أشعر بالبرد ...اليمن

اخبار عربية بواسطة : (موقع يمنات الأخباري) -

yemenat

يمنات

حسن بارين

أشعر بقليل من البرد في الخارج، وفي داخلي نشوة غريبة لأنني نجحت في اجتياز عام آخر بسلام.

تتسلل أشعة الشمس بخجل من بين الغيوم الداكنة، كأنها تقول: «أنا هنا»، وتداعب الريح بشرتي برفق، مبشّرةً بالمطر الذي يقول: «سأصل بعد قليل».

وما إن تسقط أول قطرة من المطر على طرف أنفي حتى أشعر بدغدغة لطيفة!

وفي لمح البصر، تتكوّن بركة صغيرة بحجم قطرة فوق النتوء الصغير في الجانب الأيسر من أنفي، ثم تتكوّن بجانبها بركة صغيرة أخرى، فيزيدني ذلك مرحًا.

يسعدني أنني وجدت رفيقين ينهيان وحدتي العابرة.

ومن فرط حماسي، أقول بصوت يسمعه الشخص الواقف بجانبي: «إصابة في الهدف! بل اثنتان من اثنتين!»

أما قطرات المطر التي لم تصب أنفي، فأراها أولًا على مستوى عيني، ثم أراها على الأرض.

وألاحظ أن البرك التي تتكوّن على الأرض أكبر من تلك الموجودة على أنفي.

أتذكر الأطفال الذين كانوا يمسكون بأيدي بعضهم بعضًا في ساحة المدرسة، عندما كنت معلّمًا، ويقفزون أمامي من بركة ماء إلى أخرى وهم يهتفون: «هيااا!» وأتذكر كيف كنت أحذّرهم من ذلك.

أقول لنفسي: «ولماذا لا أفعل ذلك أنا أيضًا، حتى لو لم يكن لديّ صديق أمسك بيده؟»

«ثم إنه لا يوجد حولي معلّم يقول لي: لا تفعل هذا، أو يحاول منعي».

أنظر حولي وأختار أكبر بركة.

وبعد أن أتأكد للمرة الأخيرة من عدم وجود أحد قد يقول: «كان مجنونًا أصلًا، لكنه ازداد جنونًا الآن!»، أمدّ ذراعيّ إلى الجانبين، كأن أحدًا يمسك بيدي، ثم أركض وأندفع بكل جسدي فوق البركة، ضاربًا الماء بقدميّ بقوة.

وأشعر بالامتنان لأن النتوءين الصغيرين في أنفي ساعداني على ذلك، ولا أنسى أن أشكرهما.

ومن دون أن أتحقق من وجود معلّم أو شخص قد يفتح فمه ليعلّق، أواصل تسديد ركلاتي كيفما اتفق إلى شباك الحياة المتشابكة، مرة بعد أخرى!

وفي كل مرة، تنطلق مني الضحكة نفسها؛ ضحكة طفل تخرج من فم رجل تقدّم به العمر، ضحكة حمقاء بعض الشيء!

وبعد أن أقول لنفسي: «أنت رجل كبير، كفى!»، أنظر إلى سروالي على وجه الخصوص؛ فأجده مبتلًّا تمامًا، وقد أفسدتُه!

تشتد الريح وتحاول أن تجعلني أشعر بالبرد بسبب البلل الذي يغمر جسدي، لكنني لا أشعر بالبرد إطلاقًا.

أسأل نفسي: «لقد وجدت بركة ماء صغيرة، فوجدت نفسك الحقيقية. ماذا كنت ستفعل لو تساقط الثلج؟»

«لصنعت رجل ثلج، ووضعت جزرة مكان أنفه!»

«لكنّك لم تكن لتستخدم تلك الجزرة لأنف رجل الثلج»، أتابع حديثي مع نفسي، مُرضيًا غرور روحي المشاكسة التي لا أمل في إصلاحها. ثم أطلق ضحكة أخرى عالية، حمقاء!

أنسى البرد؛ فضحكتي الأخيرة تدفئ جسدي بطريقة غريبة.

أفكر في سبب هذا الشعور الغريب. بالطبع، لأنني شبعت، ولأن لديّ منزلًا يحميني من الحر والبرد، وسيدفئني بعد قليل!

أقول: «يكفي هذا المرح»، وأتجه إلى منزلي الدافئ.

وفجأة، فجأة…

توقظ فكرة المنزل في ذهني خواطر تغيّر حالتي النفسية.

وفجأة، تخطر ببالي صورة طفل في غزة لم يتجاوز عمره شهرًا واحدًا، حتى إنك لتشعر من الصورة وحدها بأن وزنه يثقل ذراعي أبيه كأنه يزن طنًا. ثم أتذكر طفلًا آخر لم يتجاوز عمره شهرين، داخل كفن صغير، وأنا على يقين من أن هذا الكفن الصغير كان ثقيلًا حتى على لوح الغسل الكبير الذي وضعوه عليه.

أتذكر الخيام التي غمرتها مياه السيول، والرياح التي تعبث بها وتقذفها في كل اتجاه، فيما تستعد أجساد أصغر من ذلك لتأخذ مكانها في أكفان صغيرة فوق ألواح الغسل الكبيرة.

لم أعد أسمع صوت المطر الرومانسي، بل أسمع كلمات أب داخل خيمة غارقة في الوحل:

«عندما ذهبنا إلى النوم مساءً، كان الوضع قد أصبح هكذا. لولا أننا استيقظنا، لربما غرقنا. كل مكان على هذا الحال. إلى أين نذهب بأطفالنا؟»

فجأة، أبدأ بالشعور بالبرد.

أقترب من باب المنزل وأتوقف. ترتجف يداي الباردتان، وأعجز عن إدخال المفتاح في القفل، ثم أخرّ في مكاني.

وأجد نفسي عالقًا في تساؤل فلسفي أحمق: هل يتحقق التوازن في العالم حين يفرح بعض الناس بالظواهر الطبيعية نفسها، بينما يحزن آخرون لا يكترث أحد لأمرهم؟

أوجّه إلى نفسي عبارة قاسية ألومها فيها:

«قبل قليل فقط، كنت أنت أيضًا واحدًا من أولئك الذين لا يكترثون بالآخرين».

تصيبني هذه العبارة في مقتل. ولا أستطيع تحمّل وقعها ولا شدّة الصراع بين حالتين نفسيتين مختلفتين تتصارعان في قلبي، فتنساب الدموع من عينيّ.

كل قطرات المطر التي تساقطت على جسدي، وكل الماء الذي خضت فيه وأنا أقفز، لم تستطع أن تفعل ما فعلته قطرتا الدموع اللتان مرّتا بمحاذاة قطرتي المطر اللتين لا تزالان على أنفي.

أشعر بالبرد، أشعر بالبرد!

* مدير وكالة بارين التركية

yemenat

مشاهدة أشعر بالبرد

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ أشعر بالبرد قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، أشعر بالبرد.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار