حين غاب الهمة ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (صوت المغرب) -

قد لا يكون أهم ما حدث في استقبال الملك محمد السادس، أول أمس الأربعاء، لفاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة الجديدة، هو ما جاء في البلاغ الرسمي، بقدر ما يكون في الصورة نفسها، وفي توقيتها، وفي الشخص الذي لم يكن فيها.

البلاغ قال إن المنصوري أطلعت الملك على مختلف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة، وإن الملك تمنى لها التوفيق والنجاح، ونبه إلى ما تتطلبه المرحلة المقبلة من تعبئة شاملة وأداء حكومي جاد ومسؤول، قبل أن يختم بوضع الاستقبال صراحة في إطار “الصلاحيات الدستورية الموكولة لجلالته” وحرصه على “ضمان حسن سير المؤسسات الدستورية”، كأن الجملة كلها، بصورتها وبلاغها تكذيب لروايات فرنسية توصّلت “لوموند” ترويجها.

السياسة لا تعيش دائما في ظاهر الصور. وفي المغرب تحديدا، حيث يمكن لحضور شخص أو غيابه عن صورة رسمية أن يفتح بابا واسعا للتأويل، يصعب فصل هذا الاستقبال عن سياقه القريب جدا. فقبل يومين فقط من ذلك الاستقبال، كانت صحيفة “لوموند” تنشر تقريرا طويلا عن فؤاد عالي الهمة، مؤسس حزب الأصالة والمعاصرة ومستشار الملك، وتعتبر أن وصول الحزب الذي أسسه سنة 2008 إلى قيادة الحكومة تحت رئاسة فاطمة الزهراء المنصوري يشكل، في حد ذاته، تكريسا جديدا لمكانته داخل دوائر السلطة.

أكثر من ذلك، وفي الوقت الذي كان فيه مقال آخر لمجلة “جون أفريك” المقربة من السلطات هنا يروّج لتعدّد الوجوه واختلاف البروفايلات في محيط المنصوري؛ ذهبت “لوموند” إلى أن الرجل يقترب، بهذا التطور، من “استكمال المهمة” التي ربطتها بتأسيس الحزب، أي إيصال تنظيم قريب من القصر إلى قيادة الحكومة بعد مسار امتد نحو عقدين.

يمكن أن نختلف مع هذا التوصيف، بل وينبغي أن نفعل حين تنتقل الصحافة الأجنبية من سرد الوقائع إلى بناء استنتاجات كبرى حول من يحكم ومن يقرر ومن يصنع الأحزاب والحكومات. لكن لا يمكن أيضا تجاهل أثر مثل هذه الروايات حين تصبح متداولة خارج المغرب وداخله، خصوصا عندما يتعلق الأمر بشخصية من وزن فؤاد عالي الهمة، الذي لا يحتاج أحد إلى اختراع أهميته أو قربه من الملك. فعلاقتهما قديمة، وتعود إلى أيام المدرسة المولوية، ومساره داخل الدولة والحزب والقصر معروف، كما أن ال”بام” نفسه وُلد في مرحلة كان الهمة في قلبها، قبل أن يغادره مع احتجاجات 2011 ويلتحق بعد ذلك بهيئة مستشاري الملك.

لكل هذا تصبح صورة الأربعاء أهم من مضمونها الظاهر. فاطمة الزهراء المنصوري لم تدخل القصر هذه المرة بصفتها منسقة لحزب أسسه الهمة، ولا بصفتها زعيمة سياسية صعدت داخل شبكة علاقات حزبية معقدة، ولا حتى باعتبارها أول امرأة تصل إلى رئاسة الحكومة. بل دخلت بصفتها الدستورية كرئيسة حكومة مكلفة بتشكيل الحكومة.

والملك لم يظهر إلى جانب وسيط سياسي أو مستشار يشرح أو يرتب أو يصاحب، بل استقبلها مباشرة، على انفراد، واستمع منها مباشرة إلى ما قطعته من مراحل، ثم صدر بلاغ يذكّر، بصورة تكاد تكون مقصودة في وضوحها، بأن الأمر يتعلق بالصلاحيات الدستورية للملك وحسن سير المؤسسات.

هنا أميل إلى قراءة صديقي مراد بورجى، الذي لفت الانتباه إلى أن دلالة المشهد قد تكون في غياب الهمة أكثر مما هي في حضور المنصوري. ليس لأن كل غياب هو رسالة بالضرورة، ولا لأننا نملك محضرا لما دار داخل القصر حتى نجزم بنية سياسية محددة، بل لأن السياق يجعل من الصعب التعامل مع الصورة كأنها معزولة عما قيل قبلها بأيام عن “رجل الظل” الذي يقف وراء صعود الحزب والحكومة.

التقرير الذي نشرته مجلة “جون أفريك” الأسبوع الماضي حول شبكة المنصوري، يقدم صورة أكثر تعقيدا من الأسطورة المريحة التي تختزل الحزب والحكومة في شخص واحد. التقرير يقول إن حول المنصوري اليوم دائرة متعددة من المقربين والاستراتيجيين وأصحاب مراكز القوة، لا رجل واحد اسمه ُواد عالي الهمة.

وتأتي “جون أفريك” على ذكر محمد المهدي بنسعيد، وسمير كودار، وأحمد أخشيشن، ومحمد حموتي، وفوزي لقجع، وعبد اللطيف وهبي وغيرهم. بعضهم مرتبط بتاريخ الحزب الأول، وبعضهم جاء لاحقا، وبعضهم يملك شبكته الخاصة ولا يمكن وصفه بأنه تابع لرئيسة الحكومة. أي أن ال”بام” نفسه لم يعد ذلك الحزب البسيط الذي يمكن رسم خط مستقيم بين مؤسسه وقراراته الحالية.

لا ينفي كل ذلك مكانة الهمة، ولا معنى القرب الذي يربطه بالملك، ولا تأثيره المحتمل في الحياة العامة. لكن المشكلة أن جزءا من الخطاب السياسي والإعلامي، خصوصا الخارجي، يحب دائما القصة الأبسط، ويلخّص كل شيء في ملك غائب، ومستشار قوي، وحكومة تُصنع في مكان آخر.

في المقابل، لا ينبغي أن نقع في الخطأ المعاكس، فنحوّل صورة استقبال واحدة إلى شهادة نهائية بأن كل شيء يجري وفق نموذج مؤسساتي مثالي. المؤسسات لا تُقاس بصورة ولا ببلاغ، مثلما لا تُختزل السلطة في اسم رجل واحد. والسؤال الحقيقي هو كيف يجري توزيع القرار فعليا، وكيف تمارس الحكومة صلاحياتها، وكيف يتحمل الوزراء مسؤولياتهم، وكيف يحاسب البرلمان السلطة التنفيذية؟

لكن الرموز تظل مهمة، خصوصا حين تأتي في لحظة امتلأت فيها الساحة بتأويلات مضادة. قبل أيام، كتبتُ عن «مسافة الملك» من مشاورات تشكيل الحكومة، واعتبرت أن المؤسسة الملكية بدت حريصة على ألا تقدم أية إشارة يمكن أن تُستعمل لترجيح تحالف أو فرض صيغة بعينها. وقد انتهت المشاورات فعلا إلى أغلبية أعلنتها الأحزاب الأربعة بنفسها، قبل أن تأتي المنصوري إلى الملك بعد اكتمال هذا المسار لإطلاعه على ما جرى.

لو كانت الحكومة تصنع فعلا خارج المؤسسات الحزبية والدستورية بالطريقة التي تقترحها بعض القراءات، فلماذا تركت المشاورات مفتوحة؟ ولماذا ظهرت خلافات حقيقية بين الأحزاب؟ ولماذا احتاجت المنصوري إلى أيام من التفاوض قبل إعلان أغلبيتها؟ ولماذا جاء استقبال الملك بعد ذلك، لا قبله، ليطلع على المراحل التي قطعها المسار؟

لهذا لا نحتاج إلى تحويل المشهد إلى “رد” ملكي مباشر على أحد. يكفي أنه يعيد الأشياء إلى أسمائها. فؤاد عالي الهمة شخصية وازنة، ومستشار مقرب من الملك، ومؤسس حزب وصل اليوم إلى قيادة الحكومة. كل هذا صحيح ومهم. لكن فاطمة الزهراء المنصوري هي رئيسة الحكومة المكلفة، والملك هو الذي عيّنها بموجب الفصل 47، وهي التي تفاوضت مع الأحزاب، وهي التي حملت ملفها إلى القصر، وهي التي أطلعت الملك على ما وصلت إليه.

أما الهمة، حسب هذه الصورة على الأقل، كان حيث يضعه الدستور لا حيث تضعه الأساطير الفرنسية، أي مستشارا ملكيا، وفقط.

حين غاب الهمة صوت المغرب.

مشاهدة حين غاب الهمة

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ حين غاب الهمة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، حين غاب الهمة.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار