محمد مدني يستعيد أحداث مولاي بوعزة.. عقاب “السنة البيضاء” وحرق مقالاته وأول دروس السياسة ...المغرب

اخبار عربية بواسطة : (صوت المغرب) -

في مارس 1973، شهدت منطقة مولاي بوعزة بالأطلس المتوسط محاولة مسلحة لإسقاط النظام، قادتها عناصر مرتبطة بالتنظيم السري لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، في سياق احتدام الصراع بين القصر ومعارضيه، وبعد محاولتي الانقلاب العسكري في 1971 و1972. أُخمدت المحاولة، وأعقبتها حملة أمنية واسعة شملت الاعتقالات والمطاردات في عدد من المناطق، لتصبح أحداث مولاي بوعزة إحدى المحطات البارزة في تاريخ سنوات الرصاص بالمغرب.

وعلى مقربة من بؤرة تلك الأحداث، كان محمد مدني يتابع دراسته الثانوية بمدينة خنيفرة. هناك، عاش تداعياتها في دراسته وحياته الأسرية، من إلغاء سنة دراسية كاملة رغم اجتياز التلاميذ امتحاناتهم والنجاح فيها، إلى حرق والدته مقالاته وأشعاره خوفا من أن تطاله الملاحقات أو الاعتقال.

وخلال حلوله ضيفا على برنامج “ضفاف فنجان”، الذي تبثه صحيفة “صوت المغرب”، يستعيد مدني، الأستاذ الجامعي والباحث في العلوم السياسية، تفاصيل تلك المرحلة، من أجواء الثانوية قبل الأحداث إلى المراجعة الفكرية التي أعقبت فشل الحركة المسلحة، وانتقاله إلى جامعة ظهر المهراز بفاس سنة 1974.

خنيفرة قبل الأحداث

في بداية سبعينيات القرن الماضي، كان محمد مدني يتابع دراسته الثانوية بمدينة خنيفرة، في مؤسسة يصفها بأنها “كانت ثانوية نشيطة جداً”، تتفاعل داخلها أفكار سياسية وثقافية متعددة.

وكان لعدد من الأساتذة الفرنسيين المتعاونين، المعروفين باسم “ les coopérants “، دور محوري في تحريك الحياة داخل الثانوية. وبحسب مدني، اختار هؤلاء الأساتذة العمل في منطقة هامشية ومعزولة بدافع نضالي وإنساني، ونقلوا إلى التلاميذ أفكار حركة ماي 1968 في فرنسا، وأجواء الحركات التلمذية واليسارية التي طبعت تلك الفترة.

كما كان التلاميذ يتابعون أصداء نضالات الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وتيارات التغيير الراديكالي التي كانت ترى أن التغيير يتم عبر آليات حاسمة.

ويختصر مدني أثر تلك المحطة في مساره الشخصي بقوله: “ولكن الحدث الأكبر هو أحداث 1973، أحداث مولاي بوعزة… هذه الأحداث أنا شخصياً أثّرت فيّ”**.

فقد انتقلت تداعيات المواجهة المسلحة إلى المدرسة والشارع والبيت، وفرضت على المنطقة أجواء من الخوف والترقب وعسكراً مكثفاً، لتصبح الأحداث نقطة تحول حاسمة في تجربته الشخصية والسياسية[4][6].

سنة دراسية ملغاة

كان مدني تلميذاً متفوقاً بثانوية “أبو القاسم الزياني”، ويحصل باستمرار على لوحات الشرف والتهاني (tableau d’honneur)، لكن اندلاع الأحداث المسلحة وما أعقبه من قرارات سلطوية قلب مساره الدراسي رأسًا على عقب.

قررت السلطات إعلان ما عُرف بـ “السنة البيضاء” في الثانوية بأكملها، في إجراء شمل جميع التلاميذ بصرف النظر عن نتائجهم الدراسية.

ويستعيد مدني تلك اللحظة موضحاً أن التلاميذ خاضوا إضرابات، لكنهم تابعوا دراستهم واجتازوا الامتحانات وحققوا نتائج ممتازة، قبل أن يُلغى الموسم الدراسي برمته ويُجبروا جميعاً على إعادة السنة.

ويصف القرار بقوله إنه كان **”قراراً عقابياً أثر عميقاً في مسار التلاميذ”. لم يكن الأمر بالنسبة إليه مجرد تأخير في المسار التعليمي، بل عقوبة جماعية أورثت التلاميذ شعوراً أليماً بالحيف والتظلم، امتدت آثاره إلى مساراتهم الدراسية والنفسية.

وهكذا تحولت الثانوية، التي كانت فضاءً للنقاش والتفاعل الفكري، إلى إحدى ساحات العقاب الجماعي الذي أعقب أحداث مولاي بوعزة، وفق ما يرويه مدني عن تجربته الشخصية.

مدينة تحت الحصار

لم تتوقف تداعيات الأحداث عند إلغاء السنة الدراسية، بل عرفت خنيفرة انتشاراً عسكرياً مكثفاً للقوات الأمنية، وتحولت -بحسب مدني- إلى ما يشبه “مدينة محاصرة ومطوقة”، عاش سكانها تفاصيل الأحداث “جسدياً وبكل الحواس”.

كانت المروحيات العسكرية تجوب السماء باستمرار، وترافقت تلك الأجواء مع تناقل إشاعات يومية يعكس تداولها حجم الخوف السائد؛ حيث شاعت أخبار عن توقيف شخص لمجرد إشارته بيده نحو مروحية حلقّت فوقه، أو توقيف امرأة بسبب أغنية فُسرت على أنها تحمل تعاطفاً مع أحد المشاركين في حركة 1973.

كما يطرق مدني إلى إعدام شخصيات ينتمون للمنطقة، من بينهم الجنرال حمو، موضحاً أن مشاركة بعض أبناء المنطقة في الحركة المسلحة ارتبطت، وفق ما ظهر لاحقاً، “بدوافع رد الفعل والانتقام لِما تعرض له أفراد من عائلاتهم”.

وبذلك لم تكن أحداث مارس 1973 بالنسبة إلى مدني مواجهة مسلحة بعيدة عنه، بل تجربة يومية شاهد فيها كيف انتقلت تداعيات الصراع السياسي إلى الشارع والعلاقات الأسرية وإحساس السكان بالأمان.

الرعب في قلوب العائلة

في خضم تلك الأجواء، كان مدني يكتب وينشر مقالات وأشعارات باللغة الفرنسية وهو لا يزال تلميذاً بخنيفرة، في مجلة “L’Opinion des Jeunes”؛ صفحة الشباب بجريدة L’Opinion التابعة لحزب الاستقلال، موثقاً إياها باسم حركي خجلاً من التوقيع باسمه الصريح كشاعر.

لكن الخوف من الاعتقالات سرعان ما دخل البيت؛ إذ استبد القلق بوالدته خشية أن يطاله الاعتقال، فجمعت أعداد المجلات التي تحتفظ فيها بمقالاته وأشعاره وأحرقتها بالكامل.

ويستحضر مدني هذه الواقعة بمفارقة لافتة؛ إذ إن الجريدة كانت لسان حزب الاستقلال وليست صحيفة راديكالية، غير أن شدة الخوف والمحاصرة الأمنيّة “دفعت والدته لإتلاف كتاباته المبكرة حمايةً لسلامته”.

ومن التفاصيل الراسخة في ذاكرة مدني، ما أعقب فشل الحركة المسلحة من عمليات تمشيط واسعة داخل الغابات، تُعرف محلياً بـ “التحياح”؛ حيث كانت عناصر القوات المساعدة تدخل الغابات لمطاردة وإخراج العناصر المختبئة بين الأشجار.

وتزامن ذلك مع شائعات عن دعوة الشباب غير المتمدرسين للمشاركة في الخطوط الأمامية لعمليات التمشيط هذه. ولأن أخاه لم يكن يتابع دراسته آنذاك، “عاشت والدته رعباً حقيقياً خوفاً من احتمال إقحامه في الخطوط الأمامية لمواجهة المسلحين في الغابة”.

“أمدا”.. بطل الذاكرة المحلية

في استعادة مدني لتلك المرحلة، تحتل شخصية محلية تُدعى “أُمدّا” (Omda) مكانة رئيسية في الذاكرة الشعبية بخنيفرة.

ويشير مدني إلى أن البطل الرمزي للحركة في المخيال المحلي لم يكن الفقيه البصري أو مهدي بنونة، بل هذا الشخص 3الذي ارتبط اسمه بمهارته العالية في استخدام السلاح وبقدرته الاستثنائية على الفرار3.

وكان “أمدا” قد عمل سابقاً في القوات المساعدة قبل التحاقه بالحركة المسلحة، وتحول في الذاكرة الشفهية إلى شخصية ذات حضور أسطوري وُصفت بأنها “غير متاحة للاقتناص أو الاعتقال”، بعدما نجح في الإفلات من قبضة الأجهزة الأمنية والفرار إلى الخارج.

مراجعة فكرية

لم تنتهِ آثار أحداث مولاي بوعزة بالنسبة إلى مدني عند التجربة الشخصية والعائلية العصيبة التي عاشها بخنيفرة، بل امتدت إلى مراجعات فكرية وسياسية شملت جيله عقب فشل الحركة المسلحة.

فقد أدى فشل تجربة 1973 إلى استخلاص درسين حاسمين في تشكيل الوعي السياسي للشباب آنذاك؛ أولها؛ نقد ما سماه “المنطق البلانكي”؛ أي الرهان على محاولة التغيير عبر العنف ورفع السلاح وإنشاء بؤر ثورية مسلحة في المناطق “على أمل أن تلتحق بها الجماهير تلقائياً، وهو المنطق الذي أثبتت التجربة الميدانية فشله وعقمه”.

أما الدرس الثاني، فهو ضرورة امتلاك “سلاح نظري واضح”؛ إذ يرى مدني أن مكامن الضعف الأساسية في الحركة المسلحة ارتبطت بـ “غياب نظرية ثورية مؤطرة، وعدم استيعاب الأداة النظرية الماركسية اللينينية، وغياب العمل التنظيمي المؤطر وسط الجماهير”.

وشكلت هذه المراجعة الفكرية مدخلاً للانتقال من عفوية التعاطف إلى التوجه نحو العمل النضالي والسياسي المنظم داخل الساحة الطلابية والجامعية.

من خنيفرة إلى أزرو ثم فاس

في سنة 1974، انتقل مدني في سنة البكالوريا إلى ثانوية طارق بمدينة أزرو، حيث أدى الامتحانات في شعبة الأدب العصري، واكتشف نتيجة نجاحه -كما كان سائداً آنذاك- عبر صفحات جريدة “L’Opinion”.

ومع فتح ملحقة لكلية الحقوق بجامعة ظهر المهراز بمدينة فاس، التحق بها مدني لتلقي تكوينه الجامعي في تخصص العلوم السياسية باللغة الفرنسية، وسط بيئة طلابية مشكلة من روافد اجتماعية وجغرافية متعددة قادمة من مختلف مناطق المغرب.

وهناك، وترجمةً للمراجعات الناتجة عن أحداث 1973، انخرط مدني في العمل الطلابي المنظم عبر التحاقه بـ فصيل طلبة 23 مارس (الطلبة الديمقراطيون)، مقتنعاً بأهمية التنظيم والتأطير النظري والسياسي.

ويختصر مدني هذا التحول الحاسم بقوله: “هذا الاستنتاج هو ما وجّه وعينا السياسي وقتها، ودفعنا فور انتقالنا إلى جامعة ظهر المهراز بفاس سنة 1974 للانخراط في العمل النضالي المنظم والتحاقي بفصيل طلبة 23 مارس”.

وهكذا، لم تقف أحداث مولاي بوعزة في تجربة محمد مدني عند حدود الذكرى التاريخية؛ بل أثمرت مراجعة فكرية وسياسية قادته من مرارة العقاب الجماعي بخنيفرة إلى رحاب التحصيل الأكاديمي والنضال المنظم بجامعة ظهر المهراز بفاس.

محمد مدني يستعيد أحداث مولاي بوعزة.. عقاب “السنة البيضاء” وحرق مقالاته وأول دروس السياسة صوت المغرب.

مشاهدة محمد مدني يستعيد أحداث مولاي بوعزة عقاب ldquo السنة البيضاء rdquo وحرق

يذكر بـأن الموضوع التابع لـ محمد مدني يستعيد أحداث مولاي بوعزة عقاب السنة البيضاء وحرق مقالاته وأول دروس السياسة قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.

التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::

وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، محمد مدني يستعيد أحداث مولاي بوعزة.. عقاب “السنة البيضاء” وحرق مقالاته وأول دروس السياسة.

آخر تحديث :

في الموقع ايضا :

الاكثر مشاهدة اخبار عربية
جديد الاخبار