وأحياناً بالانقطاع، وكأنها تحاكي اضطراب التجربة نفسها. التكرار: “وأنسى… وأنسى… وأنسى…” ليس زخرفة، بل إيقاع ذاكرة عاجزة عن الحسم، تدور في دائرتها الخاصة. ورغم الغنائية الظاهرة، فإن البنية الداخلية للنصوص تقوم على الحياة وماهيتها. القصائد تُكتب من المسافة التي يتركها الغياب:
“ليس أنت… فقط صوتك”
فيتحول الصوت إلى آخر ما يمكن التمسك به، كأثرٍ لا يُرى، لكنه يُسمع ويُعاش. وبين الحب والفقد تقف بغداد، ككائن حيّ يشارك في تشكيل المعنى. مدينة تتحول إلى ذاكرة تمشي، وإلى جرح جميل يخاف أن يلتئم، لأن التئامه يعني فقدان دلالته.
ثنائية الحب والحرب تحضر هنا كتجربة داخلية: تشظّي، ارتباك، فقدان، يقين. الحب لا يقدّم خلاصاً، وإنما يمنح شكلاً أكثر رهافة للألم:
“الحب وخزات خوف تُباغت الساعات”.
ما يميّز هذه الكتابة أنها لا تُجمّل الألم، ولا تحوّله إلى بطولة. تتركه كما هو: خاماً، دافئاً، ومربكاً… وهذا ما يمنحها صدقها وقوتها. هذه تجربة شعرية تعتمد التدفق العاطفي، لكنها تخلق نظامها الخاص من الداخل؛ موسيقاها ليست خارجية، تنبع من تكرار الإحساس، ومن تعثر الجملة، ومن انكسار المعنى. نصوص لا تدّعي الاكتمال. كل قصيدة تترك فراغاً، مساحة للقارئ، ومساحة لما لم يُقل:
“لا أقوى على ترجمته”
هذه كتابة من يحب وهو يعرف أن الحب لا ينقذه، لكنه يخفف برده. ومن يتذكر وهو يدرك أن الذاكرة لا تصدق دائماً، لكنها ما تبقى من الحقيقة.
حين تُغلق هذه الصفحات، لا يخرج القارئ من عالم الشاعرة، يبقى فيه. يبقى عالقاً بين صوتٍ وذاكرة، بين مدينةٍ وقلب، بين حضورٍ غائب وغيابٍ حاضر.
(بِكَ أَنجُو.. لكنْ لا شَيءَ يَبقى) تجربة في التعلّق بما يرفعنا ويكسرنا في آن. أنسام جعفر الدباس لا تكتب الشعر فقط، تترك أثره. كأن الشعر في النهاية، ما يبقى محفوراً في الروح.
* شاعر وإعلامي عراقي
yemenat
مشاهدة بين النجاة والفقد أنطولوجيا الحب والذاكرة في مجموعة ب ك أ نجو لكن لا
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ بين النجاة والفقد أنطولوجيا الحب والذاكرة في مجموعة ب ك أ نجو لكن لا شيء يبقى للشاعرة أنسام جعفر الدباس قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، بين النجاة والفقد: أنطولوجيا الحب والذاكرة في مجموعة (بِكَ أَنجو.. لكنْ لا شيء يبقى) للشاعرة أنسام جعفر الدباس.
في الموقع ايضا :
- وزارة الصحة اليمنية: استشهاد مواطن واصابة 5 آخرين إثر قصف سعودي على مديرية همدان شمالي غرب صنعاء عاجل
- (الموت لأمريكا).. تقرير يكشف كواليس التفاهمات الحوثية الأمريكية السرية والعلنية من 2009 إلى سبتمر 2026
- هيئة الطيران المدني السعودية: مقتل شخص وإصابة 11 في هجوم يوم الأحد على مطار الملك خالد الدولي في الرياض عاجل