من هو المثقف؟ ...اليمن

اخبار عربية بواسطة : (موقع يمنات الأخباري) -

yemenat

يمنات

زكريا نمر 

بعض المثقفين لا يدافعون عن الحقيقة، بل يدافعون عن القبيلة والمسؤول الفاسد والجهة التي ينتظرون منها مصلحة. وحين تتعارض مصالحهم مع مصلحة المجتمع، لا يترددون في التضحية بالحقيقة، حتى لو كان الثمن مزيدا من الفقر والجهل والانقسام. هؤلاء لا يستخدمون المعرفة لفهم الواقع وتغييره، بل يوظفونها لتبرير أخطائه وحماية المسؤولين عن فشله.المثقف الذي لا يستطيع انتزاع نفسه من الانتهازية، ولا يملك الشجاعة لمواجهة جماعته عندما تخطئ، لا يؤدي دورا حقيقيا في المجتمع. فالشهادة الأكاديمية لا تمنح صاحبها وعيا نقديا تلقائيا، والقدرة على الحديث في المنابر وكتابة المنشورات لا تجعل الإنسان مثقفا بالضرورة. قيمة المثقف في قدرته على التفكير المستقل، وكشف الفساد، ومساءلة السلطة، ومواجهة الأفكار التي تدفع المجتمع نحو الصراع والتخلف، حتى عندما تصدر هذه الأفكار عن أشخاص ينتمي إليهم.

في الواقع السياسي والاجتماعي، نجد من يقدم نفسه باعتباره مثقفا، لكنه يقف في صف المسؤول الفاسد لمجرد أنه ينتمي إلى قبيلته، ويدافع عن أبناء السلطة مهما كانت أخطاؤهم، ويبحث عن المبررات لكل فشل يصدر عن جماعتهم. لا يناقش الوقائع ولا يسأل عن الأموال العامة التي أهدرت، ولا عن المؤسسات التي تعطلت، ولا عن المدارس التي تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم الحديث. كل ما يهمه هو حماية الأشخاص الذين يرى أن الدفاع عنهم واجب قبلي أو سياسي.هذا النوع من المثقفين لا يكتفي بالصمت عن الفساد، بل يمنحه غطاء اجتماعيا، ويحول النقاش من محاسبة المسؤول إلى الدفاع عن هويته. فإذا انتقد أحدهم مسؤولا فاسدا، سارع إلى اتهامه باستهداف القبيلة، وإذا طالب بمحاسبة أحد أبناء السلطة، جرى تصويره عدوا للجماعة. وبهذه الطريقة تصبح القبيلة وسيلة لإسكات النقد، ويصبح الفساد قضية انتماء بدلا من أن يكون قضية قانون ومسؤولية عامة.

ما الذي يجعل شخصا متعلما يدافع عن مسؤول يعرف أنه فاسد، ثم يطالب الناس باحترام موقفه باعتباره موقفا فكريا؟ هل فقد القدرة على التمييز بين المصلحة العامة ومصلحة جماعته، أم أنه يعرف الحقيقة لكنه يفضل تجاهلها حتى لا يخسر موقعه أو علاقاته؟ في الحالتين، لا يمكن إعفاءه من المسؤولية؛ لأن الجهل بشيء يختلف عن معرفة الخطأ ثم الدفاع عنه.المشكلة أن بعض هؤلاء لا يكتفون بتبرير الفساد، بل يسهمون في إدخال المجتمعات في صراعات داخلية عبر خطابات الكراهية والتحريض والتخوين. بدلا من البحث عن أسباب الأزمات، يوجهون غضب الناس نحو قبائل أخرى أو جماعات سياسية منافسة، ويقدمون الخلافات باعتبارها معارك بين جماعات متناحرة، لا صراعا حول السلطة والموارد والحقوق والمسؤولية. وهكذا ينشغل المواطن بالعداء لجاره، بينما يواصل أصحاب النفوذ إدارة مصالحهم بعيدا عن المساءلة.إن الخطاب الذي يحرض الناس على بعضهم لا يصبح وطنيا لمجرد أن صاحبه يتحدث باسم قبيلته، ولا يصبح سياسيا واعيا لمجرد أنه يعرف كيف يهاجم خصومه. عندما يستخدم المتعلم معرفته لإنتاج الكراهية، فهو لا يساهم في حل الأزمة، بل يزيدها تعقيدا. والمجتمع الذي يتحول فيه المثقف إلى محرض، ويصبح فيه المتعلم مدافعا عن التعصب، لن تنقذه زيادة عدد الشهادات؛ لأن المشكلة لم تعد في نقص التعليم وحده، بل في غياب المسؤولية الأخلاقية والفكرية.

أما المثقف الذي يراقب السلطة والمعارضة والقيادات القبلية، فلا يجوز أن يختار لهم معايير مختلفة للمحاسبة. ليس من المقبول أن يرفع صوته ضد الفساد عندما يصدر عن خصمه، ثم يخفضه عندما يرتكبه شخص من جماعته. وليس من المنطقي أن يطالب بالعدالة عندما يكون المتضرر من قبيلته، ثم يتجاهل حقوق الآخرين عندما يكون الظلم واقعا عليهم. هذه ليست مواقف نقدية، بل انتقائية تحكمها المصالح والانتماءات.والسؤال الذي يستحق النقاش هو: كم من هؤلاء قدم مبادرة حقيقية لإصلاح السياسة، أو تطوير التعليم، أو نشر ثقافة المواطنة، أو الحد من خطاب الكراهية؟ كم واحدا منهم انشغل بتقديم أفكار قابلة للتطبيق لتحسين المدارس، وتأهيل المعلمين، وتشجيع البحث العلمي، وتوسيع فرص الشباب، وبناء مؤسسات تحترم القانون؟ وكم واحدا اكتفى بكتابة منشورات التأييد والهجوم، ثم اعتبر نفسه صاحب مشروع فكري؟.ليس المطلوب من المثقف أن يحل جميع مشكلات المجتمع بمفرده، لكن المطلوب ألا يجعل قلمه أداة لتعطيل الحلول. يستطيع أن يكتب دراسة، أو يفتح نقاشا عاما، أو ينظم مبادرة للتوعية، أو يقدم تصورا لإصلاح قطاع التعليم، أو يواجه خطاب الكراهية بالحجة والمعرفة. وقد لا تنجح كل مبادرة، لكن غياب المحاولة مع الاستمرار في توزيع الاتهامات يكشف أن بعض المتحدثين باسم التغيير لا يريدون تحمل مسؤولية عملية تجاه المجتمع.

إن إصلاح السياسة لا يبدأ بتغيير الأشخاص وحدهم، بل بمراجعة الثقافة التي تسمح للمسؤول الفاسد بالاختباء خلف القبيلة، وللقيادة الفاشلة بالاستمرار في الحكم دون محاسبة، ولأبناء الطبقات النافذة بالحصول على الامتيازات بينما يدفع بقية المواطنين ثمن سوء الإدارة. والمثقف الذي لا يناقش هذه القضايا، ولا يطالب بقواعد عادلة لتوزيع الفرص والموارد، ولا يرفض تحويل مؤسسات الدولة إلى ممتلكات خاصة، يترك المجال مفتوحا أمام استمرار الأزمة.ولا ينفصل التعليم الحديث عن هذه المعركة. فالمجتمع يحتاج إلى تعليم ينمي القدرة على التفكير والتحليل والبحث، لا إلى تعليم يكتفي بتخريج أشخاص يحملون الشهادات ويكررون ما يسمعونه. يحتاج الطلاب إلى تعلم احترام الاختلاف، وفهم حقوق الإنسان، والتمييز بين النقد والإهانة، وبين الانتماء القبلي والمواطنة. كما يحتاج المعلمون والمؤسسات التعليمية إلى بيئة تساعدهم على أداء دورهم، بعيدا عن التوظيف السياسي والتمييز والمحسوبية.لكن من الصعب المطالبة بتعليم ينتج عقولا مستقلة بينما يدافع بعض المتعلمين عن الولاء الأعمى، ويهاجمون كل من يخالفهم، ويبررون تجاوزات المسؤولين باسم الانتماء. كيف يمكن لشخص أن يدعو إلى نهضة المجتمع، ثم يرفض محاسبة أحد أبناء جماعته؟ وكيف يطالب بالعدالة، ثم يقبل أن تكون الفرص والوظائف والامتيازات مرتبطة بالقرب من السلطة؟ إن التناقض بين الخطاب والممارسة هو ما يجعل كثيرا من الدعوات إلى الإصلاح بلا قيمة عملية.المثقف ليس مطالبا بالتخلي عن قبيلته أو إنكار جذوره الاجتماعية، لكنه مطالب بفهم الفرق بين الانتماء والتعصب. يستطيع أن يحب جماعته دون أن يبرر أخطاءها، وأن يدافع عن حقوق أبنائها دون أن ينكر حقوق الآخرين، وأن ينتقد خصومها دون أن يختلق ضدهم الاتهامات. أما تحويل الانتماء إلى مبرر للفساد والتمييز والكراهية، فهو إضرار بالمجتمع وبالجماعة نفسها؛ لأن القبيلة التي تحمي الفاسد تضعف فرص أبنائها في العيش داخل دولة عادلة.ولا أرى أن المشهد الثقافي والسياسي يعكس حضورا كافيا للمثقف المستقل الذي يضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة. هناك من يمتلكون المعرفة والخبرة، لكن بعضهم يختار الصمت عندما تكون المحاسبة مكلفة، أو يغير خطابه بحسب موقعه من السلطة، أو يجعل من خصومه هدفا دائما بينما يتجنب أخطاء حلفائه. وعندما يصبح النقد انتقائيا، يفقد المجتمع وسيلة مهمة لكشف الخلل وتصحيح المسار.

المثقف الحقيقي لا يحتاج إلى أن يكون معارضا دائما، كما لا يحتاج إلى أن يكون مؤيدا دائما. عليه أن يفحص المواقف والقرارات والنتائج، وأن يحدد موقفه بناء على الوقائع لا على هوية صاحب القرار. فقد تتخذ السلطة قرارا صحيحا يستحق الدعم، وقد تقدم المعارضة موقفا خاطئا يستحق النقد. الاستقلال الفكري يعني القدرة على قول ذلك دون الخضوع لضغط الجماعة أو إغراء المنصب أو الخوف من خسارة العلاقات.كما أن مسؤولية المثقف لا تتوقف عند نقد المسؤولين، بل تشمل نقد المجتمع نفسه عندما يقبل الظلم أو يبرر العنف أو يشارك في نشر الكراهية. فليس كل ما يصدر عن المجتمع صحيحا، وليس كل ما تتفق عليه الجماعة عادلا. أحيانا يحتاج المجتمع إلى من يواجهه بحقيقة لا يرغب في سماعها، ويذكره بأن حقوق الإنسان لا تتغير بتغير القبيلة، وأن دماء المواطنين لا تختلف قيمتها بحسب انتماءاتهم. إن النهضة الإنسانية تبدأ عندما يصبح الإنسان قيمة في ذاته، لا مجرد رقم داخل قبيلة أو أداة في يد حزب أو وسيلة للوصول إلى السلطة. ولا يمكن بناء مجتمع يحترم الإنسان إذا كان المثقف نفسه يبرر إهانته أو يحرض عليه أو يصمت عندما تنتهك حقوقه. الدفاع عن الإنسان لا يحتاج إلى شروط قبلية أو سياسية، والعدالة التي تستثني أبناء الجماعة لا تستحق أن تسمى عدالة.

أزمة المثقف ليست في أنه لا يتحدث، بل في أنه قد يتحدث كثيرا دون أن يقدم معرفة أو نقدا أو مبادرة. وقد يملأ صفحات التواصل الاجتماعي بالتحليلات، لكنه يتجنب سؤالا بسيطا: ماذا فعلت لتغيير الواقع الذي تنتقده؟ لا أقصد أن الكتابة وحدها عاجزة عن التغيير، بل إن الكتابة تفقد قيمتها عندما تتحول إلى تكرار للمواقف نفسها، دون بحث أو مراجعة أو محاولة لتقديم بدائل.لسنا بحاجة إلى مزيد من الأشخاص الذين يبررون أخطاء جماعتهم، أو يلمعون المسؤولين، أو يحولون الخلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية. نحن بحاجة إلى مثقفين يواجهون الفساد مهما كان مصدره، ويرفضون التحريض مهما كان صاحبه، ويقدمون أفكارا ومبادرات في السياسة والتعليم وبناء السلام، ويعاملون الإنسان على أساس حقوقه لا على أساس قربه من السلطة أو انتمائه القبلي.السؤال الذي أطرحه ليس كم لدينا من حملة الشهادات، ولا كم شخصا يكتب عن الوعي والتغيير، بل كم واحدا يستطيع أن ينتقد قبيلته عندما تخطئ، ويحاسب المسؤول الذي يدعمه، ويرفض الدفاع عن الفساد حتى لو كان المستفيد منه أقرب الناس إليه؟ وكم واحدا مستعدا لأن يقدم للمجتمع فكرة أو مبادرة أو عملا يساهم في تحسين حياة الناس بدلا من دفعهم إلى مزيد من الصراع؟.إذا كان المثقف لا يستطيع مخالفة جماعته عندما تخطئ، ولا مساءلة السلطة عندما تفسد، ولا تقديم بديل عندما ينتقد، فما الذي يميزه عن أي تابع آخر؟ وما الفائدة التي يجنيها المجتمع من معرفة تتحول إلى وسيلة لحماية المصالح وتبرير الفشل؟.المشكلة ليست في قلة المتعلمين، بل في أن بعضهم لم يجعل من المعرفة مسؤولية تجاه المجتمع. وحين يتحول القلم إلى مدافع عن الفساد، ويصبح المتعلم أداة في صراع القبائل والسلطة، يفقد المثقف دوره، ويصبح جزءا من الأزمة التي يدعي أنه يريد إصلاحها.

من حائط الكاتب على الفيسبوك

yemenat

مشاهدة من هو المثقف

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ من هو المثقف قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على موقع يمنات الأخباري ( اليمن ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، من هو المثقف؟.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار