يبدو أن الولاية الحكومية والتشريعية الجديدة ستكون حافلة بالأحداث، وطافحة بالتجارب والدروس والتمارين التطبيقية في ممارسة الديمقراطية وتدبير الشأن العام. فكل ما أغرقت حكومة عزيز أخنوش في ممارسته من تعسف في الصمت، وتغييب للنقاش، وإمعان أحيانا في ممارسات أضعفت الثقة واحتقرت حق المواطنين في المعرفة والتفسير، يتفجر اليوم في شكل طلب كبير على الشفافية واحترام القواعد والاحتكام إلى المثل العليا.
قسم مهم من نقاش اليومين اللذين أعقبا تعيين الحكومة الجديدة، انصب على مسألة استوزار أسماء لم تنجح في الانتخابات، في استدعاء جميل لقيمة ديمقراطية عليا اسمها الإرادة الشعبية، رغم أن كل ما يجري لا يرتبط بهذه الإرادة إلا بما يشبه شعرة معاوية؛ من فوق، حيث تتم هندسة الحكومة وتعيين عدد من وزرائها الأساسيين خارج العملية الانتخابية المباشرة، ومن أسفل حيث تتراجع المشاركة في صناديق الاقتراع بينما يحضر المواطن بقوة في النقد والمساءلة والمطالبة عبر المنصات الرقمية.
يومان قصيران فقط فصلا بين تعيين الحكومة مساء الجمعة وأول إعفاء منها، لكنهما شهدا من النقاش ما لم نكن نحلم بمثله خلال شهور طويلة من الولاية السابقة. يكفي الجدل الذي فجّره الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، جمال العسري، حول دستورية تسليم السلط بين الوزراء القدامى والجدد قبل التنصيب البرلماني.
لا يهم كثيرا هنا من أصاب ومن أخطأ في قراءة النصوص واستنطاق الدستور، بقدر ما يهم أن النقاش وقع أصلا، وأن رأيا سياسيا اختار أن يرفع من قيمة البرلمان والإرادة الشعبية إلى أقصاها، ورد عليه من تمسك بقراءة حرفية للنصوص التي لم تجعل تسلم الوزراء لمهامهم معلقا على التصويت على البرنامج الحكومي.
لكن التمرين الأكثر أهمية جاء من حيث لم يكن أحد ينتظره. عُينت ماديحة خيير مساء الجمعة وزيرة منتدبة مكلفة بالتكوين المهني والتأهيل، وفي الساعات الموالية انتشرت وثائق ومعطيات قديمة مرتبطة بمسارها الشخصي والقضائي، في مقدمتها شهادة طبية-قانونية تعود إلى سنة 2004، تتضمن معطيات شديدة الحساسية عن حالتها النفسية في تلك المرحلة، وتنتهي إلى تقدير طبي ذي دلالة قانونية بشأن مستوى مسؤوليتها.
زوال الأحد، أعلن الديوان الملكي أن الملك محمد السادس قبل طلب رئيسة الحكومة إعفاءها، طبقا للفصل 47 من الدستور. وبعد ذلك أوضح الناطق الرسمي باسم الحكومة سمير بلفقيه أن الحكومة تعاملت بصورة استعجالية مع ما جرى تداوله من “معطيات قضائية وطبية ذات طابع شخصي”، وأن القرار جاء في إطار تحمل المسؤولية وتوفير الظروف المناسبة لاستكمال المسار الدستوري للحكومة.
هذا هو الدرس الحقيقي. فقد وجدنا أنفسنا أمام سؤال لم نعتد طرحه بجدية، حول أين تنتهي الحياة الخاصة للمسؤول العمومي؟ وأين تبدأ المصلحة العامة؟ الجواب ليس أن المسؤول يفقد حقه في الخصوصية بمجرد دخوله السياسة، كما أن الجواب ليس أن كل ما يتعلق بصحته أو ماضيه أو علاقاته الشخصية يصبح حصنا مغلقا لا يجوز الاقتراب منه.
القاعدة هنا هي أن حدود الخصوصية تضيق بقدر ما تصبح المعلومة الخاصة ذات صلة مباشرة بممارسة وظيفة عامة، أو بأهلية صاحبها لتحمل مسؤولية تجاه الآخرين، أو بمسألة قانونية أو أخلاقية يحتاج المواطن إلى معرفتها لكي يفهم كيف اتُّخذ قرار عام.
المرض ليس تهمة، والعلاج النفسي لا ينقص من أهلية صاحبه للحياة أو للعمل أو المسؤولية العامة، ووثيقة تعود إلى سنة 2004 لا تمنح أحدا الحق في تشخيص الحالة سنة 2026. لكن الأمر يصبح مختلفا حين لا نعود أمام ملف طبي عادي، بل أمام شهادة تحمل صفة طبية-قانونية، وتنتهي إلى تقدير يتعلق بالمسؤولية، وتظهر في مسار شخصية مرشحة لمنصب وزاري قبل أن تتفجر القضية بعد ساعات من تعيينها.
الدرس، إذن، ليس في استباحة الحياة الخاصة، بل في تعلم الاستعمال المفيد والمسؤول لما قد يخرج منها إلى المجال العام.
بعد سنوات عشنا فيها استباحة شبه شاملة لخصوصيات الناس، مواطنين ومسؤولين وفاعلين، دون غاية عامة واضحة، كان مفيدا أن نعيش هذه المرة نقاشا مختلفا حول متى تصبح المعلومة الشخصية ذات قيمة عامة؟، ومتى يكون نشرها تشهيرا، ومتى يكون إخفاؤها إضرارا بحق الجمهور في المعرفة؟ ومتى تصبح حماية الخصوصية غطاء يحجب عن المواطن معلومة كان ينبغي أن تدخل أصلا في عملية التدقيق قبل أن يصل صاحبها إلى منصب عام؟
لا يتعلق الأمر بالوزراء وحدهم. الملف الطبي الخاص بعيون سائق مهني لا يمكن أن يبقى خارج الفحص الذي يضمن سلامة الركاب. والحالة العصبية لجراح ليست مادة للفضول، لكنها تصبح ذات صلة مشروعة إذا أثرت في سلامة المرضى. والعلاقات الشخصية للصحافي ليست ملكا لجمهوره، لكنها تدخل مجال المساءلة حين تخلق تضاربا للمصالح مع من يغطي أخبارهم أو يدافع عنهم. هناك فرق دقيق بين الفضول والمصلحة العامة، وبين التشهير والتدقيق، وبين حق الناس في السر وبين حق المجتمع في ألا يتحمل نتائج أسرار تمس مباشرة ما هو المشترك.
لهذا كان الإعفاء السريع، في حد ذاته، تطورا إيجابيا. ليس لأنه يصدر حكما على ماديحة خيير في موضوع لم يقل القضاء كلمته النهائية فيه، بل لأنه يحدّثنا عن مسؤولية سياسية تفاعلت مع سؤال عام بدل أن تطلب من المواطنين الصمت وانتظار أن ينسوا.
لكن قرار الإعفاء لا يغلق السؤال، بل يفتحه على الوجه الصحيح. فالخطأ، إذا ثبت أن الملف كان قابلا للاكتشاف قبل التعيين، لا يتعلق فقط بما فعلته الوزيرة أو لم تفعله في الماضي، ولا بمن اقترح اسمها داخل حزب الاستقلال أو حمله إلى رئيسة الحكومة. هناك حلقة أخرى أكثر حساسية تتعلّق بمن دقق في الاسم وسيرته قبل أن يصل إلى مرحلة التعيين الملكي؟
أتذكر هنا واقعة صغيرة حضرتها قبل سنوات داخل لجنة برلمانية دائمة. كان نواب يسألون وزيرا عن سبب عدم تعيين المرشح الذي يحل أولا في ترتيب مباريات بعض المناصب العليا، ما دام ترتيبه يفترض أنه يعكس الكفاءة والاستحقاق. أجاب الوزير بعفوية شديدة بأن الترتيب ليس العنصر الوحيد، لأن هناك تقارير وتحريات أمنية تسبق اتخاذ القرار النهائي. أي أن الدولة لا تكتفي بما هو مكتوب في السيرة الذاتية حين يتعلق الأمر بتسليم شخص موقعا إداريا ذا حساسية.
وإذا كانت تعيينات إدارية بسيطة تمر، كما قال ذلك الوزير (لحسن الداودي)، عبر تحريات وتقارير قبل الحسم، فهل يعقل أن يصل اسم إلى لائحة حكومة ستصدر بشأنها ظهائر ملكية، ويقف صاحبه أمام رئيس الدولة لأداء القسم، دون أن تكون عملية التحقق قد استنفدت ما تملكه الدولة من أدوات ووسائل ومعلومات؟ وهل يمكن أن يعرف الرأي العام، بعد ساعات فقط من التعيين، ما لم تعرفه الجهة التي اقترحت، أو الجهة التي دققت، أو المؤسسات التي مرت منها اللائحة؟
لا يتعلق السؤال هنا بمطالبة أجهزة الدولة بتفتيش الحياة الخاصة للوزراء بحثا عن عيوب، بل المطلوب هو أن تكون هناك قواعد واضحة ومهنية وعادلة للتدقيق، تفرق بين ما هو خاص ولا شأن لأحد به، وما يمكن أن يؤثر فعلا في الأهلية القانونية والأخلاقية لتولي منصب عام.
التدقيق الجيد لا يحمي الدولة وحدها، بل يحمي أيضا المرشح نفسه من أن يتحول بعد تعيينه إلى موضوع محاكمة رقمية جماعية بسبب معلومة كان ممكنا فحصها وحسم أثرها قبل الوصول إلى تلك اللحظة. أي حماية حقوق وسلامة ماديحة خيير ومعها حماية الصالح العام، ويبقى “كلشي مستور”.
في النهاية، أفضل ما وقع في هذه القضية ليس تسريب وثيقة خاصة، ولا سقوط وزيرة بعد يومين من تعيينها. الأفضل هو أن المسألة لم تُدفن. سأل الناس، وردت الحكومة، وتحملت رئيسة الحكومة مسؤوليتها الدستورية، وصدر القرار بسرعة، وبقي السؤال معلقا فوق الجميع: كيف وصلنا أصلا إلى هذه الحالة؟
إذا كانت هذه الولاية ستمنحنا في كل مرة فرصة مماثلة لكي نفتح القوانين، ونختبر القواعد، ونطالب بالتفسير، ونكتشف أين تقع حدود الخاص والعام، ونرى المسؤول السياسي مضطرا إلى أن يبرر ويشرح ويتصرف، فلعلنا أمام واحد من أكثر التحولات المفيدة التي يمكن أن تنتجها السياسة، أي أن تصبح السلطة، مهما علت، مطالبة دائما بأن تجيب عن أبسط أسئلة المواطن وأكثرها مشروعية.
درس ماديحة خيير صوت المغرب.
مشاهدة درس ماديحة خيير
يذكر بـأن الموضوع التابع لـ درس ماديحة خيير قد تم نشرة ومتواجد على قد تم نشرة اليوم ( ) ومتواجد على صوت المغرب ( المغرب ) وقد قام فريق التحرير في برس بي بالتاكد منه وربما تم التعديل علية وربما قد يكون تم نقله بالكامل اوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدادت هذا الخبر او الموضوع من مصدره الاساسي.
التفاصيل من المصدر - اضغط هنا :::
وختاما نتمنى ان نكون قد قدمنا لكم من موقع Pressbee تفاصيل ومعلومات، درس ماديحة خيير.
في الموقع ايضا :